محنة التعريب في الجزائر.. مسيرة نصف قرن

 

وفاء مرزوق*

لا تزال مشكلة اللغة مطروحةً بقوّة في الجزائر، على الرغم من مضيّ خمسين سنة على استقلالها، وممّا نصّ عليه دستور البلاد في مراحله كافة، حول رسمية اللغة العربية. فالجزائر العربية لم تصبح فرنسية كما أرادت فرنسا، ولكنها مع ذلك، انقسمت على نفسها بين مؤيدي الفرنسة ودعاة التمسّك باللغة العربية كرمز للهوية الوطنية.

فرنسا، التي دخلت الجزائر غازيةً، كان هدفها الأول طمس كلّ ما هو جزائري، وجعل الجزائر مقاطعة فرنسية. وانطلاقاً من الهدف الاستعماري الاستيطاني الفرنسي، ركّزت السياسة الفرنسية الاستعمارية في الجزائر على طمس كلّ ما هو عربي وإسلامي، ومحو الهوية الجزائرية واستئصالها نهائياً. وبذلك حرم الكثير من الجزائريّين، إبان الاستعمار الفرنسي للجزائر، من التعليم، حتّى التقليدي منه، والقلة القليلة، التي كانت محظوظة، أُرغمت على التعلّم باللغة الفرنسية، نظراً لخطورة سلاح اللغة العربية، وتعاليم الدين الإسلامي على الاستعمار، كما كان يرى الفرنسيّون.

وبفضل المساجد وعلماء الدين والحركة الوطنية الجزائرية، وعلى رأسها "جمعية المسلمين الجزائريّين"، استطاعت الجزائر أن تتمسك بهويتها وأصالتها وقيمها العربية والإسلامية. أما الاستعمار الفرنسي، فقد استطاع أن يخلف آثاره على الثقافة الجزائرية، وأن يخلق له أتباعاً مازالوا حتى يومنا هذا يدافعون عن فرنسا ومصالحها في الجزائر.

وبعد خمسة عقود من استقلالها، ما زالت الجزائر تعاني من صراع خفيّ، لكنْ حاد، بين الفرنكفونيّين والمعربين، وبدلاً من استغلال ازدواجية لغوية يتعذّر وجودها في الكثير من الدول النامية، نجد الجزائر تعاني من مشكلات كثيرة جراء هذه الازدواجية. إذ عكفت، منذ استقلالها في 5 تموز/ يوليو 1962، على تكريس ثوابت الدولة الجزائرية والهوية الوطنية، ونصّ دستورها الأول الصادر في العام 1963 في مادته الخامسة، على أن اللغة العربية هي اللغة القومية والرسمية للدولة، لكن محنة التعريب استمرّت منذ مطلع الاستقلال، مروراً بعهد الرئيس هواري بومدين سنة 1971، حيث بدأت اللغة العربية تأخذ طابعاً رسميّاً، وفي عهد الرئيس الشاذلي بن جديد، حين حقّقت اللغة الفرنسية في الجزائر أبرز انتصاراتها، وصولاً إلى قرار رضا مالك، عند تعيينه رئيساً للحكومة خلفاً لبلعيد عبد السلام، بإلغاء قرار التعريب، الذي أصدره البرلمان الجزائري، بحجّة أنّ الظروف الدوليّة لا تسمح بذلك، وبمعنى آخر أنّ باريس وضعت "فيتو" في وجه اللغة العربية في الجزائر.

تجميد قانون تعميم اللغة العربية

بتاريخ 27 كانون الأول/ديسمبر من العام 1990، أصدر المجلس الشعبي الوطني (البرلمان الجزائري) قانون تعميم استعمال اللغة العربية في الجزائر، الذي تزامن مع مسيرة فرنكوفونية حاشدة ضدّه. إذ تعرّض إثرها الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد إلى ضغوط شديدة، من أجل عدم توقيع هذا القانون. لكن الرئيس الشاذلي أصرّ عليه، وتمّ توقيعه في 16 كانون الثاني/يناير العام 1991، الأمر الذي خلق له أعداء من اللوبي الفرنكوفوني، لينتهي الأمر بتنحّيه من منصبه مباشرةً بعد ذلك، في 11 كانون الثاني/ يناير العام 1992.

وعند تولّي محمد بوضياف رئاسة الجزائر، أصدر توجيهاته إلى المجلس الاستشاري برئاسة رضا مالك، وقام بإصدار مرسوم تشريعي يقضي بتجميد قانون تعميم استعمال اللغة العربية في 4 تموز/يوليو 1992، واستمر الوضع كذلك إلى أن ألغي التجميد بمرسوم أصدره الرئيس اليمين زروال في 21 كانون الأول/ديسمبر العام 1996، حيث أسّس هذا الأخير، المجلس الأعلى للّغة العربية لتطبيق القانون. ولكن ما لبث أن تمّ تجميد القانون من دون مرسوم واستقالة الرئيس زروال من منصبه، الأمر الذي يثير الشكّ في وجود لوبي فرنكوفوني وراء ذلك، خصوصاً أنه حينما ألغى الرئيس اليمين زروال تجميد القانون، تحرّك النواب الفرنسيّون في البرلمان الأوروبي، الذي أصدر في تشرين الثاني/نوفمبر العام 1997، بياناً بواسطة لجنته الفرعية لحقوق الإنسان، يعكس العداء الواضح للّغة العربية، وتحريض أبناء الجزائر ضدّ لغتهم الأم؛ وممّا جاء في البيان: "إن سياسة التعريب جاءت نتيجة عمل فوج في ميثاق 1976، وإن اللغة العربية، التي فرضت على المجتمع الجزائري هي اللغة الفصحى، وهي لغة مصطنعة بعيدة عن المجتمع، وعن العربية، التي يتكلّمها الشارع الجزائري. فالعربية الفصحى فرضت عنوة في التعليم والقضاء، وقد ألحق تعليم الفصحى الضرر بالفكر، ومكّن الفكر الأصولي الظلامي الديني من الانتشار، وأدخل الحركة الإسلامية إلى البلاد".

فيما يلاحظ أيضاً، أن فرنسا، التي تحارب قانون تعميم اللغة العربية في الجزائر، أصدرت قانون حماية اللغة الفرنسية في العام 1994، وذلك بمناسبة ذكرى مائتي سنة على قانون تعميم استعمال اللغة الفرنسية، الذي أصدرته الثورة الفرنسية سنة 1794.

من مكاسب التعريب

حقّقت اللغة العربية في الجزائر مكاسب عديدة، أهمّها المحافظة على مركزها الأول، باعتبارها اللغة الوطنية الرسمية في البلاد، كما جاء في مختلف مراحل الدستور الجزائري، ابتداءً من دستور 1963 إلى دستور 1976 و1989 و1996. وعلى الرغم ممّا شاب مسار التعريب من عراقيل، إلا أن اللغة العربية نجحت في أن تكون لغة الخطاب العام، واقتحمت مجال التعليم والإدارة المحرمين سابقاً، كما تمكّنت من أن تكون لغة الإعلام والاتصال عبر تعميمها على وسائل الإعلام كافة، وكذلك على المعاملات والرسائل الرسمية في الدولة. يأتي هذا في إطار إحياء اللغة العربية، وإنعاش الترابط اللغوي بينها وبين اللغات الأخرى بشكل يمكّن الجميع من الاستفادة منها، وليس كما هو الحال اليوم، بحيث يسود التشتت اللغوي، وغياب التنظيم والآليات الحديثة الكفيلة بالحفاظ على اللغة العربية، وتعلّم لغات أخرى إلى جانبها.

من المكاسب التي حقّقتها اللغة العربية على المدى القريب، رفض القضاء الجزائري التعاطي باللغة الفرنسية، وعدم قبوله الوثائق والعقود كافة، المدوّنة بالفرنسية، في التقاضي أمام المجالس والمحاكم القضائية الجزائرية، وذلك تنفيذاً للأحكام الجديدة من قانون الإجراءات المدنية المعدّل. إذ تنصّ أحكام هذا القانون على إلزام رجال القانون والمحامين والمتقاضين بتقديم كلّ الوثائق، التي تتضمّنها الدعاوى والملفات القضائية، باللغة العربية فقط.

ويخشى بعض القانونيّين أن يتسبّب هذا التعديل في إرباك عمل المحاكم، التي تتداول كثيراً من الوثائق المحررة بالفرنسية، والتي تعود إلى الحقبة الاستعمارية؛ إلا أن بعض المسؤولين في السلطة القضائية يستبعدون أن تؤدّي التعديلات، التي أقرها البرلمان في العام 2008، إلى مشكلات جوهرية تعوق العمل القضائي، خصوصاً بعدما منحت مهلة سنة كاملة لمعالجة أيّ تعقيدات قد تترتّب عن تعريب عمل المحاكم، والذي أصبح ساري المفعول منذ 25 نيسان/ أبريل.

من جانب آخر، تعدّ الجزائر من أكبر البلدان الفرنكوفونية، من دون أن تكون رسمياً عضواً فعالاً أو ملاحظاً، بحسب طبيعة العلاقة، التي تخصّها المنظمة الدولية لمنتسبيها؛ وهذا ما يؤكّد هيبة الدولة الجزائرية، وتمسكها بتاريخها النضالي، وهويتها العربية وكرامتها.

ويتساءل الدكتور عثمان سعدي، رئيس جمعية الدفاع عن اللغة العربية في الجزائر، كيف توصف اللغة العربية بغير العلمية، وهي لغة تصنف من ضمن لغة أعظم حضارة إنسانية؟

ويؤكّد الباحث الجزائري عبد الملك مرتاض، أن الفرنكوفونية لم تستطع أن تسجّل في المغرب العربي إلا انتصارات هزيلة، ولو انتصرت حقاً، لكانت استطاعت أن تمحو اللغة العربية من هذه الأقطار محواً كاملاً، وقد أتيح لها أن تستعمرها لفترات متفاوتة الطول، أطولها ما مكثته في الجزائر، التي هيمنت عليها مائة واثنين وثلاثين عاماً.

ولعلّ الذي أفسد على الاستعمار الفرنسي أمره، وخيّب خطته، أن الإسلام المجسّد، خصوصاً في القرآن الكريم، والذي ظلّ الناس يحفظونه ويحاولون فهم نصّه في الأرياف والبوادي، هو الذي حال دون تحقيق مبتغاه؛ ما جعل أقطار المغرب تحافظ على شخصيتها العربية الإسلامية إلى حدّ بعيد… ولولا القرآن الكريم لأصبحت العربية في هذه الأقطار خبر كان…

لكن ذلك كلّه لا يعني أن الاستعمار الفرنسي فشل فشلاً مطلقاً في مشروعه اللغوي، ولاسيّما أن اللغة هي البوابة الحقيقية لدخول أيّ حضارة أو ثقافة أجنبية…فها هو يطلّ، من مسارب شتّى.

*حاصلة على دكتوراه في القانون، وأستاذة في كلّية الحقوق، جامعة قسنطينة-الجزائر.

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف