لا تنمية من دون اللغة وسيادتها

 

عمر برمان*

"قضيتنا المستعصية نحن العرب اليوم، هي أن الوعي اللغوي لدينا ينبري حاضراً مادام الأمر متعلقاً بمستوى المعرفة، التي مَحملها الحرف المكتوب، فإذا غاب النصُّ والمتنُ والخط غاب بغيابها وعينا بوزن اللغة، ووعينا بخطر اللغة، ووعينا بأن اللغة سلاح حضاري بأيدينا، فإذا زهدنا فيه انقلب علينا وغدا الرامي مرميّاً، وأمسى القنّاصُ فريسة" (عبد السلام المسدي، العرب والانتحار اللغوي).

حين نتكلّم على التنمية في سياق حديثنا عن اللغة، يجب أن نتذكّر أننا بصدد صياغة مفهوم شامل للّغة يضيف لها أفعالاً غير الوظائف التي اعتدنا معاينتها ودراستها، فاللغة يجب أن تكون أداةً للتنمية، ولن تكون كذلك، إلا إذا أنتجت معرفةً يُنتفع بها، ولاسيّما أننا في عصر اقتصاد المعرفة، القائم على استثمار المعرفة ونشرها في عالم متكوكب. يقول حامد عمار في هذا الشأن، في كتابه "مواجهة العولمة في التعليم والثقافة": "ولا شكّ في أن أهمّ مقومات ظاهرة العولمة بالنسبة إلى مجال التعليم والثقافة هو طاقاتها المتنامية على إنتاج المعرفة وتجدّدها، والسرعة الفائقة في تطبيقاتها على مطالب الحياة المعاصرة"، ومشروع كفاءة يودّ أن يوجد للّغة مكاناً في هذا العالم بإعادة الاعتبار لها أداة معرفية، تلقّياً وإنتاجاً.

إننا نريد من فعل اللغة، أي استعمالها أداة للتنمية، أن نُثبت فعاليّتها في تسريع النهوض، باعتبارها هي ذاتها مُنتجة لأُطر المعرفة وسياقاتها الذهنية. في كتابه "العرب والانتحار اللغوي"، يقول عبد السلام المسدي، شارحاً فكرة علاقة اللغة بالتنمية والنهوض المعرفي: "من له أدنى قدر من الحصافة، يعرفُ أنه من المتعذّر على أيّ مُجتمع أن يؤسّس منظومة معرفية، من دون أن يمتلك منظومة لغوية تكون شاملة، مشتركة، متجذّرة، حمّالة للأبعاد المتنوّعة فكراً وروحاً وإبداعاً، فاللغة هي الحامل الضروري المُحايث لكل إنجاز تنموي".

فالأمر واضح إذن، لا تنمية من دون لغة، فمكسبنا في تعليمها وتعلّمها وفرضها على نحو معرفي تواصلي منتج، يعني استعمالها أداة في صلب التنمية. وعن حديث التنمية، يمثل أمامي مشروع ضخم ترصد له الجزائر مبالغ طائلة تساوي ميزانيات دول، إنه المشروع الخماسي للتنمية. فيه ما فيه من بناءٍ للحَجَر، من مدارس ومتوسطات وثانويات وجامعات، ولكن ما من مشروع لغوي قُدِّر له أن يكون في صلب هذا البناء، فكيف نتوقّع من بناء الحجر أن يبني البشر؟؛ نريد أن نبني باللغة إنساناً يفكّر، ويعرف، ويعمل، وينتج. إننا فعلاً نروم هذا التحدّي، وينبغي على صُنّاع القرار القيّمين على صياغة البرامج والمشروعات طويلة الأمد أن يصغوا إلى الآتي: لا تنمية من دون لغة، التنمية بناء البشر وليس بناء الحجر، التنمية تأتي بمشروع صناعة المعرفة، من خلال التمكين لأداتها وهي اللغة. يقول محمد الأوراغي في كتابه "لسان حضارة القرآن": "وليس بخافٍ على أحدٍ التناسب الموجود بين سرعة الشعوب في النهوض، وبين مستوى إتقان أفرادها للمعرفة، إذ ينمو المجتمعُ ويزدهر على قدر انتشار العلم والخبرة بين أفراده، وهذا التناسب من الثوابت التي يمكن التحقّق منها بسهولة. ولا شكّ في أن قطاع التعليم، هو الجهاز الأنسب لنشر المعرفة في المجتمع، وتلقينها لكلّ فرد في كلّ بيت، بصرف النظر عن أيّ اعتبار آخر".

يتساءل عبد السلام المسدي مرّة أخرى في كتابه المذكور آنفاً، وفي سياق كلامه على معادلة التنمية باللغة كمشروع: "ثم متى يُسلِّم أصحاب الأمر في وطننا العربي بكلّ أطراف المُعادلة: أن السيادة الاقتصادية رمز للسيادة السياسية، وأن السيادة السياسية مستحيلة من دون سيادة ثقافية لغوية، وأن امتلاك لغة الآخر سلاح ليس له اعتبار تقديري في السياسة والاقتصاد والثقافة، إلا إذا استند إلى مرجعية لغوية قومية تُعين الأنا على أن يقف ندًّا للآخر؟ ولكننا – في كلّ ما هو بادٍ على السطح الدولي- أمة بلا مشروع لغوي، نحن مُجتمع يريد أن يبني منظومة تنموية، وهو يُغمض العين عن مأزقه اللغوي المكين". فمأمول تنميتنا مرهون بتعلّم، وتعليم لغتنا في سبيل إنتاج المعرفة، ونشرها قدر الإمكان، وضمان حصول الناس عليها بيسر وسهولة، وبخاصة وسط قوة العمل، مهما كان العمل.

وتوفّر المعرفة بقدر من الإشباع، وبنوع من التفاعل والمُشاركة في إنتاجها، أصبح معياراً من معايير التنمية البشرية في الدول المتقدّمة، وبها تُصنَّف الدول.

إن مأمولنا من نشر معرفة علمية جادّة، بلغة عربية جيّدة، في وسط تعلّمي يُشارك في إنتاج هذه المعرفة من خلال البحث والتطبيق، لهو أسمى علامات النهوض، وسنرى من خلاله ردماً للفجوة المعرفية بين منتسبي المؤسّسة العلمية والتعلّمية الواحدة، فضلاً عن عديد المؤسّسات، فالكلّ يعرف ويعمل بما يعرف، وسنرى في الأفق القريب جداً ظهور ما يُسمّى بالجماعات العلمية، أو جماعات البحث تنشأ داخل مؤسّسات المشروعات، وستتحوّل المدارس والمتوسطات والثانويات والجامعات والشركات إلى مخابر بحث، بل إلى معامل تُحوّل فيها المعرفة إلى تطبيقات عملية، تعضُدها اللغة العربية في النشر عبر فضاءات فعل اللغة، وتغدو مؤسّساتنا مصنعاً للكفاءات، مادام هناك اعتبار لمعرفة وخبرة أهل الميدان، وما دام هناك تواصل معرفي مُنتِج بين المؤسّسات البحثية الأكاديمية، وبين الميدان.

وسنجد أنفسنا في هذا السياق المعرفي – شئنا أم أبينا – نصوغُ مفهوماً جديداً للكفاءة العلمية، بعيدًا من كثير من المعايير، التي اعتدنا الرجوع إليها في تصنيف الكفاءات، يقول حامد عمار في كتابه المذكور آنفاً: "ليس هناك من (يختمون العلم) مع شهادة أو إجازة علمية. نحن إزاء تيار متدفق من المعلومات ليس لتراكم رصيده نهاية. وفي هذا السياق، فإن العلاقة التفاعلية بين مطالب كلّ من التنمية والتعليم، تفرض علينا توظيف موارد المعلوماتية وآلياتها وخصائصها؛ من أجل التطوير والتجديد لكلّ من المُتغيّرين".

فالمعرفة حين تُنتَج بلسان أهلها، وتُنشَر بين العاملين عليها في لمح البصر، تنتقل من مكان إلى آخر بيُسر وسهولة، من أدنى الجزائر إلى أقصاها، من دون حواجز ومن دون مَيْـزٍ لهو تجسيد لدمقرطة المعرفة وتكافؤ الناس في الحصول عليها، وتكافؤهم في إنتاجها، حيث المقياس هنا هو الجودة والكفاءة وارتباطها بالعلم والتطبيق.

إن انتشار المعرفة بلسان عربي، ومُشاركة هذا اللسان في إنتاجها، لهو الكفاءة للّسان والكفاءة للمتكلّم، فضلاً عن كفاءة اللسان في توطين المعرفة، التي هي حقّ إنساني، وشرط أساس للبناء.

إن المُقاربة بين التنمية واللغة، جاءت وليدةً للمتغيرات التي طرأت، كما رأينا، في منظومة التغيّر العالمي، وزحفت على اللغة، باعتبارها وسيلة لإنتاج المعرفة، التي بها تغيّر العالم، فكان لزاماً علينا اليومَ تناولها بالدراسة كأداة للبناء بمفهومه الاقتصادي والمعماري والسياسي، مادامت حاضرة في صناعة هذا البناء بصورة جليّة أو بصفة ضمنيّة. يقول محمد الأوراغي في كتابه المذكور آنفاً، مؤكداً ضرورة استدخال اللغة في أيّ عملية نهوض أو بناء: "ليس لنا بحكم تكويننا اللساني أن نتكلم على التنمية باصطلاحات علم الاقتصاد، حيثُ تُربط التنمية في الميدان ربطاً مباشراً باطّراد النموِّ في إنتاجية العمل، وبتحقيق الزيادة بشكل دائب وسريع في مقدار المنتوج الإجمالي، وفي تراكم الخيرات المادية الضروري لضمان رفاه العيش. لكنه من حديث الاقتصاديّين عن التنمية، يعنينا تناولهم لعناصرها الضرورية، وبخاصة (قوة العمل)، المعتبر عنصراً أساسياً، إذْ يشملُ مجموعَ القدرات، التي يمتلكها الإنسانُ ويستخدمها في عملية إنتاج الخيرات المادية، ويهمّنا على الأخصّ قدرته على إغناء خبرته الإنتاجية، ودور اللغة في ذلك".

ويضيف:"باختصار شديد إذا كان لعنصر الإنسان، من ضمن أركان التنمية، الدور الأساس في تطوير الإنتاج والزيادة في الخيرات، فإن للّغة الدور الحاسم في تطوير قدرات الناس على التمرُّس في العمل، وعلى الرفع المستمر من كفاءاتهم، والإغناء المتجدّد للخبرة التقنية، وتعميق المعرفة العلمية، وتوسيع الثقافة العملية".

ففعل اللغة يروم التنمية باللغة من خلال إنتاجها ونشرها للمعرفة وسط قوة العمل.

* من مواليد 1982 الجزائر، يعدّ حالياً شهادة دكتوراه في اللغة العربية.

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف