الجيل الأول من شباب الألفية الثالثة: ابتسم، البطالة لا تُخيفنا!

 

حسين جواد قبيسي

شباب الجيل الأول من الألف الثالث الميلادي هم، بطبيعة الحال، جميع شبان العالم، الذين تراوحت أعمارهم بين عقد واحد وعقدين من السنوات في العام ألفين، بيد أن هذا الجيل الأول من الشباب المتعلم تعليماً غلبت فيه، وعلى نحو طاغٍ، علومُ المعلوماتية، التي دشّنت ما بات يُعرَف بعصر المعرفة الرقمية وفتحت باب اقتصاد المعرفة، يعيش معظمهم في البلدان المتقدمة صناعياً وتكنولوجياً، حيث بات هذا الاقتصاد يشكّل العمود الفقري لاقتصاد تلك البلدان؛ فقد غيَّر اقتصاد المعرفة بنية العمل حيث صارت "الفكرة" (الابتكار، الإبداع، التجديد، إلخ..) هي القاعدة في التوظيف وهي معيار العمل الأساس، وحيث لم يعُد للوقت المعنى الذي كان له في بنية العمل في المجتمعات الحديثة.. ذلك أن الفكرة هنا، هي تلك التي تلتمع فجأة، في لحظة، فتُضيء كالبرق، فيحتاجها العمل أيَّما حاجة، في حين أنها لا تكون هي بحاجة إلى مكتب ولا إلى دوام عمل لكي ترى النور.. إذ لم يعد العمل محصوراً في ساعات دوام بين الساعة كذا والساعة كذا، فهذا الدوام لم يعد مجدياً اقتصادياً، ولم تعد له المردودية الاقتصادية المرجوّة منه، والتي كان يُعوَّل عليها بحسب ما كان معمولاً بها في المصانع والمعامل اليدوية، التي تحتاج إلى جهد عضلي أو حضور عياني لعاملين يمارسونه في كلّ لحظة، لكي تبقى آليات العمل شغالةً وفعالة..

البطالة؟ جيل شباب الألفية الثالثة لا يحفل بها ولا يبالي لها؛ شعاره: "ابتسم، لا شيء يدعو للقلق"! فأزمة البطالة التي تجتاح العالم وتشكو منها البلدان المتقدمة (وغير المتقدمة) لا يبدو أنها تعني جيل الشباب الذي لا يبحث عن عمل كيفما اتفق، ولا يرضى بعمل مهما كلّف الأمر، بل إنه لا يرتضيه إلا بشروط يحدّدها هو، ولا يقبل عملاً بشروط موضوعة سلفاً.. ثمة أمر محيّرٌ فعلاً: من جهة أولى، هناك البطالة والشباب العاطل عن العمل، ومن جهة ثانية هناك لا مبالاة الشباب اليوم في العثور على عمل، إذ الأمر سيّان عنده وجد عملاً أم لم يجد!!

هذه الإشكالية/المشكلة تناولتها صحف غربية عدّة، فقد أعدّت مجلة "لوكورّييه أنترناسيونال" (Le Courrier International) الأسبوعية ملفاً موسَّعاً حول هذه القضية، فخصّصت لها عددها، الذي يحمل الرقم 1171، والصادر بتاريخ 11 ـ 17 نيسان/ إبريل 2013، بعدما جمعت مقالات منشورة في صحف ومجلات عالمية شتّى مكتوبة بلغات مختلفة، وتتناول الموضوع من جوانب وزوايا مختلفة. وفي ما يلي توليف لما قرأناه في الصحيفة المذكورة، مترجَماً إلى الفرنسية عن تلك الصحف التي نخصّ بالذكر منها الصحيفة الألمانية "دي زايت" (Die Zeit)، واليابانية "ذا جابان تايمز" (The Japan Times)، والأميركية "شيكاغو تربيون" (Chicago Tribune).

تبرز تلك الإشكالية أكثر ما تبرز في اليابان، حيث التقاليد الراسخة في احترام العمل، وفي ألمانيا، المعروفة بحرص الألمان على العمل وحبّهم له. وقد عُرف هذان الشعبان بالحزم والجد في العمل، تشهد على ذلك متانة نتاجهما الصناعي والإلكتروني والثقة، التي يضعها العالم في البضاعة اليابانية والألمانية.

مواقف الشباب الياباني الجديدة تجاه العمل تشكّل قطيعةً مع ثقافة العمل اليابانية، التي يتميّز بها آباؤهم وأجدادهم. فقد ذكرت صحيفة "ذا جابان تايمز"، التي تساءلت عمّا إذا كان "جيل الشباب الناشئ في اليابان يضرب عرض الحائط بالوفاء للعمل والإخلاص للمؤسّسات التي يعمل فيها، وهما العلامة الفارقة والصفة البارزة لدى الأجيال اليابانية السابقة؟"، إن الجيل الجديد لا يؤمن بالتضحية ببعض المصالح الشخصية والفردية لما فيه خير المصلحة الوطنية وخدمةً للعزة القومية"، مستشهدةً بتقرير صادر عن وزارة العمل اليابانية يُفيد بأن "ثلث العاملين في القطاع الخاص يتخلّون عن عملهم بعد أقلّ من 3 سنوات فقط على مباشرتهم له". ونشرت الصحيفة المذكورة نتائج تحقيق استقصائي أجرته في شهر حزيران/ يونيو الماضي على عيّنات مختلفة من الشباب الياباني العاطل عن العمل، جاء فيها أن 69% من الشباب أجابوا عن السؤال التالي: "في رأيك، ما هو أهم شيء في العمل؟" بما يلي: "أهم شيء في العمل هو أن يكون ممتعاً"، وأن 40% منهم أجابوا عن السؤال: "ما الذي يدفعك إلى اختيار عملٍ دون غيره؟"، بقولهم: "أن أكون راغباً فيه".

خيارات الشباب المتراوحة أعمارهم بين 20 و30 سنة يمكن أن تغيّر قواعد الحياة المهنية. فقد ذكرت صحيفة "دي زايت" الألمانية أن هذا الجيل الأول من الشباب في عصر الألفية الثالثة يُثير حنق المشرفين على العمل، حيث الرقابة والتراتبية والتعليمات من جهة أولى، وسلوك العاملين الشباب من دون انضباط وبحرية تخرج أحياناً عن حدود السلوك المفروض في العمل من جهة ثانية.

هذا التناقض عبّرت عنه صحيفة "شيكاغو تريبيون" الأميركية في افتتاحية طريفة كتبها ريكس هوبكه Rex Huppke، الذي طرح الموضوع بكلّ ما فيه من تعقيدات شائكة، من دون أن يجرح مشاعر الشباب، فقد استهلّها بقوله: " لكم عندي خبر سيّئ أيها الشباب الوافدون حديثاً إلى عالم العمل: إننا نكرهكم، فأنتم لستم سوى زمرة من الفاشلين". كلا، يا أعزائي، كلا، لا تصدّقوا، فأنا أمازحكم، وها أنا أقول، وبكلّ صدق، إن شباب الجيل الأول من هذه الألفية الثالثة رائعون، ولا بدّ من الانخراط معهم في حوار مفتوح. فعلاوةً على أنهم يدخلون عالَم العمل باعتداد بالنفس يكاد يلامس الغرور، من دون أن يتوقّعوا مفاجآت غير منتظَرة، يبدو أنهم يعانون من مشكلة التواصل مع مسؤولي العمل وزملاء الأقسام الأخرى، ويتجنّبون اللقاءات التي تطرح مشكلات العمل".

يستشهد كاتب الافتتاحية بما تقوله عالمة النفس ليندا غرافيت Linda Gravett ومسؤولة الموارد البشرية في إحدى المؤسّسات الكبرى: "يفضّل الشباب العامل في المؤسّسة، في حال وقوع مشكلة ما، صغيرة كانت أم كبيرة، ألا يكون الحل عبْرَ اللقاء مع المسؤولين وجهاً لوجه، بل عبْر الرسائل المتبادلة بالـ"إيميل" أو عبْر المكالمات الهاتفية. وحينما أسأل أحد هولاء الشباب لماذا لا يتحدثون مع المسؤول في جلسة هادئة حول فنجان قهوة أو كوب عصير، يُجيب: كلا، إن جلسة مثل هذه لا تكون للعمل، بل شخصية جداً، وليست لجدال في العمل".

يختتم الكاتب الافتتاحية بالقول: "يجب إذاً أن نتكلّم بصراحة وانفتاح تامَّيْن على اختلاف الأجيال وتنوّع مشاربها وهمومها، فإذا كان شباب جيل الألفية الثالثة هذا شديد الاعتداد بنفسه، أو إذا كان لا يُحسِن مجابهة المشكلات وحلحلة الأزمات، فذلك في حدّ ذاته لا يشكّل سبباً لرفض شاب بمفرده أو رفض مجموعة شباب بأكملها. ذلك أن هذا الأمر برمته لا يتعدّى كونه وضعاً جديداً لا بدّ لنا من التفكير فيه وفي كيفية مواجهته ومعالجته".

بيد أن الباحث البرليني كلاوس هورّلمان Klaus Hurrelman  له رأي آخر في هذا الموضوع؛ فقد كتب في صحيفة "دي زايت": "لم تأتِ عقلية جيل الألفية الثالثة الأول من فراغ ولم تنبت من عدم؛ فهذا الجيل هو استمرار لجيلين سبقاه، وهو ثالث ثلاثة أجيال وُلِد أوَّلُها مع نهاية الحرب العالمية الثانية العام 1945. ويُسمّيه هورّلمان جيل "إكس" (X) أو جيل الشكّ، لأنه هو الجيل الذي أعاد النظر في كلّ شيء، وأسهم إسهاماً فعّالاً في التغيير الحاصل في ألمانيا. يقول هورّلمان: "مشكلة هؤلاء الشباب ليست في التزام الحدود أو تجاوز الحدود، بل هي في انعدام الحدود أصلاً، فهم يريدون كلّ شيء، وكلّ شيء في آن معاً: يريدون العلاقة العائلية ويريدون معها أوقات الفراغ والاستجمام والتسلية؛ يريدون العمل ويريدون معه علاقات الصداقة والمغزى المعنوي للعمل.. وهم في ذلك غير مستعدين لأيّ تنازل عن أيّ شيء. يريدون من المؤسّسات التي يعملون فيها أن تتغيّر جذرياً، أن تغيّر العقلية التي تسيّرها، وأن تجعل في أولوياتها أماني الشباب ورغائبهم. فهم يريدون أن يتولّوا بأنفسهم تنظيم عملهم وتسييره، بأسلوب يجمع المرونة إلى الظرف واللطف. إنهم يضعون الرؤساء والمسؤولين موضع شكّ واتهام، إلا إذا كان الرئيس أو المسؤول متميّزاً مثيراً لاهتمامهم.

شباب هذا الجيل، الذي يُطلَق عليه اسم جيل "واي" (Y) لأنه يكاد يُخضِع كلّ شيء للتساؤل، أولوياتهم هي الزمالة والصداقة والتطوّر الشخصي؛ أما المكانة الاجتماعية والشهرة فهُما في آخر اهتماماتهم. وقد اتضح ذلك من دراسة سوسيولوجية معمَّقة أجراها معهد "ترندنس" (Trendence) في برلين، وفقاً لقائمة من الأولويات تضمّنت 19 مرتبة، احتلَّت فيها الزمالة والصداقة والتطوّر الشخصي المرتبة الأولى، وجاءت الشهرة والمكانة الاجتماعية في المرتبة 19.

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف