التعليم والتكنولوجيا.. حدود الإفادة والمفارقات

 

رفيف رضا صيداوي

"ثمة فشل في مشروع "حاسوب محمول لكلّ طفل" الذي انطلق العام 2005، وذلك على الرغم من ملايين الحواسيب (2.5 ملايين) التي خصّصت للأطفال في 40 بلداً في طور النموّ".

هذا ما أفاد به الكاتب والصحافي الفرنسي هوبير غيّو Hubert Guillaud في مقاله المنشور بتاريخ 17/10/12 تحت عنوان "الابتكار التربوي مسألة اقتصادية؟" (L’innovation éducative: une question économique?)، والذي أشار فيه إلى أن التعليم الرقمي لم يكن له أثر رئيسي في النتائج المدرسيّة للطلاب، مستنداً بذلك إلى دراسة ميدانية مستقلة قام بها 5 اقتصاديّين من بنك التنمية للبلدان الأميركية بداية العام 2012 في البيرو. بحيث توصل هؤلاء الاقتصاديّون إلى أن الاستخدام المكثّف للحاسوب من ضمن مشروع "حاسوب محمول لكلّ طفل"، لم يحقّق النتائج المتوخاة منه، بعدما تبيّن أن النتائج المدرسية لم يطرأ عليها أيّ تحوّل يذكر بعد استخدام تقنيات المعلوماتية.

انطلق هوبير غيّو من هذه النتيجة ليقول إن المسألة الاقتصادية تدخل في صلب المسألة المدرسية، وإن تقنيات المعلوماتية توفّر حلاً لمشكلة التعليم. غير أن هذا الحلّ ليس أكثر اكتمالاً ونضجاً من التعليم التقليدي، لكنه قد تسبّب في إحداث خلخلة عمودية أصابت النمط التعليمي الذي كنّا نعرفه إلى حين ظهور تلك التقنيات، وذلك لأنها تقدِّم عرضاً يُفترَض أنه أكثر توفيراً.

لا شكّ أن للعامل الاقتصادي دوراً بارزاً في أيّ تحوّل يطال طرق التدريس وأساليبه، غير أن للتغيّر الاجتماعي عموماً، والذي ينخرط فيه البعد الاقتصادي، الدور الأساس أيضاً في تلك التحوّلات.

ربما لهذا السبب يغدو هناك ضرورة عند الكلام على دور التكنولوجيا في التعليم، الالتفات إلى العوامل الأخرى المحدّدة لنجاح طريقة التربية والتعليم أو فشلها. إذ يقوم الالتباس الأساسي في الوقت الراهن في جعل استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في المدارس معياراً أساسياً للحكم على تجربة تربوية وتعليمية ما، في الوقت الذي يتمّ فيه إهمال العوامل الأخرى.

ففي عصر يشهد انفجاراً معرفياً كبيراً، يواكبه تدفق معلوماتي هائل، اعتبر صاحب النظرية الاتصالية connectivism جورج سيمنز George Siemens أن ثمة أهمية، بل ضرورة لتعليم الطلاب كيفية البحث عن المعلومات، وترشيحها، وتحليلها، وتركيبها، بغية اكتساب المعرفة. إذ إن مرحلة التعليم الرسمي أو التقليدي لم تعد كافية في عصر يحتاج فيه الفرد إلى المعرفة باستمرار، وخصوصاً المعرفة ذات التخصّصات البينيّة، والتي تفرض على المتعلّم في ظلّ الانفجار المعرفي الراهن الانخراط في شبكات التعلّم المختلفة networks، وعلى مدى الحياة، للتمكّن من التعلّم وإنتاج المعرفة في إطار من التبادل غير الرسمي للمعلومات. التعلّم في ضوء النظرية الاتصالية غدا إذاً بناءً شبكيّاً يشمل عمليات داخل المتعلّم وخارجه. في حين برزت تجارب تشير إلى أنه حتى في غياب أيّ إسهام مباشر من المعلم، يمكن الاكتفاء ببيئة تحفّز الفضول، وتسمح بالتعلّم ذاتياً.

مدارس في السحاب

 

تقاطع كلّ النظريات التربويّة وتغذيتها من الممارسة العملانيّة، أفضى إلى مزيد من التجارب اللافتة، ومن هذه التجارب، تجربة "ثقب في الجدار" العائدة لأستاذ الفيزياء الهندي سوجاتا ميترا Sugata Mitra العائدة إلى العام 1999. حيث وضع ميترا جهاز كمبيوتر في الجدار الخارجي لمركز الأبحاث الخاص به، ورصد مدى نجاح الأطفال، من أحد أحياء دلهي الفقيرة المجاورة، في تعلّم كيفية استخدام الكمبيوتر. وجود كاميرا خفية سمح لـ"ميترا" برؤية  أطفال من الأحياء الفقيرة يقدمون على اللعب مع الكمبيوتر ليتعلموا كيفية استخدامه وكيفية الذهاب إلى الإنترنت، وقيام كلّ منهم بتعليم الآخر. فأثبتت تجربته أنه يمكن للأطفال الاستكشاف والتعلّم من بعضهم البعض، باستخدام موارد تعليمية وإرشاد عبر السحاب (الإنترنت)، وهو ما دفعه إلى تطوير آلاف المدارس المسمّاة "مدارس في السحاب"، عبر تثبيت جهاز كمبيوتر واحد في المجتمعات ذات الدخل المنخفض، وتوصيله بشبكة معلومات عالية السرعة، وقيامه من ثمة في سياق بيئة التعلّم ذاتية التنظيم، بتجنيد معلمين متقاعدين لتقديم الدروس، من طريق برنامج سكايب على شبكة الإنترنت، موسّعاً نطاق تلك الشبكة في الهند والصين، وواصلاً التجارب على هذا النظام.

وفي حديث له على موقع TED، بتاريخ 13 فبراير 2013 ، ذكر سوجاتا ميترا، إن المدرسة تنتج بشراً ليكونوا أجزاء من الآلة البيروقراطية الإدارية، وإنهم لا بدّ بالتالي أن يكونوا متطابقين؛ في حين أننا اليوم لم نعد نحتاج إلى المدرسة المعهودة، أي المدرسة بوصفها ابنة هذا النظام البيروقراطي الإداري، معتبراً إياها، وبشكلها المعروف اليوم، بالية. ما يعني أن تجربته تستند إلى التكنولوجيا، لكن لا لإنتاج أفراد متشابهين، بل لإنتاج أناس أو أفراد أحرار ومتميّزين.

يدفعنا ما تقدّم إلى إعادة ترتيب السؤال التربوي الأساس، بحيث لا يعود السؤال مقتصراً على ما إذا كانت التكنولوجيا أداة ناجعة للتحصيل المدرسي أم لا، وما إذا كان وجود المدرسة ضرورياً أم لا؟ إذ تبقى هذه الأسئلة بمثابة المتغيّرات التي يمكن قياس تأثيراتها المباشرة وغير المباشرة على التحصيل العلمي، لكن من دون أن تتجاوز ذلك إلى مستوى المحدّدات. ولربما أن المسألة برمّتها ليست إذاً مسألة تكنولوجيا بقدر ما هي فلسفة تعليميّة يرنو إليها كثر من أصحاب التجارب والنظريات التربويّة الحديثة، غايتها الإنسان قبل أيّ شيء آخر. إذ ولّدت النظريات التربوية المختلفة على مرّ التاريخ طرقاً تعليميّة متنوّعة، وأحدث التدرّج من النظريات السلوكية Behaviorism إلى المعرفية Cognitivism فالبنائية Constructivism في التعليم ثورات عميقة في الأدبيات التربوية الحديثة، نتجت عنها طرق تدريس جديدة تقوم بشكل أساسي على تفعيل دور الطالب في عملية التعلّم، وعلى جعل المعلّم ميسّراً وموجّهاً ومدرباً بدل دوره كناقل للمعرفة، أو كناقلٍ كلّي المعرفة. بحيث دعمت طرق التدريس الحديثة، المستمدّة أساساً من النظريات المعرفيّة، ثم البنائيّة بشكل أساسي، استقلالية المتعلّم من خلال توفير استراتيجيات تدريس قائمة على التعلّم الذاتي للمتعلّم. فقد افترض روبير جانييه Robert Gagne– وهو من أبرز ممثلي نظريات التعليم المعرفيّ Cognitive Learning Theory المستندة إلى البنية المعرفية للمتعلم، وإلى آليات بنائها- ومن خلال تحديد البناء الهرمي للتعلّم، افترض ضرورة تنظيم الخبرات والمفاهيم العلمية في المحتوى الدراسي من خلال الاهتمام بالمتطلبات السابقة للتعلّم الجديد؛ بمعنى آخر أولى جانييه أهمية كبيرة للمتطلبات السابقة (Prerequisite) التي تتضمّن المعارف والمعلومات والخبرات الضرورية للتعلّم الحالي. وهو ما يفترض حثّ الطلبة على ممارسة العمليات العقلية المختلفة من خلال توفير مواقف تعليمية للطلبة تحقّق ذلك، ومنحهم الوقت الكافي للبحث والتقصّي واكتشاف المعلومات عبر السماح لهم بحرية الملاحظة والتساؤل ووضع الفروض والتجريب.

وإذ اعتبرت البنائية، وخصوصاً مع جان بياجي Jean Piaget، الذي تستند نظرية التعليم المعرفيّة لديه إلى حاجات المتعلّم والبيئة المحيطة والسلوك والدافعية والحاجات، أن المعارف الخاصة بكلّ فرد ليست مجرد نقل بسيط للواقع، بل هي عبارة عن إعادة بناء لهذا الواقع، تحوّل التركيز إلى دراسة الآليات والسيرورات التي تسمح للأفراد بهذا البناء. ومن هنا بات الفهم شرطاً ضرورياً للتعلّم، وبات التعلم مقترناً بالتجربة وليس بالتلقين، وتعبيراً عن سيرورة استيعاب الوقائع ذهنياً والتلاؤم معها في آن؛ وهو الأمر الذي أحدث، وفي سياق نظرية التعلّم البنائية أو التكوينية ثورة عميقة في الأدبيات التربوية الحديثة، وخصوصاً في سياق النظرية السلوكية. ففي ما يخصّ دور المعلّم مثلاً، وبعدما كان دوره في النظرية السلوكية يتحدّد في تهيئة بيئة التعلّم التي تقود إلى تعلّم الطلاب السلوك المرغوب، حرصاً على سلوكه المرئي أو الظاهر، تركّز دور المعلّم في النظرية البنائية على تهيئة بيئة التعلّم لتجعل الطالب يبني معرفته بنفسه، وذلك بتوجيه الاهتمام إلى العمليات المعرفية الداخلية لديه، بغية مساعدته على الوصول إلى مصادر التعلّم. بحيث لم يعد التعلّم مستنداً إلى ما سمعه المتعلّم وإلى ما حفظه، بل إلى كيفية بناء المتعلّم معلوماته داخلياً، بتأثيرٍ من البيئة المحيطة به والمجتمع واللغة: "نتعلم مع الأطفال ومنهم"، هو شعار أطلقه التربوي الإيطالي لوريس مالاجوزي صاحب تجربة ريجيو إميليا الرائدة في التعليم المبكر، والتي بدأ نجمها يسطع في عالم التربية منذ عقدين، وتحديداً بعد العام 1991، بتأثيرٍ من أفكار فيجوتسكي Vygotski وبياجيه وسواهما من أصحاب النظرية البنائيّة في التعليم. ومن أبرز ما يميّز منهج هذه المدارس أنه "مرن وخالٍ من التوقعات المسبقة أو النواتج الموصوفة مسبقاً؛ وأنه منهج ينبثق من المشروعات البحثيّة المعمّقة والطويلة الأمد التي تجري في المدرسة وتخلقها اهتمامات الأطفال أنفسهم، وتشكّل الطرق الأولى للتعلّم" (حطيط، فادية، تجربة ريجيو إميليا في الطفولة المبكرة، 2012).

ضرورة البحث عن الإنسان؟

تحرير الإنسان من مختلف القيود المكبّلة، والتي تشكّل عائقاً أمام انطلاقته الإدراكية والذهنية والمعرفية والإبداعية والشخصية، مهّدت لها ثورة في طرق التعليم والتربية إذاً، وفي نطاق الأسرة والمجتمع كذلك؛ وبالتالي لا يمكن لأيّ تجربة مدرسيّة أن يتمّ تقويمها انطلاقاً من متغيّر واحد أو حتى أكثر، كالقول مثلاً بأن التكنولوجيا، أو غياب المعلّم، أو غياب المدرسة كبناء فيزيقي، أو ما شابه هي الأنجع في التعليم الحديث… إذ تبقى هذه المتغيّرات مجرد مؤشرات بحاجة إلى محدّدات تكون هي نفسها الحكم الفاصل، ولاسيّما أن التعليم كتجربة إنسانيّة يفترض به أن يبقى كذلك، للحؤول دون تحوّله إلى آلية لإنتاج سلع من أجل السوق، وتحت مسمّى "الكفاءة"؛ "تلك الكفاءة التي يغدو من أجلها كلّ فرد في تنافس مع أقرانه من أجل المراكز والأجور"، وذلك بحسب أستاذة الفلسفة الفرنسية Angélique del Rey في كتابها "À L'École Des Compétences"، والتي علّقت في كتابها هذا أيضاً قائلة: "إن مقاربة قضايا التعليم من منظور "الكفاءات" تفترض وجود فرد "من دون صفات خاصة به"، أي مجرد مساحة بيضاء قادرة بطريقة مثالية على اكتساب "الكفاءات الجيّدة"، بغض النظر عن الصفات التي يمتلكها هذا الفرد، والتي يتطلّبها الوضع الذي نضعه فيه".

لذا نرى الكاتب والناشر الأميركي كيفين كيللي Kevin Kelly، ونقلاً عن مقال للكاتب والصحافي الفرنسي هوبير غيّو Hubert Guillaud بعنوان: "تربية وتكنولوجيات جديدة: صدّق أو لا تصدّق" Education et Nouvelles Technologies: Croire ou ne pas y Croire, 25 /10 /2011، نراه يورد الآتي: "ساعدتنا التكنولوجيا على التعلّم، لكنها لم تكن وسيلة التعليم (..)، وحيث إن تعليم الأطفال يقوم على تلقينهم قيماً وعادات معيّنة، فقد يكون التعليم آخر مجال يمكن له الإفادة من التكنولوجيا".

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف