أكبر مشروع لإنتاج الطاقة عبر العصور

 

مازن مجوز*

يعتبر " ديزرتيك " أضخم مشروع عبر الصحراء لإنتاج الطاقة الشمسية في العالم، لكونه ينطلق من فكرة استغلال هذه الطاقة الشمسية المتوافرة في صحراء شمال إفريقيا والشرق الأوسط، ونقل قسم منها إلى أوروبا. ويخطط المشروع – الذي يحتوي على أبعاد اقتصادية واجتماعية وسياسية- لبناء شبكة ضخمة ومتصلة، من منشآت الطاقة الحرارية الشمسية في هذه المناطق.
فماذا عن هذا المشروع وحيثيّاته الإجرائية ونتائجه التي تحمل من ضمن ما تحمل، بعداً اجتماعياً مهمّاً، يتمثل في تأمين استمرارية تلبية حاجات الإنسان من الكهرباء من دون اللجوء إلى الحروب جرّاء النزاع على مصادر الطاقة؟.

يمكن للكهرباء الخضراء، المتأتية من محطات حرارية تعتمد على مرايا ضخمة مصقولة لتجميع أشعة الشمس- وتنتشر على مساحة 16900 كلم فوق الصحراء المغربية – أن تلعب دوراً مهمّاً في حل مشكلة تغيّر المناخ، حيث تهدف معظم دول أوروبا إلى خفض انبعاثات الغازات بنسبة 80% بحلول العام 2050 مقارنةً بمستويات العام 1990.

ممّا شجع مؤسّسي المشروع، هو أن الطاقة التي تسقط على صحارى العالم بست ساعات، هي أكبر ممّا يستهلك العالم في سنة كاملة، في وقت توقعت الهيئة الألمانية لأبحاث الطيران والفضاء إسهام ديزرتيك في سدّ حاجة جميع أنحاء شمال إفريقيا من الطاقة، و15% من احتياجات أوروبا المتزايدة منها؛ وقدرت الهيئة وصول تكلفة المشروع الإجمالية خلال أربعة عقود إلى أربعمائة مليار يورو، منها 350 ملياراً لمصانع الطاقة، و50 ملياراً لشبكة الأنابيب.

ولطالما كانت الصحراء الكبرى – التي تبلغ مساحتها 8 ملايين كلم مربع – على مدى قرون طويلة، بقعة محدودة الأهمية استراتيجياً واقتصادياً، عدا عن كونها حاجزاً عملاقاً يفصل بين قارتي أوروبا وأفريقيا، وواحدة من المناطق الطبيعية الأقسى على سطح الكوكب، لكنها باتت اليوم هدفاً يخطّط خبراء ورثة الرايخ الثالث، لجعله أكبر منجم للطاقة الشمسية في العالم.

الطاقة الشمسية لا تنضب

بمشاركة 56 شركة من 16 دولة، أعطيت إشارة الإنطلاق للمشروع في 13/7/2009، في مدينة ميونيخ جنوب ألمانيا، وأطلق على ديزرتيك وصف " أكبر مشروع لإنتاج الطاقة عبر كلّ العصور".

وكانت البداية بدراسات علمية وتقنية واقتصادية مستفيضة أجراها المركز الألماني للملاحة الكونية والجوية، بالتعاون مع شركة "الطاقة البديلة عبر المتوسط". وقد أُنشئت هذه الشركة خصيصاً لهذا الغرض العام 2003، إنطلاقاً من مبادرة ثنائية، صدرت عن "نادي روما" و"المركز الوطني الأردني لبحوث الطاقة". وقد تبنّت فكرته شركة "ميونيخ ري الألمانية" العملاقة للتأمين.

والأشعة الشمسية مصدر لا ينضب، وتقول هيئة الطاقة الدولية في فيينا:" إن ما يصل إلى الأرض منها يعادل أكثر من 120 ألف (تيرا واط) أو (120 بيتا واط)، أي ما يعادل زهاء خمسة آلاف ضعف مجموع الاحتياجات البشرية من الطاقة، والتي لا تصل حالياً إلى 2 تيرا واط"، ولكن كلّ ما يصل إلى سطح الأرض من الشمس دون عناء، أو النسبة الأعظم من هذه الإشعاعات الشمسية، تعكسها الأرض فتنتشر في الفضاء الكوني من جديد!.

ولعل أبرز أوجه الاستفادة التي يمكن أن ينتجها هذا المشروع، هو أنه يقوم على واقع علمي نصّه أن كلّ كلم2 من الصحراء يتلقّى من الطاقة الشمسية سنوياً ما يوازي 1.5 مليون برميل من النفط. ما يعني أن تغطية 0.3% من الـ 40 مليون كلم2 من الصحراء بمنشآت توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية، كافٍ لسدّ حاجة العالم بالكهرباء (20000 تيرا واط في الساعة سنوياً)".. حسبما يرى الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة.

ومن الأهداف أيضاً، توفير ما يكفي من الطاقة لتشغيل مصانع تحلية مياه البحر في تلك البلدان، التي تسعى إلى تجاوز أزمة مياه الشرب التي يتوقع أن تواجهها في المستقبل، مع ازدياد شحّ مصادر المياه العذبة فيها.

ويعتمد " ديزرتيك" ( أي تكنولوجيا الصحراء) تكنولوجيا الطاقة الشمسية المركّزة (سي إس بي)، وهي أصبحت بحكم المضمونة، نظراً إلى تطبيقاتها منذ العام 1985 في ولاية كاليفورنيا الأميركية، ثم لاحقاً في مقاطعة الأندلس الأسبانية.

عقبات.. وانسحاب شركات

في 13 نوفمبر 2012 أعلنت شركة بوش ي ريكسروت الألمانية انسحابها من المشروع، وقالت المتحدثة باسم شركة "بوش" في تصريح لصحيفة "فايننشال تايمز دويتشلاند" الألمانية الاقتصادية:" إن الشركة لن تقوم في نهاية ديسمبر المقبل بتمديد عضويتنا في المشروع". بتلك الخطوة تكون الشركة الألمانية، التي تُعدّ أكبر الشركات الصناعية الألمانية حذت حذو نظيرتها "سيمنس" التي تُعتبر واحدة من الشركاء الـ 13 المؤسّسين لاتحاد مبادرة ديزيرتيك الصناعية Dii ، وهو الاتحاد الذي يعمل على تطوير "ديزيرتيك"، حيث يوضح تورستن وولف، المتحدث باسم شركة سيمنز "نرى أن دورنا في مبادرة "ديزيرتيك" الصناعية قد انتهى".

استمر مسلسل الصعوبات ليشهد مع بداية شهر يوليو 2013، انفصال مؤسّسة ديزيرتيك غير الربحية عن باقي الشركاء التسعة عشر الآخرين في المبادرة الصناعية، متعلّلة بأنها "لم تعد مرتاحة للأهداف التجارية التي عبّرت عنها الأطراف المشاركة" في المشروع. ما أدّى إلى تبديد الآمال التجارية الهادفة لتلبية احتياجات أوروبا في مجال الطاقة من بلدان شمال إفريقيا، مقابل تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي في المنطقة.

وما يجدر التوقف عنده أن المغرب، الذي قرّر إقامة محطتي المرحلة الأولى لديزرتيك فوق أراضيه، تحفّظ على إعلان موافقته على تشييد هاتين المحطتين، وأعلن رغبته في الحصول على الجزء الأكبر من الطاقة المولدة منهما، في حين امتنعت إسبانيا عن التوقيع على إعلان مبادئ المرحلة الأولى للمشروع، والسماح بنقل الطاقة المولّدة في المغرب عبر شبكة تمرّ بأراضيها.

هذان الموقفان برزا خلال المؤتمر السنوي الدولي الثالث لمبادرة "ديزرتيك" للطاقة، الذي استضافته ألمانيا في مقرّ وزارة خارجيتها في برلين خلال الفترة بين السابع والتاسع من نوفمبر/ تشرين الثاني 2012.

وعلى المنوال نفسه، بل أكثر، نسج وزير الطاقة الجزائري شكيب خليل في تصريح له في أغسطس / آب 2009 موقف بلاده: "إننا لن نسمح بتنفيذ المشروع على أراضينا من دون السماح لبلادنا بالمشاركة مع الشركات الأجنبية والسماح بنقل التكنولوجيا… لا نريد أن تستغل الشركات الأجنبية الطاقة الشمسية من أراضينا".

ومنذ ولادته، يواجه المشروع مجموعة من التحديات نتيجة لعوامل خارجية، من أهمّها تراجع النموّ الاقتصادي في بلدان جنوب أوروبا، وثورات الربيع العربي، التي لا زالت مستمرّة عبر بلدان شمال إفريقيا (مصر وليبيا وتونس بالخصوص).

في المقابل لدى تجمّع "ديزيرتيك" تصورات في أن تسمح صحاري شمال إفريقيا والشرق الأوسط في العام 2020 بإنتاج طاقة بقوة 20 جيغاواط، أي ما يعادل إنتاج 20 محطة تقليدية لإنتاج الطاقة. وهو توقع أن تنتج هذه الشبكة الممتدّة من مصر شرقاً، إلى المغرب غرباً، الطاقة منخفضة الكربون والتكلفة.

أما في ما يتعلق بالنقل، فيشرح عجاقة، وهو أيضاً أستاذ في الجامعة اللبنانية، أن المشروع ينصّ على إيجاد خطوط توتر عالٍ بتقنية جديدة لا تهدر الطاقة خلال النقل (3% لكلّ 1000 كلم)، ولا تُلوث البيئة بالموجات الكهرومغناطيسية، مشيراً إلى أن تخزين هذه الطاقة يمرّ عبر ضخّ الماء إلى الجبال وإنتاج الطاقة الكهرومائية عند الحاجة.

ولعل هذا الاهتمام العالمي في السنوات الأخيرة بالطاقة المتجدّدة، قد دفع بـ "غيرهارد كني" الفيزيائي المُختصّ في عِـلم فيزياء الجسيمات، إلى القول في تصريح مع swissinfo.ch، وهي إحدى الوحدات التابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون السويسري، في 20 سبتمبر 2009: "إن عصر الوقود الأحفوري يجب أن يَنتهي في النصف الأول من هذا القرن، قد يكون من المُمكِن إنقاذ البيئة من طريق التحوّل السريع والجـذري لمصادر نظيفة ولا تَنضَب من الطاقة".

وفي السياق عينه، تفيد "الوكالة الدولية للطاقة" – التابعة للأمم المتحدة – إن ثورة الطاقة الشمسية ستتواصل من دون أدنى شك، إذ توقعت في تقرير صدر عنها مؤخراً بأن الطاقة الشمسية ستشكل ثلث إجمالي الاستهلاك العالمي للطاقة بحلول العام 2060.

حتى قبل عشر سنوات، كان مجموع قدرة العالم بأكمله على توليد الطاقة من الخلايا الضوئية الشمسية 2.8 جيجا واط، وهو ما يساوي الطاقة التي تولدها ست من محطات الطاقة متوسطة الحجم العاملة على الفحم.

أما اليوم، ووفقاً لما أوردته صحيفة "الاقتصادية" الإلكترونية في عددها الصادر في 11 آب/ أغسطس 2013 في مقال تحت عنوان "الطاقة الشمسية تؤمِّن 18 % من حاجة الكهرباء في أوروبا"، فتبلغ هذه الطاقة أكثر من 102 جيجا واط، بحيث أصبحت طاقة الخلايا الشمسية أكبر مصدر جديد لتوليد الطاقة الكهربائية، لسنتين على التوالي في أوروبا. وتتوقّع هذه الصناعة أنه بحلول العام 2016، ستتضاعف قدرة العالم على التوليد لتصل إلى 200 جيجاواط.

في الواقع، كانت بلدان المغرب العربي تعتبر المستفيد الأكبر من هذا المشروع، ولاسيما أن تونس والمغرب يستوردان أغلب احتياجاتهما من الطاقة. فقد استثمر المغرب 10 مليارات دولار في مشروعات لإنتاج الطاقة.

في سياق متّصل، ترى "منظمه السلام الاخضر" (GreenPeace)، التي دعمت "ديزرتيك" باستمرار، أن بإمكان المشروع أن يستمر على الرغم من مشكلاته حاضراً، لكنها تبدي تشكّكاً حيال القدرة على تحقيق الحلم بربط المشروع بشبكة الطاقة الأوروبية.

لقد تحدث جيرهارد كنيس مخترع فكرة ديزرتيك ( أي طريقة استخلاص الطاقة الشمسية من الصحراء) قائلاً: " نحن نملك هنا التقنيات، لكننا لا نملك إمكانيات استخدامها، وهناك إمكانيات للاستخدام لكن لا تتوافر التقنيات"، لهذا إذا قامت شراكة بين دولتين، يمكن- بحسب رأيه- تحقيق هدفين؛ الحصول على الطاقة، وتنمية دول شمال إفريقيا، إلى جانب "حماية البيئة على أفضل وجه"، وذلك بحسب ما أورد موقع إذاعة "صوت إلمانيا" في الأول من حزيران/ يونيو2011.

هذه التنمية في حال تحققت، فإن المشروع سيمنح جرعة أمل لسكان إفريقيا، خصوصاً في ظل الدراسة الصادرة عن الأمم المتحدة، والتي تفيد بأن 1.6 مليار إنسان على مستوى العالم، لا تصلهم أية إمدادات للكهرباء، وبأن 30% من هذا العدد السكاني الهائل هو في القارة الإفريقية وحدها، وفق ما نقلت" وكالة أنباء الشرق الأوسط" في 29 تشرين الأول/ أكتوبر 2013.

في الختام يمكن القول إن هذا المشروع كان يحمل في طياته بعداً اجتماعياً مهمّاً يتمثل بتأمين استمرارية تلبية حاجات الإنسان من الكهرباء من دون أن تكون هناك حروب تنشأ جرّاءالنزاع على مصادر الطاقة.

*كاتب وإعلامي من لبنان

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف