مكتبة مكتبات الحضارة العربية – الإسلامية في الهند

 

أحمد فرحات*

يسمّونها المكتبة / الأعجوبة في الهند، ويقترح البعض ضمّها إلى سلسلة رموز لائحة "عجائب الدنيا السبع" الشهيرة، لأنها تضمّ أكثر الذخائر والمخطوطات العربية والإسلامية ندرةً في المعمورة، والتي بعضها لا وجود لنسخة ثانية له في كبرى مكتبات العالم الاستثنائية بمقتنياتها، خصوصاً الكلاسيكية والتاريخية منها. إنها مكتبة "خودا بخش خان" في مدينة باتنا، عاصمة ولاية بيهار الهندية، والتي زارها كاتب هذه السطور، وجال فيها، بناءً على "نصيحة ثقافية" من شاعر هندي صديق له.

"ينبغي تغيير معادلة عجائب الدنيا السبع، لتصير عجائب الدنيا الثماني، وذلك بإضافة أعجوبة: "مكتبة خودا بخش خان" في الهند، إلى صف ما هو متعارف عليه من عجائب: الهرم الأكبر، حدائق بابل، تمثال زوس، هيكل أرتميس، ضريح موسولوس، أبولو رودس، ومنارة الإسكندرية.".. هذا ما أفصح به أمامي صديقي الشاعر الهندي، شميم كاكوري الدهلوي، ذات مساء في أحد مقاهي بومباي صيف العام 2007، ونصحني بالسفر إلى مدينة باتنا، عاصمة ولاية بيهار الهندية، وزيارة مكتبة "خودا بخش خان الشرقية العامة" فيها.

وخودا بخش خان، هو اسم العالِم والمؤرخ الذي كان أقام هذه المكتبة عملاً بوصية والده، الراحل محمد بخش خان في العام 1898، كوقف من الأوقاف. ثم لاحقاً، وبناء على توجيهات من رئيس جمهورية الهند الأسبق، الراحل د. ذاكر حسين، قامت الحكومة الهندية بتحويل هذا الوقف إلى صرح ثقافي قومي كبير، عن طريق تشريع استثنائي خاص في البرلمان الهندي في العام 1969.

بالقطار انتقلت إلى بيهار، ثالث أكبر ولايات الهند، والواقعة في الجزء الشرقي من البلاد، والتي تقطنها غالبية هندوسية، وأقلية إسلامية (16%) ومررت قبل الوصول إلى عاصمتها "باتنا"، بمدن عدّة من أبرزها: حاجيبور، تشابرا، مادهيبورا، بهاغلبور، وبانكيبور، وكذلك بروافد سلسبيلية لامعة من نهر الغانج، الذي يخترق سهول الولاية، من غربها إلى شرقها.. ثم كان الوصول إلى باتنا، حيث المكتبة – الأعجوبة، والتي تضمّ أكثر من 200 ألف كتاب مطبوع، وما يزيد على 50 ألف مخطوطة عربية وإسلامية. ومن بين ذخائر الكتب الموجودة، ما ليس له نسخة أخرى في أي مكتبة في العالم، مثل نسخة ديوان الشاعر حافظ الشيرازي، التي كانت في عداد ذخائر"المكتبة الملكية للسلاطين المغول"، وكان يراجعها الإمبراطور جهانغير، وابنه شاه جيهان، بغرض التذوّق والتكهّن. ومن بين نوادر كنوز المكتبة أيضاَ، النسخة الوحيدة في العالم من كتاب: "الأعشاب في الطب"، الذي وُضع باليونانية في القرن الأول الميلادي، وتُرجم، ونُسخ بالعربية في بغداد في القرن السادس الهجري. وثمة أيضاً مجلد "تاريخ الأسرة التيمورية" والمتضمن في ثناياه 123 صفحة / لوحة أصلية من لوحات المصوّرين الكبار، ممن كانوا يعملون في بلاط الإمبراطور التيمورلنكي الأكبر.

تأسيس المكتبة جاء في ظروف كانت فيها الحضارة العربية – الإسلامية، بآثارها اللغوية والثقافية في الهند، تتراجع أمام تدافع هجمات الاستعمار البريطاني بوجوهه العسكرية و"الثقافية" كافة، حيث كادت، مثلاً، السياسة التعليمية الإنجليزية الجديدة، لمدبّرها اللورد البريطاني المعروف "ماكولي" (1800- 1859)، تقضي بالإجهاز التام على ما تبقى من تراث عربي وإسلامي في بلاد الغانج، وإحلال الإنجليزية، لغة وثقافة وعلوماً، محلّه. وعليه فإن تأسيس المكتبة، جاء كحائط صدّ في معرض الدفاع عن الذات الثقافية والحضارية لمسلمي الهند، وخصوصاً لجهة حفظ ذاكرة أجيالهم الجديدة، والتي قال بصددها اللورد ماكولي في خطاب له في البرلمان البريطاني سنة 1835:"إن الفرصة المتاحة من خطتنا التعليمية، تقضي بإنشاء جيل جديد في الهند، يكون هندي النسل واللون، وأوروبي الفكر والذهن".

هكذا طفق خودا بخش خان، وإنفاذاً لوصية والده، يجول في مراكز العلوم والفنون والبيوتات الإسلامية في دلهي، وحيدر آباد، وجونبور، ولكناو، وديوبند، وغيرها من مدن الهند وحواضرها الكبرى، بحثاً عن المخطوطات النادرة، والكتب الاستثنائية، لشرائها وضمّها إلى المكتبة العتيدة. وكذلك بعث الرجل، وللغرض عينه، برسل له إلى القاهرة، ودمشق، وبغداد، وبيروت، وصنعاء، وتمبكتو، وإسطمبول، وبخارى، ومزار شريف، ولاهور…إلخ. وقبل وفاته عن عمر ناهز الـ 66 سنة، ترك وراءه مكتبة، تعدّ الأغنى والأهم، بين سلّم مكتبات العالم الاستثنائية.

واختيار خودا خان، لمدينة باتنا مقراً للمكتبة، من الأمور الدالة على التصاقه بالمكان الذي نشأ وترعرع فيه، وبالتالي، فإنه درج على يقين، أن ليس هناك أي مكان آخر أجدر من هذا المكان، بالائتمان على تلك الكنوز التراثية والأدبية والحضارية.. يضاف إلى ذلك، وقوع باتنا على ضفاف نهر جنجا، ولكونها أيضاً، شاهدة على الإمبراطوريات الهندوسية والبوذية، التي اتخذت منها عاصمة لها في العصور الغابرة.

الزائر المستطلع للمكتبة الشرقية العامة، أو مكتبة خودا بخش خان، يجد بين رفوفها الكثيرة، كتباً ونسخاً مختومة بأختام الملوك والأمراء، ممن تحكي أحوالهم، وشؤونهم السياسية المركزية، ومعاركهم الكبرى والمصيرية. كما تذهب العين إلى مجلدات الملاحم الشعرية، والمعتقدية، والقصص الخيالية، المزينة بالصور الفنية، والتي أبدعها عباقرة، قبل عشرات القرون.

كما لا يفوته النظر في نوادر نسخ كتب الطب، والكيمياء، وعلم الفلك، والفلسفة، والهندسة، وعلوم البحار، والتاريخ، والأديان والعقائد على اختلاف مكوناتها ومشاربها… وأروع ما يمكن العثور عليه في هذه المكتبة العملاقة، ثلاث نسخ من القرآن الكريم، إحداها مكتوبة بخط يد ياقوت المستعصمي، مخترع خط النسخ العربي. والكلمات في كل صفحة منها مكتوبة بثلاثة أساليب: النسخ، خط الثلث، والخط الريحاني. وثمة خط ملون بألوان: الأزرق والأصفر والأحمر يحيط بالنص. أما الحاشية فمزخرفة بشبابيك مزهرة رائعة. والنسخة مختومة بإمضاء الناسخ في 668 هجرية.

ومن بين آلاف كتب الحديث الشريف الموجودة في المكتبة، ثلاثة مجلدات نسخت بخط فارسي بديع، العام 911 هجرية في بلدة قرب مدينة دكا للسلطان حسين شاه، عاهل البنغال.. في بداية كل فقرة، ثمة ميدالية مزخّرفة، وعناوين الأبواب مكتوبة بحروف مذهّبة. ولقد راعى الناسخ أن يميّز الآيات القرآنية عن الحديث، وكتبها بأحرف زرقاء. كما أن الكلمة الأولى من كل حديث مكتوبة بمداد أحمر.

ومن مقتنيات المكتبة، نسخة من "مسند أبي عوانة"،( أبوعوانة هو يعقوب بن إسحق الإسفراييني الشافعي، ومسنده يسمى: "المسند الصحيح المخرج على صحيح مسلم") تحمل تواقيع عدد من كبار العلماء العرب، الذين امتلكوا تلك النسخة، وكتبوا فيها، قرناً بعد قرن. وثمة نسخة أخرى بخط الناسخ العربي، شمس الدين بن علاء الدين، من العام 870 هجرية، أهداها الناسخ إلى المكتبة الملكية في دمشق، وهي مختومة بأختام مماثلة للأختام الممهورة بها كثرة كاثرة من المخطوطات العربية في الأندلس.

وهناك نسخ استثنائية من كتب الحساب، والمنطق، والبيان، والنحو، والإلهيات، من مثل "غنية الحساب" لأحمد بن ثابت، أحد أعلام الرياضيين العرب من القرن السادس الهجري، والنسخة تحمل ختم قطب شاه، عاهل جولكوندا.. وكتاب "الإشارات" لعبدلله بن سينا 520 هجرية.. و"كتاب القسطاس في المنطق" لشمس الدين محمد السمرقندي، الذي كان من كبار علماء المسلمين في القرن السابع الهجري، ولا توجد لهذا الكتاب سوى نسخة أخرى في مكتبة برلين.. وكتاب "نهاية الإدراك" لنصير الدين الطوسي.

وفي قائمة المخطوطات والنسخ النادرة للكتب التي تعالج المسائل المتصلة بالأخلاق والعرفان، نجد كتاب "اللطائف" لابن رجب 840 هجرية، و"القول البادي" للسخاوي من العاشر الهجري، و"قمع النفوس" لتقي الدين بن بكر محمد 887 هجرية، و"الرسالة القشيرية" لعبد المنعم القشيري من القرن الخامس الهجري. وكتاب "قوت القلوب" لأبي طالب الحارثي 571 هجرية.

ومن نفائس المكتبة كذلك، نسخة ثمينة من "باد شاه نامة"، هذا الكتاب الذي ينقل سجل السنوات الثلاثين التي عاشتها الهند، زمن حكم شاه جهان، الملك الرابع من السلالة المغولية، والذي بنى "تاج محل" و"القلعة الحمراء"، ومسجدي دلهي ولاهور. وثمة نسخة قديمة من كتاب "شهنشاه نامه"، الذي يتعرض لتاريخ تركيا زمن حكم السلطان محمد الثالث. وهذه النسخة النادرة من مؤلفات المؤرخ الشهير حسين من القرن الـ16، كانت في مكتبة السلطان محمد الثالث قبل وصولها إلى الهند أيام حكم شاه جهان.

أما بخصوص الخط العربي، وجمال هندسته، وحركات أشكاله، ومبايناتها المرنة، فقد مثّلته في المكتبة نماذج لعمالقة فن الخط، من عرب ومسلمين أمثال: جمال الدين أبو الدر، ياقوت المستعصمي (عاش زمن حكم الخليفة المستعصم بالله) وميرعماد القزويني، وابن اخته رشيد، الذي انتقل إلى الهند، وعلّم الأمير دارا شكوه، فنّ الخط. وهناك أيضاً روائع مخطوطات سيد علي خان معروف، الذي هاجر من موطنه تبريز إلى الهند، بعد استدعاء إمبراطور الهند: أورنكزيب له، ليعلّم أولاده فنّ الخط العربي.

هذا غيض من فيض ما تحتويه هذه المكتبة / الأعجوبة، والتي تحولت إلى مزار علمي وسياحي ضخم في بلاد الهند، يرتاده أكثر من مليون شخص سنوياً، ما بين باحث، ودارس، وزائر للاستطلاع العام. ويحق للباحث، من الهند، كما من مختلف أقطار الأرض، الإقامة في جناح السكن التابع للمكتبة، 4 أيام، قابلة للتجديد، بحسب ظروف الباحث، وشروط مبحثه.

كما تقوم مكتبة مكتبات التراث العربي – الإسلامي في الهند، بتزويد الراغبين بنسخ للنوادر من كنوز محتوياتها، ويجيب فريقها المختص عن سائر الأسئلة العلمية الخاصة بها، إجابات تفصيلية.

وتنظّم المكتبة في أروقتها العديدة، الندوات العلمية والمحاضرات والمناقشات على مدار الساعة تقريباً. كما تصدر أيضاً مجلة دورية باللغتين الأردية والإنجليزية خاصة بها، وبمحتوياتها المتستجدّة باستمرار.

كما تحاول المكتبة/ الأعجوبة، بعدما صورت كنوزها كافة على ميكرو فيلم خاص بها، الحصول على أفلام مصغّرة للمخطوطات القديمة، والذخائر النادرة، الموجودة في سائر المكتبات الكبرى، سواء في الهند، أم في العالم قاطبة.

*مؤسسة الفكر العربي

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف