في مَلحمة المَعرفة والخَوض فيها

%d8%a3%d8%ad%d9%85%d8%af-%d9%81%d8%b1%d8%ad%d8%a7%d8%aa

 

أحمد فرحات*

المعرفة السّاطعة النّافذة، هي العقل الذي لا يملّ من نزعة الحوار أو الجدل المُنتِج بين الثقافات والحضارات، هذه التي بدَورها تجعل من الظنّ يقيناً ومن الأماني مُتوناً، ويتجلّى فيها، على الدوام، العُمق التاريخيّ والمستقبليّ والبُعد الاجتماعيّ والأنثروبولوجيّ والنفسانيّ والفكريّ.

المعرفة السّاطعة أو "المعرفة القويّة"، هي نِتاج كلّ مَن اشتغل بها أو عليها من الأفذاذ على امتداد الحقب والمَراحل الزمنيّة، بما فيها أزمنة ما قبل اكتشاف اللّغة، بوصفها بنية تؤشّر على معنى العالَم.. هؤلاء الذين دفعوا في الماضي ويدفع نظراؤهم اليوم، وغداً، ضريبة هذه الجسارة الثقافيّة بالاحتراق لأجل مُراكَمة جديدهم المَعرفيّ على المَعارف البشريّة السائدة والغائرة كلّها، وجعْلها تفعل مفاعيل الأشعّة اللّانهائيّة.

صحيح أنّ المعرفة الكليّة، بلغة المتصوّفة، ولغة حتّى كِبار علماء الفيزياء في الغرب، وتحديداً في الولايات المتّحدة، من أمثال كارل ساغان وكينيث فروست ونيل تايسون ومارغريت بوربيدج.. وغيرهم.. وغيرهم، هي مسألة لا يُمكن أن يُدركها مخلوق فذّ، لأيّ شعب أو أمّة انتمى، فهي من اختصاص غير الإنساني، أي الإلهي الذي نجلّ ونحترم بعيداً من أيّ توصيف أو تشخيص. لكنّ الإلهي، في المقابل، دعانا إلى الخوض في ملحمة المعرفة وامتصاص "توتّراتها المومضة" وفضّ مخزوناتها التي لا قاع لها ولا مدارات محدّدة بعينها، ومن ثمّ التأهّب خلالها لإعطاء طاقة إضافيّة لحياتنا الرّاهنة والمُقبلة.

والتوحّد مع المعرفة، يظلّ توحّد حياة "عقل –  نفسانيّة" حيّة، سخيّة، بمقدار ما هي عمق انفتاح استثنائي على المجهول، أو الآخر غير النمطي، إذ التطوّر، أو المستقبل الواثق، مُقيم دوماً في طوايا النَّفس.. والنَّفس المعارفيّة تؤهِّلنا دوماً لنظلّ مُقبلين من خلالها على تغييرٍ في أوراق المستقبل ومعانيه وآماده.

ونستدرك فنقول أيضاً إنّه لا سبيل إلى استرداد وقتٍ فات إلّا بالمعرفة، أي بحرق الكثير من زيوت أدمغتنا، ومن دماء قلوبنا، ودقائق أعمارنا.

والمُبدع / العارِف، هو محاولة ثأر دائمة من المجهول والنَّيل منه (ماضياً ومُستقبلاً)، لذا تراه يظلّ يضرب في أعماق هذا المجهول، حتّى ينتج من خلاله ما يروم من تباين وتطوّر وتفريد.

والمُبدع/ العارِف، أي الشاعر الفذّ، هو في حالة حرب دائمة مع نفسه، لذلك تهون معاركه مع الآخرين، وخصوصاً الذين لا يفهمونه.. وهو هنا لا يتجاهل أحد البتّة بإرادته ونواياه، فالتجاهل هو نظير الافتعال تماماً، كلاهما يؤدّي إلى انعدام الرؤية الصحيحة.

نعم، من خلال المعرفة وحدها، المعرفة الجارِفة، المنظَّمة، المُستوعِبة، المُتجاوِزة.. من خلالها فقط، تبدو أواخر الحياة مقطورة أبداً بأوائلها.

.. ويموت الشاعر العارِف، لكن لم ينِ يشعّ من عينيه نورٌ عظيم.

بين المعرفة والتاريخ

كيف تَربِط علاقة المعرفة بالتاريخ؟ سألتُ صديقي المؤرّخ الفرنسي فرناند بروديل في العام 1980، على هامش لقاءٍ "ثقافي متوسّطي" في مدينة هيراكليون، عاصمة كريت، كبرى جُزر اليونان في الحوض الشرقي للبحر المتوسّط، فأجاب بالحرف الواحد: " لا بدّ للمؤرّخ أن يكون فيه شيء من الشاعر، والشاعر العارِف / النّافذ بالتحديد، لأنّ كلّ ما مضى تحوَّل بدوره إلى رؤية طافية في الزَّمن. وهذه الطفاوة في الزَّمن، هي هنا أكثر عمقاً من أيّ حقيقة صلبة أخرى. إنّها تدفعك كمؤرّخ كي تصير جزءاً من المعرفة التي عليك اكتشافها من جديد، وتقديمها للآخرين، بشكلٍ جديد أيضاً".

وهل يُمكننا تسمية ما تذهب إليه هنا بـ"فلسفة التاريخ"؟ أجاب بروديل على الفور: " دعك من هذا الكلام المُنمّط يا صاحبي. إنّنا نتكلّم هنا على ذروة المعرفة وعلاقاتها المتحوّلة بالزمن، وذلك كتجسيد لاستجابة إبداعيّة للحياة التي تتميّز بدَورها بالتعقيد والإبهام، وهي استجابة لا يُمكن اختزالها في عبارات "منمّطة" أو تلخيصات نثريّة عابرة، بل لا بدّ لها من مثيرات شعريّة تليق بذرواتها، وبالمعنى الذي بات "يُطلقه" التاريخ على تجاذباتها التي يصعب حصرها، والمعرفة بفضل التاريخ المتحوّل، باتت تتّسم بالجِدّة الأخرى، والتباين الآخر، والإدهاش والمباغتة والغموض.

الشعر إذاً هو جوهر المعرفة المتحوّلة وأقربها إلى الزمن المفتوح".

وهل هذا المعنى للمعرفة يُدرَك أم يُعاش يا سيّد فرناند؟ سألته فأجاب:

" إنه يُدرك ويُعاش في آن معاً أيّها الصديق. تراه على طريقته، يُكوِّن طبقة جينيالوجيّة من المفاهيم والخبرات التي لا يعكسها مُطلق تفسير عاجز وغير عابر للأسطوري والطقوسي المُثقل بأسباب العالَم بوجهَيه القديم والجديد، وهُما يَستبدلان بعضهما بعضاً بهدوء وسلاسة وبلا نكران".

على ما سبق، فإنّ المعرفة هي وجه التكوين، الظاهر منه والباطن في نسق واحد يدفعنا بدَوره لاكتشافهما وصَوغهما في أسئلة جديدة وقناعات مُغايرة، من شأنها تحرّي المَنسيّ أيضاً، واللّامفكَّر فيه، والمهمَّش، والمُهمَل، والمحرَّم والممنوع…إلخ.

 

في ما يشبه هجاء العقل

أحياناً يتحوّل العقل الصارم إلى سِربالٍ ضاغط لا يطيقه القلب؛ فالقلب هو"عقلٌ" أيضاً، له تفكيره الإنساني المَرِن، والسَّمِح الطيّب، ويدفعنا إلى أن نقف بين يديه، متأدّبين خاشعين لأحكامه التي لا تُزخرِف الكلام ولا توشّيه.

يتخطّفنا العقل، ويتناهبنا غالباً، فيدفعنا إلى الغضب من أنفسنا، ومن الآخرين، فنُسهِم في تعقيد مشكلات المجتمع بدلاً من ادّعائنا الاشتغال على حلّها.. ولا نعرف كيف نخرج منها، على الرّغم من إيماننا الدائم بأرجحيّة العقل على القلب.

فالعقل القاطع بذكائه الخارق، وفطنته النادرة، قد يسقط أحياناً في حالٍ من البلادة والعيّ وخمول التكرار، وسيادة المفاهيم التعميميّة التي تنحرف عن محورها، ولا يدري العقل أنّ هذا الذي يفزع إليه، إنّما هو مشكلته المُزمنة التي ترفض إشارات القلب ولطيف توازناتها.

مقطع القول، يُملي العقل علينا حواراً قهريّاً، مشوباً بالعُصاب أحياناً وتجريد الأمور من ماديّتها، على الرّغم من تمثلّه لها باسم الواقعيّة والتحديد.. تحديد منطق الأمور بصورها العيانيّة.

أمعنى هذا أنّ العقلانيّين بلا قلب، يحملون في أنفسهم أيضاً عناصر المرض والجنون؟!.. أمعنى هذا أنّ العقلاء حين يشطبون قلوبهم هُم عقلاء مؤقّتون؟!.

ربّما، فالعالَم المسعور يُنتِج عقلاً مسعوراً، يَلتهم حتّى منطقه بالإصلاح ويودي به إلى ( في حال "العناد المنطقي") الشطط و"فوضى" التفكير والاعتماد على القياس العشوائي، ذلك أنّ العقل الصارم غير المرن يظلّ يلتهم صرامته ودقّة هندسته للأمور، ولا يشبع، بالتالي، من الالتهام الذي يظلّ يعزّزه بالنكد والغمّ.

ولنا أن نتساءل بعدها عن الحلّ.. أو فكرة ما العمل؟

لنعترف بأنّه لا يُمكن لتفكيرٍ معيّن، مهما بلغ نضجه، أن يُشبِع كلّ رغبات إنسانه باسم العقل والعقلانيّة، طبعاً ما لم يتوافق ذلك، وبالتأكيد، مع مادّة خصبة من "جماليّات" القلب أو "ذهن" القلب.

لكن في المقابل، الاعتماد على القلب أيضاً من دون العقل، هو ضرب من المرض النفساني والعقلي الذي يطيح بكلّ شيء، بدءاً بالإنسان نفسه وانتهاءً بعالَمه المُتراكِم بمَساره من حواليه.

لا مراء إذاً من الخوض في القول الاستنتاجي بأنّه لا بدّ في المحصّلة من أن يكون التفكير العقلي الناجح مزيجاً من حدس ومنطق ومن إلهام وتأمّل.. ومزيجاً أيضاً من غموض ووضوح؛ فالغموض يتّضح بالإلهام القلبي، والوضوح يَلتئِم بالمنطق العقلي.. والعقل الإنساني المُنتِج أو المُبتكِر هو بالضرورة طيّع، مَرِن، وفيه من الإمكانيّات ما يكفل له أن يُعالِج العقلاني واللّاعقلاني معاً.. وكذلك الواضح والغامض معاً، وأنّ النَّفس الإنسانيّة المتفوّقة ما هي إلّا هذا الامتزاج من الشعور واللّاشعور، والوجدان واللّاوجدان، والحدس والتفكير. وكلّما انسجَم المزيج الفكري المنطقي بالوجداني الإلهامي، اقترب الإنسان من السواء، ومن الخُلُق ومن الشخصيّة القويّة التي لا تَلِد ضعفاً، كما لا تَلِد عَنتاً ولا عناداً.

*مؤسّسة الفكر العربي

 

 

 

 

 

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف