الأونروا وإساءتها لغة التواصل مع الفلسطينيّين

%d9%85%d8%ad%d9%85%d9%88%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%8a

 

 د. محمود العلي*

تلعب اللّغة دَوراً محوريّاً في التواصل بين الشعب والفاعليّات أو الأطراف المولَجة بشؤونه، أكانت هذه الأطراف سلطات رسميّة أم هيئات دوليّة ومحليّة. فاللّغة هي إحدى الوسائل الأساسيّة التي تشكِّل معبراً وطريقاً لفهْم متطلّبات الجمهور واستيعابها؛ لذا، هنالك حرص دؤوب على أهميّة توافر شخصيّات تستوعِب لغة الجماعات التي تتواصل معها، وخصوصاً إذا كانت هذه الشخصيّات من خلفيّات إثنيّة ولغويّة مختلفة عن الجمهور الذي تعمل على التواصل معه. 

ففي سياق التفاعل الإيجابي بين الجماعات الإنسانيّة المُختلفة، تفرِض اللّغات الحيّة حضورها على الساحة الثقافيّة والعلميّة- بحسب صاحب الربيعي- لقدرتها على نقْل مدلولات الثقافة والعِلم والأحاسيس والرموز الخاصّة لمجتمعاتها، سعياً للتواصل مع المجتمعات الأخرى؛ فكلّما كانت الإسهامات الحضاريّة كبيرة، فرضت اللّغة حضورها عالميّاً. فاللّغة ليست مجرّد أصوات وألفاظ ومُصطلحات ترمز إلى أصول الأجناس البشريّة بقدر ما هي مطيّة لنقل ثقافتها وإسهاماتها لرفْد الحضارة الإنسانيّة … كما أنّ أبجديّة اللّغة الحاملة كنوز المعرفة للمُجتمعات تَختزل الزمن والتاريخ لتكون حاضرة عبر روافدها المَعرفيّة في الحضارة الإنسانيّة لأنّها سلسلة مُترابطة، لا يُمكن فصل بعضها عن بعض للتعاطي مع تطوّر الحاضر بمَعزل عن الماضي.
لذا، تمثِّل اللّغة العربيّة بالنسبة إلى اللّاجئين الفلسطينيّين المُستند الحيوي، الذي يجري من خلاله التواصل مع التجمّعات والمخيّمات والمُدن ومناطق الشتات المختلفة بعد نكبة 1948، كما أنّها اللّغة الأساسيّة التي تربط الفلسطينيّين بمحيطهم الحيوي الذي لجأوا إليه قسراً بعد نكبتهم.

في سياقٍ متّصل، فإنّ اللّغة تؤدّي دَوراً مزدوجاً للمجتمع والفرد؛ فهي بالنسبة إلى المجتمع وسيلته لصبغ الفرد بالصبغة الاجتماعيّة، ووصْله بأفراده، وربْطه بتراثه، وهي للفرد وسيلته للاتّصال بالآخرين، بغية الحصول على حاجاته، والتنفيس عن مشاعره، ثمّ إنّها – أي اللّغة- وسيلة التعلّم، وقطْف ثمرات قرائح الآخرين، والتأثير في أفكارهم، واتّجاهاتهم. وهكذا فإنّ الفلسطينيّين الذين تمّ تشريد معظمهم، حرصوا على التواصل اللّغوي مع محيطهم العربي الذي لجأوا إليه وشكَّلت اللّغة العربيّة المُشترَكة مع محيط اللّجوء هذا، أحد مقوّمات قبول المحيط بهم والتفاهم معهم، من دون الحاجة إلى وسطاء من جنسيّات أخرى. وعلى الرّغم من ذلك، اضطّر اللّاجئون الفلسطينيّون للتعاطي مع الهيئة التي تتولّى شؤونهم، بحسب قرار تأسيسها، بلغة أجنبيّة هي اللّغة الإنكليزيّة، التي أخذت دَوراً سبّاقاً على لغتهم الأمّ أي اللّغة العربيّة. وقامت هذه المؤسّسة المُعيَّنة من الأُمم المتّحدة، والتي لعبت دَور حكومة الظلّ في تعاطيها مع لاجئي فلسطين المُهجَّرين على تخوم الوطن في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، كما في لبنان وسوريا والأردن، بإعطاء أولويّة للّغة الإنكليزيّة في مُمارَسة مهامّها، ما أدّى إلى تحويل لغة اللّاجئين أنفسهم، وهي اللّغة العربيّة، إلى لغة ثانويّة في تعاطي المؤسّسة الدوليّة مع شؤون الفئة التي أُسَّست لرعايتها. بل وأكثر من ذلك، تمّ تهميش اللّغة العربيّة والاستخفاف بها على الصعيد الإعلامي، بما يشير إلى الانسجام مع متطلّبات الغرب لفهم الأونروا وتقديماتها، وعدم إيلاء أصحاب العلاقة، أي اللّاجئين الأهميّة ذاتها في التواصل معهم.

وعلى الرّغم من محاولات الأونروا في السنوات الأخيرة للظهور بمظهر الطرف الحريص على التواصل مع اللّاجئين والتعرّف إلى همومهم، فإنّ هذا التواصل فَقَدَ مصداقيّته في ميدان التواصل اللّغوي. وفي هذا السياق سنتاول شكلاً من أشكال التواصل بين مؤسّسة أُنشئت للعناية بشؤون اللّاجئين واللّاجئين أنفسهم، وهو التواصل الذي يجد تجلّياته في أشكالٍ مختلفة أبرزها الإعلام المقروء. ولذا سنقوم باستعراض بعض أشكال التواصل اللّغوي مع اللّاجئين من قِبل هذه المؤسّسة الدوليّة، أي الأونروا.

 

أولويّة لغة القوى المُسيطِرة

تنبغي الإشارة بدايةً إلى عدم تَوافر نصوص رسميّة باللّغة العربيّة لعددٍ من قرارات الجمعيّة العموميّة التي تمسّ الموضوع الفلسطيني وقضيّة اللّاجئين، ومن أبرزها القرار 212 (الدورة 3) الصادر في 19 تشرين ثاني (نوفمبر) 1948، والمتعلّق بتأسيس وكالة الأُمم المتّحدة لإغاثة لاجئي فلسطين، والقرار 194 (الدورة 3) الصادر في 11 كانون الأوّل ( ديسمبر) 1948 والمتعلّق بحقّ العودة وتأسيس هيئة التوفيق الدوليّة حول فلسطين، والقرار 302 (الدورة الرابعة) الصادر في 8 كانون الأوّل (ديسمبر) 1949، المتعلّق بتأسيس وكالة الأُمم المتّحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى (الأونروا)، التي أسَّست لتقديم الغوث للّاجئين من فلسطين لحين حلّ قضيّتهم. واللّافت في هذا الخصوص، هو أنّ إعطاء الأولويّة المُطلقة للّغة الإنكليزيّة في وسائل التواصل، وعدم الاهتمام باللّغة العربيّة كما ينبغي، بَلَغ درجة مُربكة، بحيث إنّ بعض المسائل التي تتعلّق بجوهر الأهداف الموضوعة لتقديم خدمات للاجئي فلسطين منذ التأسيس وحتّى الآن، لا زالت موضع جدل في ما يتعلّق باسم الأونروا ذاتها، وهو تعبير عن مضمون الولاية الممنوحة لها؛ ما يعني أنّ اللّغة الأساسيّة التي يتمّ تكريسها للتفاهم هي اللّغة الإنكليزيّة، والوثائق الأساسيّة التي تتعلّق باللّاجئين وقضيّتهم غير مُتوافرة إلّا باللّغة الإنكليزيّة، وإذا وُجدت باللّغة العربيّة، تكون مُترجَمة من المُهتمّين وليس من الطرف الذي أصدرها. وذلك يمثّل تكريساً للهَيمنة اللّغويّة للطرف المُسيطِر في الأُمم المتّحدة، ما أدّى إلى تفاوت في فهْم هذه القرارات. ومن الأمثلة على ذلك على الصعيد اللّغوي طبيعة استخدام اللّغة الإنكليزيّة كأساس لتسمية الأونروا:

(  (UNITED Nations Relief and Works agency for Palestine Refugees in the Near East

فاسم الأونروا باللّغة الإنكليزيّة تتمّ ترجمته بشكلٍ خاطئ منذ البداية، فقد عمدت الأونروا للأسف إلى ترجمة اسمها إلى "هيئة الأُمم المتّحدة لإغاثة وتشغيل اللّاجئين الفلسطينيّين في الشرق الأدنى"، والترجمة الدقيقة لاسم الأونروا، انسجاماً مع الفئة التي أُنشئت من أجل إغاثتها، ينبغي أن يُقرأ باللّغة العربيّة على النحو التالي: "هيئة الأُمم المتّحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى". وهكذا، فإنّ اسم المؤسّسة فُسِّر باللّغة العربيّة بغير ما يعنيه في اللّغة الإنكليزيّة. وهذا ما دفع الأونروا في أحد منشوراتها إلى شرْح مَن هو اللّاجئ وتعريفه بالقول: "يُطلق لقب لاجئ فلسطين على أيّ شخص كان محلّ إقامته الطبيعي يقع ضمن نِطاق الانتداب على فلسطين خلال الفترة ما بين 1 حزيران (يونيو) 1946 و15  أيّار (مايو) 1948، والذي فقد منزله وسُبل عيشه على حدّ سواء نتيجة الحرب التي قامت عام1948  بين العرب وإسرائيل، ويكون بذلك مؤهَّلاً لحمْل اللّقب والتسجيل لدى وكالة الأونروا". ومن هنا جاءت الإشارة إلى "لاجئي فلسطين" وليس "لاجئين فلسطينيّين" في اسم وكالة الأونروا ووثائقها الرسميّة. وهذا ما يفسِّر أنّه عندما بدات الأونروا مهامّها سنة 1950، شملت سجلاتها أيضاً 17.000 من النازحين اليهود.

 فرض الاستخدام اللّغوي

إنّ أشكال التواصل كافّة التي تقوم بها الأونروا من توظيفات، تقارير، مُراسلات، بيانات…إلخ، تهدف مبدئيّاً إلى توفير مقوّمات عَيش اللّاجئين لحين إيجاد حلّ لقضيّتهم. وعلى الرّغم من أنّ الأُمم المتّحدة تعترف بستّ لغات رسميّة للاستخدام والتخاطب، من بينها اللّغة العربيّة، بحسب قرار الجمعيّة العموميّة رقم 3190 خلال الدورة 28 في كانون الأوّل (ديسمبر) 1973، ما جعلها لغة رسميّة للجمعيّة العامّة وهيئاتها،  فإنّ الأولويّة في تواصل الأونروا مع الفئة المُستهدَفة على صعيد مُتابَعة أوضاع اللّاجئين بقيَت رهينة اللّغة الإنكليزيّة. وعندما لجأت الأونروا عام 2000 لـتأسيس موقع إلكتروني لها بهدف إصدار عدد كبير من المطبوعات التي تحتوي على معلومات عن ظروف اللّاجئين الفلسطينيّين، وتغطية عددٍ من المجالات عبر تقارير اجتماعيّة–اقتصاديّة، فضلاً عن النداءات، والنشرات الإخباريّة، والوثائق الاستراتيجيّة، وقرارات الأمم المتّحدة،  وأنشأت أرشيفاً يحتوي على معلومات مفيدة للباحثين والشركاء والأعضاء من الجمهور، عندما قامت الأونروا بهذه الخطوة، فإنّها ربطت تواصلها اللّغوي مع المُهتمّين بإعطاء الأولويّة للّغة الإنكليزيّة؛  ثمّ إنّ المَوقع الإلكتروني صيغ في البداية بلغاتٍ ثلاث هي الإنكليزيّة والعربيّة والعبريّة.

 

ذهنيّة الفئة القياديّة للأونروا

تبدو مسألة التواصل مع اللّاجئين ومُتابَعة المسائل كافّة التي تتعلّق بوجودهم مسألةً شكليّة، ولا تعني المسؤولين كثيراً؛ فهؤلاء يركّزون جلّ همّهم على فهْم الأطراف الأساسيّة المانِحة لمشروعاتهم وبَرامجهم. كما أنّ تقديم التقارير للجمعيّة العموميّة يتمّ أوّلاً عبر استخدام اللّغة الإنكليزيّة، وصولاً إلى تهميش اللّغة العربيّة حيث تتمّ عمليّة ترجمة الوثائق، والبيانات، والمنشورات إلى اللّغة العربيّة من لغة الأصل، وهي اللّغة الإنكليزيّة، ما يؤدّي تقنيّاً إلى تسفيه اللّغة العربيّة والتعاطي معها من منطقٍ شكلي محض، لا علاقة له باحترام مُستخدِميها.

إنّ الخدمات المقدَّمة للّاجئين، كما جاء على لسان المفوَّض العامّ للأونروا، تعتمد بالكامل على الدّعم الطوعي وكَرم المجتمع الدولي. وتُعتبَر الولايات المتّحدة أكبر الجهات المانِحة. وبما أنّ الوضع كذلك، فإنّ الاهتمام اللّغوي يعكس الانسجام مع الطرف المانِح، وهذا يتناول أبسط مقوّمات استمرار الوكالة على الصعيد البنيوي والتوظيفي، حيث تعتمد البيانات المتعلّقة بالتقدّم إلى وظيفة على تعبأة النموذج باللّغة الإنكليزيّة أساساً، وتتوافر ترجمته باللّغة العربيّة. إلّا أنّ النموذج العربي لا يتمّ استخدامه، وللتأكّد من ذلك يُمكن مُراجَعة المَوقع الإلكتروني للأونروا عند التقدّم لوظيفة. وبالتالي فإنّ السؤال المتعلّق بالتواصل اللّغوي مع لاجئي فلسطين وغيرهم من العرب هو  حول ما إذا كان هذا التواصل سيتغيّر مع تراجع الدعم الأميركي في زمن ترامب، وارتفاع منسوب دعم الدول العربيّة الخليجيّة، أو ما إذا كان الأمر مرتبطاً بذهنيّة الفئة القياديّة الأولى في الأونروا والتي يمثِّل الموظفون الغربيّون أبرز عناصرها؟

 

*أستاذ السوسيولوجيا في الجامعة اللّبنانيّة

 

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف