العِلم في الميزان

%d8%ad%d8%b3%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b1%d9%8a%d9%81

 

د. حسن الشريف*

منذ مطلع الحضارة الإنسانيّة وإلى أواسط القرن العشرين، كانت المجتمعات البشريّة تتطلّع إلى "العُلماء" كحكماء يمتلكون المَعرفة والحكمة، ويسعون إلى تطوير هذه "الحكمة" في ذاتها، ارتقاءً بالمبادئ الأخلاقيّة والفلسفيّة التي يجب أن توجِّه هذه المجتمعات. ومع التطوّر الهائل في العلوم وتفرّع اختصاصاتها بعد الثورة الصناعيّة الأولى في القرن الثامن عشر، وانتشار التعليم والبحث العِلميّ، تعاظمت حرمة العِلم وازداد احترام العِلميّين( العلماء!!)، على الرّغم من التحوّل الموضوعي الذي فَصَل العلوم الأساسيّة عن "الفلسفة والحِكمة والأخلاق".

إلى أواسط القرن العشرين، كان هنالك فصل فكري وفلسفي بين "العلوم الأساسيّة البحثيّة" من جهة، و"التكنولوجيا والعلوم التطبيقيّة والهندسيّة" من جهة أخرى، حيث كان التوجّه في الأولى يُركِّز على البحث عن "المعرفة والحقيقة"، في حين كان التوجّه في الثانية يركِّز على التطبيقات العمليّة التي تفيد المجتمع وتجلب ناتجاً اقتصاديّاً وربحاً مادّياً للعامِلين فيها والمُستفيدين منها.

بدأت هذه الصورة بالتغيّر بشكلٍ مُتسارع بعد الحرب العالميّة الثانية وبروز التأثيرات المُباشرة للعِلم والتكنولوجيا في الاقتصاد والمجتع والحرب؛ وبدأ دَور "العِلم" المقبول، بل "المطلوب"، يتحوّل من طلب المعرفة – "العِلم للعلم"- إلى طلب المَكاسب المُختلفة.

وعلى الرّغم من أنّ الإنفاق على البحث العِلمي في دول الغرب عموماً قد انخفض نسبيّاً بعد انهيار الاتّحاد السوفياتي، إلّا أنّ الإنفاق عالميّاً استمرّ بمعدّل 2% من الناتج الإجمالي العالَمي، ويصل إلى حوالى 4% من الناتج الاجمالي المحلّي في بعض الدول، مثل إسرائيل والنرويج. ومقابل ذلك زادت ضغوط الجامعات الأكاديميّة على علميّيها الباحثين بضرورة النشر في مجلّات محكّمة، من أجل الترقية والتثبيت.

وفي النصف الثاني من القرن العشرين، ظهرت طفرة هائلة في الإنفاق على البحوث العلميّة والتكنولوجيّة من الشركات الكبرى، بهدف زيادة قدراتها التنافسيّة والاستيلاء على الحصص الأكبر في السوق، الذي أصبح هو الموجِّه الأساس للأنشطة الاقتصاديّة والمجتمعيّة. وقد زاد هذا التنافس الحادّ بين الشركات مع بداية القرن الحادي والعشرين، حيث أصبح إنفاق هذه الشركات يفوق ما تصرفه الحكومات، بسبب المردود الربحي الكبير الذي أخذت تحقِّقه "مستجدّات التكنولوجيا" في الأسواق.

ومع هذا "الاندفاع" المحموم في طلب "المستجدّات التكنولوجيّة"، التي تحقِّق أرباحاً طائلة في السوق، بدأت تظهر أزمة "أخلاقيّة ومجتمعيّة" لدى مُختلف العِلميّين والعاملين في البحث العِلمي في الدول المتقدّمة، حيث بدأت الضغوط على هؤلاء تزداد لخدمة الشركات الكبرى من أجل الربح المادّي، مقابل التوجّه العِلمي الهادئ في "البحث عن الحقيقة"، الذي كان سائداً إلى أواخر القرن العشرين.

ونتيجة لما سبق، أصبحت أمانة العِلم واستقامته موضع شكّ، وطُرحت أسئلة جديّة حول "جودة البحث العِلمي" و"الثقة الممنوحة للعِلم وللبحث العِلمي"، وخصوصاً مع انتشار "السلعَنة" لأوراق البحث ونواتجه، بحيث أخذت المجلّات العلميّة والوسائط الإعلاميّة تُناقش بجديّة انتشار الأوراق البحثيّة المزيّفة والمطعون بنتائجها. وتبعاً لمجلّة "لانست" lancet (2015)، التي نشرت سلسلة مقالات حول "البحث: زيادة القيمة وتقليص الهدر"، فإنّ نسبة عالية من محصّلات أوراق البحوث المنشورة تكون غير صحيحة، وتمثِّل "عِلماً منسوجاً بشكلٍ رديء. كما أشار الباحث  بجلاي Begley  (2013) إلى أنّ هنالك صعوبة كبيرة في إعادة إنتاج محصّلات البحث لنسبة عالية من المنشورات العِلميّة.

من جهة أخرى، أشار الكثير من الباحثين إلى نواقص وعيوب "النماذج الرياضيّة" التي تُستخدم في العديد من الأوراق البحثيّة، بخاصّة في علوم المجتمع والاقتصاد. فمثلاً أشار جوزيف ستيغلتزJoseph Stigliz  (2010) إلى " الدوافع المُتناقضة والنماذج غير الصحيحة" في عددٍ من أوراق البحوث الاقتصاديّة.

هذا التضخّم في توجيه "البحث العِلمي" نحو السَّلْعَنَة والنواتج الربحيّة، إلى جانب الضغوط "الأكاديميّة"، أدّى إلى ظهور "العِلم المغشوش" في الأعداد الكبيرة من أوراق البحوث العلميّة المنشورة، كما أدّى إلى ما يُسمّى بأزمة "العِلم والبحث العِلمي"؛ وقد طُرحت هذه الأزمة في مؤسّسات علميّة مرموقة وفي أوساط علميّين مشهورين عملوا على توضيحها والتحذير من آثارها السلبيّة على العِلم وعلى المجتمع. وأحدث ما نشر في هذا المجال هو كِتاب "العلم في الميزان" Science on the Verge، الذي ظهر في العام 2017، وشارَك في صياغته مجموعة كبيرة من العِلميّين المُهتمّين في مُختلف الاختصاصات والمُنتمين إلى مؤسّسات علميّة مُحترمة ومتّزنة في عددٍ من الدول في أوروبا وأميركا والشرق الأقصى. وتقوم المنظّمة العربيّة للترجمة بترجمة هذا الكِتاب ونشْره قبل نهاية العام 2018. ونقتبس في هذه المقالة بعض الأفكار الواردة فيه.

ويشير البعض إلى أنّ سبب الأزمة قد يكون النموّ السريع في عدد الباحثين وعدد المنشورات وحَجم الإنفاق. وهذا التضخّم في الباحثين جَعَل "التواصل الشخصي" المُباشر بينهم مُستحيلاً، ما جعل "الجماعات العِلميّة" – ذات المصداقيّة وروح الفريق – أقلّ تماسكاً وانسجاماً، وأقلّ قدرة على ضبط جودة البحوث.

وتتراكَم هذه التأثيرات مع الضغوط الجديدة، الاقتصاديّة والتجاريّة والسياسيّة، في سياق اجتماعي وثقافي جعل "المثاليّة" السابقة للعِلم ضعيفة؛ وبدأت تبرز إلى السطح شخصيّة "العِلمي صاحب الأعمال الاقتصاديّة" Entrepreneurial Scientist، الذي يوظِّف عِلمه وأبحاثه في مشروعات اقتصاديّة مدّرة للربح.

ومنذ مطلع القرن الحادي والعشرين، أُطلقت مُبادرات عديدة من أجل مُعالجة أزمة العِلم وتخفيف آثارها. وقد عُقدت أربعة مؤتمرات عِلميّة عالميّة حول أمانة البحوث واستقامتها، في الفترة بين 2007 و2015. ومن بين ما تمّ كشْفه في تلك المؤتمرات، مثلاً، أنّ الصّين عامِرة بالمُمارسات المشكوك فيها في نشر البحوث المسروقة، وشراء أوراق بحث، وسَمْسَرة "أوراق البحوث المنشورة". وقد تُوِّجت هذه المُبادرات بـ "إعلان سان فرنسيسكو للتقييم العِلمي"، الذي تمّت صياغته من قِبل مجموعة من المُحرّرين والناشرين للمجلّات العِلميّة الجادّة في كانون الأوّل (ديسمبر) 2013. وبين حزيران(يونيو) 2015 ونهاية العام2017، وقَّع على هذا الإعلان حوالى 1400 شخصيّة علميّة و600 منظّمة. وقد رتِّبت توصيات الإعلان في خمس مجموعات: عامّة، وللمؤسسات، وللناشرين، وللمنظّمات التي توفِّر المقاييس، وللباحثين.

الحاجة إلى فلسفة جديدة للعِلم

يشير الكثيرون إلى أنّ العقبة في مُواجهة أزمة العِلم هو الاعتقاد بأنّ النظام سوف يُصحِّح نفسه، وأنّ "الجماعة العِلميّة" تستطيع إصلاح ذاتها. لكن، مع زيادة التعقيدات والضغوط وتفلُّت "التوجّهات للسَلْعَنة"، هنالك ما يشير إلى أنّ الجماعة العِلميّة تحتاج إلى مُساعدة من خارجها. وهنا يُمكن التفكير بأنّ الجماعة العلميّة قد تستفيد من أصوات أخرى، مثل "العِلميّين التأمليّين"(أي الذين يكتبون حول فلسفة العِلم وسياساته)، والإعلام العِلمي والمجتمع المدني المهتمّ.

نحن نحتاج إلى فلسفة جديدة للعِلم، حيث يتمّ الاعتراف بنواقص العِلم وبضرورة مُعالَجة هذه النواقص، وحيث تُؤخَذ بالاعتبار التعقيدات المُستجدّة، ويُعاد النّظر بعقيدة "الفصل التقليدي" بين العِلم والمجتمع، ويُعاد ربط العلوم الطبيعيّة والأساسيّة بعلوم الإنسان والمجتمع. يبدو هنا أنّنا نحتاج إلى "آليّة لإزالة بعض ما تعلّمناه عن فلسفة العِلم السائدة"، وهذا يتطلّب تغييراً جذريّاً في أساليب "تعليم العلوم"؛ وبالفعل بدأ يظهر في هذا المجال توجّه مثل: اصنعه – بنفسك do it your self، كأسلوبٍ حديث لتعليم العلوم وتطويرها.

وظهر في تسعينيّات القرن الماضي كذلك مفهوم العِلم– ما بعد– العادي Post Normal Science، يطبَّق "حيث الوقائع غير مؤكّدة، والقيَم موضوع جدال، والمَصالح كبيرة، والقرارات ملحّة"، وهنا يكون التركيز في العِلم ما بعد العادي على المُشارَكة والشرعَنَة والشفافيّة والمُساءلة، و "بشكلٍ جدليّ من ضمن عدم الكمال".

مؤخّراً أيضاً، ظهرت حركة "عِلم المُواطن" (ماكملان 2014). وهي واحدة من الأشكال الجديدة في أنشطة العِلم التي ظهرت بسبب التفاعل المُتسارع بين تكنولوجيا المعلومات والتيّارات المجتمعيّة والسياسيّة الجديدة، وآلات النسخ الجديدة والإنترنت، وحيث تمّ إلغاء القيود والأطر للمنشورات المطبوعة، وأصبح بإمكان أيّ كان أن يوزِّع معلومات بسرعة غير مسبوقة؛ ما أدّى إلى انهيار احتكار القنوات التقليديّة لنشْر المعرفة، وبدأ إنتاج جمهور مستفيد جديد متمدِّد، لكنّه جمهور يفتقد المعايير الواضحة التي تحدِّد معنى الجودة لما يُنشر؛ وهنا يقوم بمهمّة المُراقبة والنقد مواطنون متطوّعون، متنوّعون في المعرفة العلميّة، يتولّون تفحّص ما يُنشر من عِلم وتكنولوجيا، ويحكمون على "الجيّد" و"السيّئ" منه؛ ومثل هؤلاء يُسمّون "جماعات الأنداد المتمدِّدة".

لقد بدأت جماعات الأنداد المتمدِّدة تتشكّل بأعدادٍ متزايدة، ومن الأسماء المُتداولة في هذا المجال:"المواطنون المحلَّفون" Citizen Juries، ومجموعات التركيز، ومؤتمرات التوافق الاجتماعي، أو أيّ أسماء أخرى؛ وتبدأ هذه المجموعات بالظهور، في الدول المتقدّمة، عندما لا تستطيع السلطات رؤية الطريق بوضوح.

وتقوم هذه الجماعات بتقييم جودة مُقترحات السياسات العامّة، وتسأل أسئلة قد لا تخطر ببال العِلميّين والخبراء، ومن أشكال هذه الأسئلة: "ماذا لو؟ وماذا عن؟ ولماذا هذا وليس ذاك؟". ويُمكن للقوّة المعنويّة لجماعات الأنداد المتمدِّدة أن تُترجَم إلى تأثيرٍ سياسي، وأن تُعيد تشكيل المَسائل وتتخيّل حلولاً بطُرق قد لا يجدها "العِلميّون" طبيعيّة.

وانطلاقاً ممّا سبق، شعر العاملون في المجلس الوطني للبحوث العلميّة في لبنان بأنّ الارتدادات السلبيّة لبعض البحوث العلميّة وآثارها الاجتماعيّة والصحيّة قد تعادل فوائدها الاقتصاديّة والمعرفيّة؛ كما شعروا أنّ المجتمعات العربيّة لا تعير هذه المحاذير الانتباه الكافي إلّا بعد استفحال الأزمات الناتجة عن سوء المُمارسات. وبالتالي تبيّن أنّ هناك ضرورة لاعتماد "شرعة أخلاقيّة" تكون بمثابة دليل يرشد الباحثين ومؤسّساتهم لتجنّب المُمارسات غير المسؤولة، وتتضمَّن قواعد صريحة تحدِّد الآليّات السليمة للأنشطة العِلميّة، ومَعايير شفّافة لضبْط توجّهاتها والنتائج المُتوقَّعة أو المُترتّبة عليها.

وقد طرح المجلس في العام 2017، وثيقة "شرعة المبادئ الأخلاقيّة للبحث العِلمي" لتشكِّل إطاراً عامّاً يتوجّه إلى الباحثين وإلى المؤسّسات العامِلة في مجال البحث العِلمي. وتمَّت مُناقَشة هذه الوثيقة في مؤتمرات عربيّة ووطنيّة عدّة، كما تمّ اعتمادها من قِبل مؤسّسات عدّة، واعتبرها المجلس مُلزِمة في عقود البحوث التي يدعمها كافّة.

*باحث ومُترجِم من لبنان

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف