المُسلمون وإسهاماتهم في الرواية الإنكليزيّة الهنديّة

%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%b9%d9%81%d8%a7%d9%86

 

د. محمّد عفّان*

جاءت اللّغة الإنكليزيّة إلى الهند كلغة غريبة، لكنّها قرَّرت أن تستوطنها، وأن تكون جزءاً لا يتجزّأ من حياتها في جميع ألوانها وظلالها، حتّى جاء حينٌ من الدَّهر صارت فيه أحد الأصوات القويّة للشعب الهنديّ، ومن أهمّ الوسائل وأبلغها تأثيراً وأكثرها نفوذاً للتعبير عن طموحاته وتطلّعاته وآلامه وأحلامه…

 

يقول إيم. كيه. نائك وشيامالا إيه. نارايان في كتابهما "Indian English Literature 1980-2000: A Critical Survey ": " قبل سنوات كثيرة، قامت أيادٍ صفراء شاحبة بازدراع شتلة هشّة على الدوحة الهنديّة الهائلة ذات الأغصان الكثيرة المُتشابِكة. وظلّت الشتلة تنمو نموّاً نشيطاً سريعاً قويّاً حتّى صارت الآن جزءاً لا يتجزّأ من أصلها الأمّ، وطفقت تنشر جذورها الباحثة في الأرض السمراء تحتها. إنّ أوراقها الناشئة تهتزّ بنشاط وحيويّة من الرياح القويّة التي تهبّ من الأفق الغربي ولكنّ الشمس التي تُدفئها، والمطر الذى يُبرِّدها، هُما من سماء الهند، وهي لا تزال تستمدّ نسغها الحيوي من هذه الأرض، هذه الدنيا، هذه الهند".

في جانبٍ آخر، فإنّ الأدب الذي أنتجه الهنود بهذه اللّغة، والذي له مسمّيات مختلفة: الأدب الهندي- الإنكليزي، الأدب الهندي المكتوب بالإنكليزيّة، والأدب الإنكليزي الهندي، لم ينجح في احتلال مكانة مرموقة في نظام الهند اللّغوي الطبقيّ المعقّد فحسب، بل فاق جميع اللّغات المحلّية. ولعلّ سلمان رشدي صائب في ما يراه كما ذكر في كِتابه الذي قام بتحريره بالاشتراك مع إليزابيت ويست " The Vintage Book of Indian Writing 1947-1997" حين قال: " النثر ـــــــ القصصي منه وغير القصصي ــــــ الذي أبدعه الكتّاب الهنود المشتغلون باللّغة الإنكليزيّة في هذه الفترة، يُبرهن على أنّ هذا التراث أقوى وأكثر أهمّية ممّا أُنتج في الزمن نفسه في ست عشرة لغة هنديّة رسميّة، أو ما يطلق عليه مصطلح اللّغات المحلّية، وبالفعل لعلّ هذا الأدب الهندي ـــــــ الإنكليزي الجديد والمُزدهر يمثِّل إسهام الهند الأكثر قيمة في عالَم الكُتب حتّى الآن".

كذلك، فإنّ الجنس الأدبيّ الذي استأثر بخيال الكتّاب وانتباهم وشغل قرائحهم وإبداعاتهم، وبذّ الأجناس الأدبيّة الأخرى هو الرواية. وقد أسهم الهنود في هذا المجال إسهاماً له قيمته في الأدب المحلّي والعالَمي تدلّ عليه الجوائز العالَميّة الشهيرة التي حصدتها الرواية في فترات مُختلفة. يقول سلمان رشدي في الكِتاب المذكور آنفاً: "إنّ أوّل حقيقة مهمّة بالنسبة إلى الأدب "الجديد" هي أنّ عدد الروايات الإنكليزيّة الهنديّة المطبوعة خلال العقدَين الماضيَين يفوق إجمالي الإنتاج في أيّ عصر مُتزامِن سابق".

أمّا في ما يتعلّق بالمسلمين، فإنّهم أسهموا، مثل الجاليات الهنديّة الأخرى، في إثراء هذا الأدب؛ فقد أسهموا في جميع الأنواع من شعر ورواية وقصّة قصيرة ومسرحيّة وأدب رحلة وسيرة ذاتيّة ومقالات سياسيّة وغيرها. ولو اعتبرنا " Travels of Dean Mahomed "  أو "رحلات دين محمّد للشيخ دين محمّد أوّل كِتابٍ في الإنكليزيّة ألَّفه هنديٌّ- كما يرى ذلك بعض النقّاد والمعنيّين بدارسة الأدب الإنكليزيّ الهنديّ- وهو مُسلِم، فإنّ سلمان رشدي يُعَدّ فاتح عهد جديد والمُبشِّر بانطلاق مرحلة جديدة في تاريخ هذا الأدب بروايته "Midnights Children" (أطفال منتصف اللّيل) التي ظهرت في ثمانينيّات القرن المنصرم…

 

نماذج روائيّة

أوّل مَن يطالعنا في هذا المجال هو عامر عليّ، الذي قدَّم روايات عدّة منها "Conflict"(الصراع) 1947، و"Via Geneva" (عبر جنيف) 1967، و"Assignment in Kashmir" (مهمّة كاشمير) 1973. وتُعتبَر رواية "الصراع" التي ظهرت قبل انقسام الهند أجمل رواياته، وموضوعها النّضال الوطنيّ. تقدِّم الرواية ردود فعل "شانكار" الولد اليافع المثقّف القرويّ، الذي يُسافر إلى بومباي للتعليم العالي، فيجد نفسه في دوّامة الظروف السياسيّة لما قبل الاستقلال، أي حوالى العام 1942. تسجِّل الرواية التناقض الصارخ بين القرية والمدينة، والشرق والغرب، والوطنيّة والعبوديّة من منظور البطل. أمّا الروايتان الأخريان فهما نِتاج تجاربه في السلك الدبلوماسي. فالرواية الثانية "عبر جنيف" تحمل مسحة أصناف أدبيّة مختلفة، حيث يُمكن قراءتها كرواية أو رحلة أو سيرة ذاتيّة. وهي تُناقش أساساً، وبصورة غير منظَّمة قضايا وطنيّة وعالميّة، منها الاستقلال والانقسام والطائفيّة والشيوعيّة. أمّا الرواية الأخيرة "مهمّة كاشمير"، فتُعالِج قضيّة هنديّة شائكة، قضيّة كاشمير التي صارت في غموضها والتوائها وتعقّدها مثلّث برمودا.

الشخصيّة الأخرى التي أسهمت بصورة كبيرة في فنون أدبيّة متنوّعة هي خواجه أحمد عبّاس (1914-1987). ومن رواياته المهمّة "Tomorrow is ours! A novel of the India of Today" (الغد لنا: رواية الهند الحاضرة) 1943، التي تتبنّى قضايا عديدة بما فيها الوطنيّة واليساريّة والتخلّي عن الفاشيّة وعدم المُسايَسة، وINQILAB. First Great Novel of the"  Indian Revolution "(انقلاب: أوّل رواية عظيمة للثورة الهنديّة) 1955، وهي عملٌ أدبيٌّ رائع، يقدِّم بانورما السياسة الهنديّة خلال عشرينيّات القرن العشرين وثلاثينيّاته. وفي العام 1984، بعد تسعة وعشرين عاماً تقريباً، كَتَبَ " The World Is My Village" "العالَم قريتي" كجزءٍ لاحقٍ لرواية "انقلاب" .

قدَّم أحمد علي (1910-1994) ثلاث روايات: "Light in Delhi" (الشفق في دلهي) 1940 و"Ocean of Night" (محيط اللّيل) 1964 و"Of Rats and Diplomats" (عن الفئران والدبلوماسيّين) 1985. وهو يركِّز أساساً في كتاباته على تيمات العبوديّة والفقر ومشكلاتهما، فضلاً عن معاناة عامّة الناس ودهمائهم، واستغلال الفقراء من قبل الهنود الأثرياء، واستغلال الأميّين من قبل المثقّفين والطبقات الراقية. تأخذ رواية "الشفق في دلهي" أحداث القرن التاسع عشر مسرحاً لها، ويأتي التاريخ حيّا نابضاً متدفّقاً. فقد جرى تصوير اضمحلال الحضارة الإسلاميّة الهنديّة وزوالها بصورة حميمة…التغيير أمر لا مفرّ منه… قد أدبرت أيّام المُسلمين، وأشرقت شمس الإنكليز فنشروا حكمهم من أقصى البلاد إلى أقصاها… الرواية، التي تُعتبَر بحقّ تحفة فنّية رائعة تُرجمت إلى الأرديّة والفرنسيّة والبرتغاليّة والإسبانيّة والألمانيّة… وعلى حدّ قول بونامي دوبري: "السيّد أحمد يجعلنا نسمع ونشمّ رائحة دلهي… نسمع رفْرَفة أجنحة الحَمام، وصرخة الباعة الجوّالين، ودعوات الصلاة، وعويل المشيّعين ونياحهم، وتراتيل "القوّالين" وأناشيدهم، ونشمّ رائحة الياسمين والصرف الصحّي، والسمن المقلي، والخشب المُحترق"…

أمّا "محيط اللّيل" فهي دراسة للمجتمع المُسلِم المنهار، إذ تصوِّر أرستقراطيّة لكناؤ الزائلة في الفترة ما بين الحربَين إلى جانب مُعالجة موضوعات الإقطاعيّة والحرمان العاطفيّ، فيما تقدِّم رواية "عن الفئران والدبلوماسيّين" الحياةَ في الأوساط الدبلوماسيّة  بأسلوبٍ ساخر لاذع.

كتب همايون كبير (1976-1906) رواية "Men and River"  (الرجال والأنهار) 1945، مصوِّراً فيها مناظر ضفاف نهر "بادما" وتحوّلاته وآثاره على حيوات صيّادي السمك بأسلوبٍ بارع. تُعالِج الرواية العلاقة بين الإنسان والطبيعة التي هي من الموضوعات والتيمات الأدبيّة القديمة المهمّة؛ حيث الطبيعة بجانبيها أو بصورتَي الخير والشرّ.

تابش خير  (1966-) له إسهامات في مجالات مختلفة؛ الشعر والرواية والنقد، ومن الروايات التي قدّمها: "The Bus Stopped "(وقفت الحافلة) 2004 و"Filming " (الفيلمة) 2007 و"The Thing About Thugs "(شيئ عن الشطّارين) 2010 وغيرها.

أمّا بالنسبة إلى سلمان رشدي( 1947 – )، فيكاد يتّفق النقّاد على أنّ الأدب الإنكليزي الهندي يدين له كثيراً. فالكتابة الهنديّة باللّغة الإنكليزيّة التي كانت في السابق معروفة لدى عدد قليل من الكتّاب البارزين، والتي لم تكُن تدرَّس إلّا في عددٍ قليل من الجامعات في الخارج، فازت الآن بقبولٍ أوسع وأكثر، وليس في البلدان الناطقة باللّغة الإنكليزيّة فقط، ولكن في أرجاء العالَم كافّة، من خلال الترجمة. وكان هو رشدي الذي دلّ على هذا الطريق من خلال تجريبه الجريء للّغة الإنكليزيّة. ولرشدي روايات كثيرة، غير أنّ النقّاد يعتبرون رواية "أطفال منتصف اللّيل" من أجودها وأفضلها، إذ تجمع بين الواقع والخيال جمعاً لا يتأتّى إلّا لخبيرٍ بالفنّ وأدواته ودقائقه. فالرواية هي خير نموذج للواقعيّة السحريّة والتجريب المُبدِع في الشكل والأسلوب. وهي تتناول "مسيرة الهند من الاستعمار البريطاني إلى الاستقلال والانقسام. وتسرد الأحداث على لسان بطلها الرئيس سليم سينائي، وتجري في سياق الأحداث التاريخيّة الحقيقيّة، ويشوبها أدب الخيال التاريخي". حصدت الرواية جوائز محلّية وعالميّة قيّمة من أهمّها جائزة بوكر الأدبيّة.

 

كتابات النساء

إلى جانب هؤلاء، هناك نساء مُسلمات ساهمن في مجال الرواية الإنكليزيّة الهنديّة. ويُمكننا أن نذكر في هذا الصدد زينت فوتحلي (1904- 1992)، وعطيّه حسين (1913-1998)، وإقبال النساء حسين وزائي واتيكار (1954-)، وشمع فوتحلي(1952-).

تقدِّم رواية "Zohra" (زهرة) 1951 لزينت فوتحلي، التي تجعل عصر غاندي خلفيّة لها، مشاهد ومناظر موحية للعائلات المُسلمة في مدينة حيدراباد، بينما تمثّل رواية عطية حسين"Sunlight on a Broken Column  " (أشعّة الشمس على عمود مكسور) 1961 سرداً نوستالجيّاً للحياة الارستقراطيّة في مدينة لكناؤ قبل انقسام الهند. كما تقدِّم رواية إقبال النساء " Purdah and polygamy, life in an Indian Muslim household "(الحجاب وتعدّد الزواج: الحياة في عائلة مُسلمة هنديّة-1944) حكاية عائلة مُسلمة تقليديّة تَمتهن التجارة. وميزة الرواية هي سرد الحكاية من خلال عيون أنثويّة نافذة تضفي عليها الحيويّة والمعنى المُتكاثف.

أما رواية شمع فوتحلي "Tara Lane" (تارا لين-1993) فهي محاولة روائيّة جميلة. البطلة، طاهرة، تقضي طفولة أرستقراطيّة في جوٍّ يسوده شعور الحماية، وعندما تتقدّم بها السنّ وتتزوج، تضطرّ إلى مُواجَهة  العالَم الخارجيّ المتّسم بطابع المهنيّة والنفعيّة والتنازل. في نثرٍ بسيط حلو تُناقش فوتحلي قضيّة المبادئ في العالَم المُعاصر، والخيارات التي تجدها كزوجة وأمّ.

زاي وايتاكر هي مؤلّفة "Up the Ghat"  (على الضفاف) 1992. تقع أحداث الرواية  في مَزارع جنوب الهند، وتدور حول حياة عذراء، في الثلاثين من عمرها، يجعلها تعليمها في إنكلترا غير قابلة لمُعايشة حياة زوجيّة جافّة باردة مع مسؤولٍ حكوميّ يستهلك طاقاته في تحرير مجموعة من العمّال المُستعبَدين.

كانت هذه نبذة عن إسهام المُسلمين في مجال الرواية الإنكليزيّة الهنديّة، لكن تجدر الإشارة إلى أنّ هذا الإسهام لا يوازي النسبة العدديّة التي يشكّلونها في البلاد، ولعلّ الانقسام والظروف السياسيّة التي أعقبته، والتحوّلات الاجتماعيّة والثقافيّة التي مرّ بها المسلمون تسبَّبت في تجفيف منابع الفكر وتجميد القرائح.

 

*باحث من الهند

 

 

 

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف