هل يُماثِل الذكاء الاصطناعيّ الذكاء البشريّ؟

%d8%b5%d9%84%d8%a7%d8%ad-%d8%b9%d8%a8%d8%af%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87

 

 صلاح عبد الله*

خلال السنوات الثلاثين الأخيرة، بيَّن الباحثون عن نظام ذكاء اصطناعيّ، أنّه ينبغي التخلّي نهائيّاً عن بعض المُقارَنات الشديدة السطحيّة بين الحاسوب والدماغ، وباشروا بإعطاء قاعدة نظريّة لفكرة الذكاء، فالحاسوب بالنسبة إلى هؤلاء الباحثين هو مُختبر يَسمح باكتشاف طُرق جديدة لتصوّر الفكر وقد أثبتوا من خلال بَرامجهم أنّ في بعض النشاطات (مثل الألعاب حيث كان يُعتقد أنّ الذكاء ضروريّ) يستطيع الحاسوب التفوّق على الكائن البشريّ. كما استخلصوا أيضاً أفضل معرفة للتشابهات بين عمل الحاسوب وعمل الدماغ البشريّ.

لتنفحّص فكرة التعلّم: يبدو التعلّم عند الإنسان مرتبطاً بشدّة بالنموّ وبالتغيّرات البنيويّة للدماغ في حين ومن البديهي أن مكوّنات الحاسوب لا تخضع لأيّ تغيّر من هذا النَّوع. وفي المقابل، فإنّ بَرامج الحاسوب يُمكن أن تتغيّر بطُرق مُختلفة: يُمكن أن تُراكِم معطيات وتجعلها في بنى وهي بمقدورها أيضاً أن تغيّر نفسها بنفسها، لهذا السبب اقترح متخصّصو الذكاء الاصطناعي أنّ البَرامج المعقّدة، وخصوصاً تلك التي تستطيع أن تغيّر وظائفها الخاصّة، تشكِّل نماذج جيّدة للتعلّم البشري. وهذه النماذج كسائر النماذج في العلوم لا تنتج كلّ خصائص الظاهرات المُفترَض أن تقدّمها: فضلاً عن ذلك لم يجرؤ أيّ شخص على الإدّعاء أنّ وظائف الحاسوب المزوَّد ببَرنامج تعليم تحلّل النشاط الكهربائي للخلايا العصبيّة المرتبطة بالتعلّم البشري.

إلّا أنّ النموذج المعلوماتي للذكاء هو من المرونة بحيث يُمكن أن يوضح بدقّة مُتناهية درجة الوظائف الأساسيّة للذكاء البشري.

 

بَرنامج الحاسوب يتفوّق على مُبرمِجه

إنّ وظائف بيل Belle، بطل البَرامج الإلكترونيّة في لعبة الشطرنج، يُظهر بوضوح إحدى المسائل الأكثر أهمّية المتعلّقة بأهداف البحث في الذكاء الاصطناعي. فإذا كان أحد الأهداف الأساسية هو مُحاكاة السلوك البشري للذكاء، فأين يقع مستوى هذه المُحاكاة؟ إن تنفيذ بَرنامج شطرنج يلعب جيّداً مثل خبير في اللّعبة يُحاكي سلوك خبير بشري أيّاً كانت الوسائل المُستخدَمة. وفي المقابل، إذا كان الهدف اتّخاذ قرارات استراتيجية كلاعبٍ بشريّ، فإنّ أيّ برنامج من نوع بيل يفشل فشلاً ذريعاً.

ومن الواضح أنّ لاعب شطرنج قديراً يفكّر بطريقة مختلفة جذريّاً عن بيل. فاللّاعب البشري يستخدم استراتيجيّة، يحدِّد هدفاً، مثلاً:  كسب قطعة محدَّدة، ثمّ يبحث عن وسائل تكتيّة للوصول إلى الهدف. وهو من أجل ذلك، يحدِّد أهدافاً وسيطة أو أهدافاً صغرى ويحاول أن يرى إذا كان بإمكانه إدراك هذه الأهداف الصغرى. ولقد برهنّا من خلال اختبارات أنّ لاعِباً بشريّاً قديراً لا يستطيع أن يتفحّص أكثر من مائة وضعيّة قبل أن يختار حركة. وهو لا يحفظ إلّا الحركات الأكثر أهمّية ولكنّه يدرسها بعمقٍ مهمّ نسبيّاً. وفي المقابل، فإنّ بَرنامج بيل يتفحّص 29 مليون وضعيّة خلال ثلاث دقائق وهو الزمن المسموح به للقيام بحركة خلال دَورة شطرنج.

 

تمايز الذكاء البشريّ عن الذكاء الاصطناعيّ

إنّ نجاحات بيل في الشطرنج أظهرت أنّ ثمّة سلوكيّات ذكيّة تستند إلى مساقات تختلف عن المساقات البشريّة، إلّا أنّ بعض الباحثين يؤكّدون على أنّ الذكاء الاصطناعي هو فرع من فروع عِلم النفس البشري، ففي كلّ مرّة يُحاكي برنامجٌ ما جانباً من جوانب الذكاء البشري فإنّه يشكِّل "دليلاً على وجود" نموذج معلوماتي للذكاء البشري. إنّ سَير البَرنامج هو أحياناً مُختلف جدّاً عن المساقات العقليّة البشريّة لتكون إسهاماتها مباشرة في عِلم النفس البشري، ولكنّ البَرنامج يُمكن أن يُحاكي جوانب أخرى للذكاء البشري مهمّة جدّاً كعدم توقّع إنجازاته على سبيل المثال. فالبَرامج تلعب غالباً أفضل من الأشخاص الذين يعدّونها. ومن الخطل الكلّي التأكيد، كما فعل أشخاصٌ كثر، أنّ الذكاء الاصطناعي محدود لأنّ الحاسوب لا يفعل إلّا بحدود ما أعطيناه من بَرْمَجة: وعلى العكس، فإنّ المُبرمِج يجهل غالباً قدرات بَرنامجه طالما لم يختبره من خلال الحاسوب.

 

التواصل الوحيد بين البَرنامج والعالَم هو اللّسان

إنّ المحاولات الأولى لفهم اللّسان بواسطة بَرامج حاسوبيّة تعود إلى خمسينيّات القرن الماضي، وقد تمّ حينها إنجاز آلات ترجمة آليّة الحركة. فقد أُعطيت كلّ كلمة من المدوّنة المطلوب ترجمتها مجموعة من الترجمات، وتمّ تحديد قواعد بسيطة لوضع المفردات بالتسلسل في الترجمة وتحسين تركيب الجملة. هذه الأعمال لم تنجح خلال الترجمة من الإنكليزيّة إلى الروسيّة ثمّ من الروسيّة إلى الإنكليزيّة، فجملة "العقل قوي ولكنّ الجسد ضعيف" تُرجمت بـ "الفودكا غنيّة بالكحول ولكنّ اللّحم فاسد". هكذا يبدو أنّ الترجمة من دون فهم مستحيلة، وتمّ التخلّي عن تلك المحاولات في منتصف الستينيّات.

وقد تمّت مُقاربةٌ أخرى لفهم اللّسان هي مُقارَبة جوزف ويزنبوم في المعهد التكنولوجي في ماساشوستس الذي أعدّ في العام 1966 برنامجاً دُعي أليزا. هذا البَرنامج يختصر دائرة المساقات اللّغوية المفيدة Les Processus linguistiques réels ، ويستخدم منظومة فطنة من نماذج الأجوبة الثابتة تقلِّد اللّسان على نحو مُقنِع. ذلك أنّ أجوبة البَرنامج تقلّد أجوبة طبيب الأمراض النفسيّة، فكلّ جواب منها مقتبس من سلسلة من الجُمل أو من أبنية جُمل محفوظة في الذاكرة ومُرتبطة مع بعض الكلمات أو مجموعات من الكلمات التي تظهر في جُمل "المريض". مثلاً، كلّما ظهرت كلمة أم يجيب البرنامج بجملة محفوظة في الذاكرة من طراز "كلّمني أيضاً عن أمّك". وعندما نكتب على شاشة الحاسوب: "أحسّ ببعض التعب"، يستخدم برنامج أليزا جزءاً من جملة المريض في جوابه: "لماذا تحسّ ببعض التعب؟".

 

الذكاء البشريّ يرتكز على الحسّ المُشترَك

إنّ النقد الأساس لأبحاث الذكاء الاصطناعي تتناول حقيقة أنّها لم تنجح حتّى الآن في بلوغ ما نسمّيه الحسّ المُشترَك. ذلك أنّ إحدى الصعوبات التي تُواجِه هذه الأبحاث هي أنّ على البَرنامج أن يربط في آن معاً بين المعرفة والمُحاجَجة والفعل، لأنّ الاستخدام الذكي للفكرة لا بدّ أن يجمع بين هذه الجوانب الثلاثة. فأفضل البَرامج الحاليّة لا تعرف عمّا تتكلّم، وتواصلها الوحيد مع العالَم يتمّ من خلال اللّغة.

 

*كاتب ومُترجِم لبناني

 

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف