العرب والأميركيّون ونقْل السفارة إلى القدس

%d8%a5%d8%af%d8%b1%d9%8a%d8%b3-%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%86%d9%8a

 

د.إدريس لكريني*

أعاد استخدام الولايات المتّحدة الأميركيّة حقّ "الفيتو" في مجلس الأمن ضدّ مشروع قرار يدين توجّه الرئيس الأميركيّ "ترامب" نقْل السفارة الأميركيّة في إسرائيل من "تلّ أبيب" إلى القدس، موضوع "الاعتراض" الأميركيّ وتداعياته على السِّلم والأمن الدوليَّين بشكلٍ عامّ، ومَصالِح المنطقة العربيّة وقضاياها على وجه الخصوص، إلى واجهة النقاشات السياسيّة والأكاديميّة.

يحتلّ مجلس الأمن مكانةً بارزة ومهمّة من ضمن الأجهزة الرئيسة للأُمم المتّحدة، ذلك أنّ الميثاق الأُمميّ منحه اختصاصات وسلطات تقديريّة واسعة في سبيل تحقيق السِّلم والأمن الدوليَّين، فهو الذي يحظى بسلطة الإقرار بالحالات المهدِّدة أو المُخلّة بالسِّلم والأمن الدوليَّين أو بوقوع حالات العدوان، وهو الذي يَحتكر سلطة استعمال الوسائل الزجريّة لمُواجَهة القائمين بهذه الأعمال، سواء في شقّها المرتبط باستعمال القوّة العسكريّة أم بإعمال الضغوط الاقتصاديّة والسياسيّة.. الأخرى، كما أنّ قراراته تتميّز بالإلزاميّة وقوّة النّفاذ.

ظلّت قضايا عربيّة عدّة خلال فترة الحرب الباردة على هامش اهتمامات المجلس، فيما أديرت أخرى بسُبلٍ لا تخلو من إشكالات. وتُعدّ قضيّة الشرق الأوسط المتّصلة بالصراع العربيّ- الإسرائيليّ، دليلاً على ذلك.

وتشير الكثير من الوقائع إلى أنّ كثيراً من القضايا العربيّة العادِلة تأثَّرت بالسلب أو تعرَّضت للطمس، نتيجة الإقبال المكثَّف على استخدام حقّ "الفيتو" خلال هذه المرحلة من تطوّر النّظام الدوليّ، والتي طبعها الصراع الحادّ الذي انتقل إلى داخل الأُمم المتّحدة نفسها.

تؤكّد المادّة السابعة والعشرون من الميثاق الأُمميّ على أنّ قرارات مجلس الأمن تصدر في المسائل الإجرائيّة بمُوافقة تسعة من أعضائه، فيما "تصدر قرارات مجلس الأمن في المسائل الأخرى كافّة بمُوافَقة أصوات تسعة من أعضائه يكون من بينها أصوات الأعضاء الدائمين متّفقة..".

عبَّرت الكثير من دول العالَم منذ البدايات الأولى لتأسيس الأُمم المتّحدة عن استيائها وانزعاجها من حقّ الاعتراض، بالنَّظر إلى كونه يتناقض مع أحد أهمّ المبادئ الأساسيّة للمنظّمة والمرتبط بالمساواة في السيادة بين الدول. غير أنّ القوى الدوليّة الكبرى آنذاك والمعنيَّة بهذا الحقّ، وعلى رأسها الولايات المتّحدة، تعهّدت باستعماله بحسن نيّة وخدمةً للسلم والأمن الدوليَّين..

تُبرز المُمارسات الدوليّة أنّ الكثير من القضايا العربيّة، تأثّرت بصورة سلبيّة بفعل الإقبال المكثّف على استخدام حقّ "الفيتو"، ما جعل دول المنطقة من ضمن أكثر مناطق العالَم تضرّراً من استعماله.

استُغلّ حقّ الاعتراض مراراً لتحقيق مَصالح خاصّة لبعض الدول، على حساب السِّلم والأمن الدوليَّين، واستُخدِم أيضاً لعَرقلة جهود المجلس في دعْم الشعوب المُستعمَرة لنَيل استقلالها من الدول الغربيّة منذ تأسيس الأُمم المتّحدة، كما أنّه استُعمل لعرقلة انضمام دول عديدة إلى المنظّمة، وبسببه، اتَّخذ المجلس مواقف مُتناقضة تماماً مع التوجّهات الدوليّة التي تعكسها قرارات الجمعيّة العامّة، والتي تُعتبَر بمثابة برلمان دوليّ…

 

حقّ الفيتو ومُصادَرة حقوق الشعب الفلسطينيّ

أدّى الاستخدام المكثّف لهذا الحقّ إلى مُصادَرة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينيّ، وفتح المجال للكيان الإسرائيليّ للاستمرار في خروقاته وجرائمه في المنطقة. وتشير التقارير والدراسات أنّ ما بين عامَي 1948 و1989 أصدرت الجمعيّة العامّة ومجلس الأمن 300 قرار إدانة للكيان الإسرائيليّ، غير أنّ هذا الأخير لم يَتراجع عن سلوكاته التعسّفية في مُواجَهة الفلسطينيّين. وخلال الفترة نفسها، دانَ مجلسُ الأمن الكيانَ الإسرائيليّ حوالى 46 مرّة. وكان بالإمكان أن يتمّ تجاوُز هذا العدد بكثير لو لم تَستعمل الولايات المتّحدة الأميركيّة حقّ الاعتراض لمصلحة هذا الكيان.

خلال الانتفاضة الفلسطينيّة التي شهدتها الأراضي المحتلّة أواخر الثمانينيّات من القرن المنصرم، أحبَط "الفيتو" الأميركيّ عدداً من القرارات التي كان من المُفترَض أن يدين من خلالها المجلس جرائمَ الاحتلال الإسرائيليّ. وعند مُناقشة المجلس لشكوى تقدَّمت بها ليبيا ضدّ الولايات المتّحدة الأميركيّة بتاريخ 21 نيسان (أبريل) 1986 بسبب إقدام هذه الأخيرة على شنّ غارات جوّية على أراضيها خلال العام نفسه، استعملت أميركا حقّ الاعتراض ضدّ قرارٍ كان المجلس سيدين فيه هذا العدوان. وقد تكرَّر المشهد نفسه مع قرارٍ آخر كان سيصدره المجلس يدين فيه إسقاط القوّات المسلَّحة الأميركيّة لطائرتَين ليبيّتَين فوق المياه الإقليميّة لهذه الأخيرة.

وحاولَت الأُمم المتّحدة تجاوُز شلل المجلس بفعل المُبالَغة في استعمال هذه الإمكانيّة عبر مدخلَين، الأوّل، يتعلّق بتطوير أدوار الجمعيّة العامّة في هذا المجال وتوسيعها، عبر قرار "الاتّحاد من أجل السلم"، والثاني، يرتبط بإحداث عمليّات لحفْظ السلام في مَناطق مختلفة من العالَم.

دأبت الولايات المتّحدة الأميركيّة في تدبيرها لعددٍ من الأزمات الدوليّة التي تندرج ضمن استراتيجيّتها واهتماماتها، على استثمار المشروعيّة الدولية بالارتكاز إلى قرارات الأُمم المتّحدة في هذا الصدد، وباستغلال الإمكانيّات السياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة التي تتيحها لها المنظّمات الإقليميّة كحلف شمال الأطلسي وبعض المؤسّسات الماليّة، بعد أن استأثرت بشؤون الساحة الدولية منذ مطلع التسعينيّات من القرن المنصرم.

لاقت الولايات المتّحدة صعوباتٍ وتحدّيات منعتها من بسط سيطرتها على الأُمم المتّحدة بعامّة ومجلس الأمن الدّولي، بسبب ظروف الحرب الباردة. ومع اختفاء التحدّي السوفييتيّ، وتراجُع تكتّلات دُول العالَم الثالث ومنظّماتها، أضحت الظروف مواتية أمامها للهَيمَنة على الأُمم المتّحدة، وبخاصّة على جهاز مجلس الأمن باعتباره المسؤول الرئيس عن حفْظ السِّلم والأمن الدوليَّين، وتوجيهه بالشكل الذي يتماشى ومصالحها. وقد بدا ذلك جليّاً عند إقدامها – باسم هذا الجهاز – على تأديب المتمرّدين عن إرادتها والخارجين عن طاعتها، سواء في صورة عمل عسكريّ مباشر كما في حالة العراق وأفغانستان أم في صورة عقوبات اقتصاديّة وحظر جوّي كما في حالة ليبيا.

أصبح المجلس بذلك أداة طيّعة في يدها تصفّي عبره حساباتها مع خصومها وتعُيد ترتيب الأوضاع الدوليّة بما يتلاءم ورؤيتها ويعزِّز زعامتها. وقد أسهم الغموض الذي يشوب بعض مواد الميثاق الأُمميّ (المادّة 39 من الميثاق على سبيل المثال) في تكريس سلوكاتها المُنحرفة في هذا الصدد ضدّ مَصالِح الكثير من الشعوب والدول المُستضعَفة.

تستند الولايات المتّحدة في ذلك إلى مرتكزَين، أوّلهما يرتبط باحتكار العضويّة داخل المجلس، بالنِّظر إلى الطّابع السياسيّ الذي يميِّز أداء هذا الجهاز، والذي جعله معرَّضاً في كثير من الأحيان لتأثيرات الدول الدائمة العضويّة فيه، ما انعكس سلباً على مصداقيّته خلال مباشرته مَهامّه واختصاصاته؛ وثانيهما، يتّصل بالتذرّع الدائم بالمشروعيّة الدوليّة عبر تكييفٍ ضيّق لبنود الميثاق الأُمميّ ولمُقتضيات القانون الدوليّ بصورة لا تخلو من خرق وانحراف. وهو ما أسهَم في تغوّل المجلس على حساب باقي الأجهزة الأُمميّة الرئيسة الأخرى، كما هو الحال بالنسبة إلى الجمعيّة العامّة ومَحكمة العدل الدوليّة.

 

العدالة المفقودة

مباشرةً بعد انتهاء الحرب الباردة، وما تلا ذلك من "تبشيرٍ" أميركيّ بـ "نظام دوليّ جديد" مَبنيّ على التعاون والإخاء والعدل ومُواجَهة الأخطار المحدقة بالسِّلم والأمن الدوليّين، خالٍ من "الإرهاب"، وتلعب فيه الأُمم المتّحدة دَوراً بارزاً"، ساد الاعتقاد بأنّ الكثير من الإشكالات التي شهدتها المنطقة العربيّة ستحظى بمُقارَبة عادلة وموضوعيّة من المجلس لتجد طريقها إلى الحلّ. كما ساد الاعتقاد أنّ المجلس سيطوي صفحة قاتمة من تاريخه، بتجاوز استخدام الدول الدائمة العضويّة، وبخاصّة الولايات المتّحدة الأميركيّة، لحقّ "الاعتراض". غير أنّ هذه الطموحات ستتبخّر تحت وقع المُمارسات الأميركيّة التي ظلَّت تُمارِس هذا الخيار أو تهدِّد باستخدامه في أحسن الأحوال، بما أثَّر بالسَّلب مرّة أخرى في أداء المجلس، حيث ظلّ صامتاً ومتردّداً، على الرّغم من انفجارِ عددٍ كبير من الأزمات التي أثَّرت بتداعياتها الخطيرة على السِّلم والأمن الدوليَّين. فقد قامت الولايات المتّحدة الأميركيّة باستعمال هذا الحقّ لحرمان الأمين العامّ الأُمميّ "بطرس بطرس غالي" من ولاية ثانية، وللتعرّض كذلك على رفع الحصار الذي فُرض سابقاً على كلٍّ من العراق وليبيا.

كما استعملته أيضاً ضدّ إرادة المجتمع الدوليّ للحيلولة دون إرسال قوّات دوليّة لحِماية الشعب الفلسطينيّ من البطش الإسرائيليّ في أواخر شهر آذار (مارس) من العام 2001، وهو ما شلّ المجلس على الرّغم من حَجم الخروقات والاعتداءات المتكرّرة التي ظلّ يرتكبها الكيان الإسرائيليّ في الأراضي المحتلَّة. هذا، فيما لم يتمكّن بعد من اتّخاذ قرارٍ حاسِم يدعم وضع حدّ للمعاناة التي يلاقيها المُواطن السّوري، ووقْف التّدمير الذي يلحق بالبلاد مع تعقّد الأوضاع الأمنيّة والإنسانيّة فيها، وما ترتّب عنها من إشكالات طرحها تدخُّل عددٍ من القوى الدوليّة والإقليميّة في البلاد، ورحيل أكثر من ثلث السكّان (من مُهاجرين وطالِبي اللّجوء) بحثاً عن فضاءات تحفظ إنسانيّتهم وكرامتهم.

تفرض هذه المعطيات مُجتمعةً، إعمال إصلاحات جذريّة على ميثاق الأُمم المتّحدة، بما يُعقْلِن استخدام "الفيتو" أو يلغيه، في إطارِ إصلاحٍ شامِل للأُمم المتّحدة التي فقدت الكثير من صدقيّتها تحت محكّ واقعٍ دوليّ متغيّر وحافِل بالمَخاطر والتحدّيات.

 

*مدير مُختبر الدراسات الدوليّة حول تدبير الأزمات

 جامعة القاضي عياض، المغرب

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف