الخصوصيّة الثقافيّة اليابانيّة وأثرها على النِّظام السياسيّ

%d9%85%d8%ad%d9%85%d9%88%d8%af-%d8%b9%d8%b2%d8%aa-%d8%b9%d8%a8%d8%af%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d9%81%d8%b8

 

د. محمود عزّت عبد الحافظ*

إنّ الثقافة اليابانيّة، ولاسيّما السياسيّة، وعلى الرّغم ممّا شهدته تاريخيّاً من تحدّيات ومحاولات اختراق خارجيّة، ما زالت إلى حدٍّ كبير مُحافظة على مكوّناتها التقليديّة التي اكتسبتها عبر مراحل تاريخيّة ممتدَّة؛ بحيث يُمكن القول إنّ الواقع الثقافيّ اليابانيّ يقف شامخاً في مُواجَهة الوافد الغربيّ. فعلى الرّغم من انتهاج اليابان اللّيبراليّة الاقتصاديّة والسياسيّة، إلّا أنّها نجحت في مُواءمَة المستجدّات على الساحة السياسيّة مع واقعها الثقافيّ التقليديّ بما يشير الى مُحاولةٍ توفيقيّة بين كلٍّ من المنظومة القيميّة الغربيّة وثوابت الثقافة السياسيّة التي تعكس أهمّ جوانب خصوصيّة التجربة اليابانيّة، حيث تمّ تطويع القيَم المُستحدَثة واستيعابها في إطار القيَم التقليديّة.

على الرّغم من تعدّد تعريفات الثقافة السياسيّة، إلّا أنّها تُمثّل بشكلٍ عامّ "مجموعة المَعارف والرؤى والقيَم والمُعتقدات والاتّجاهات والمَشاعر السائدة لدى أفراد مجتمع معيّن أو مجموعة معيّنة في شؤون الحكم والسياسة"(أحمد وهبان، التخلّف السياسيّ والتنمية السياسيّة، 2002). وتكاد التعريفات جميعاً تتّفق مع ما ذهب إليه المعجم الحديث للتحليل السياسي الذي يعرِّف الثقافة السياسة بأنّها "النموذج الشامل للاتّجاهات والقيَم والمَواقف والعقائد التي يتبنّاها الأفراد الذين هُم أعضاء مجتمع سياسي"( جورج روبيرت، وأليستر إدوارد، المُعجم الحديث في التحليل السياسيّ، 1999).

وفي ما يخصّ النموذج الياباني، تؤكّد الدراسات وجود درجة عالية من التجانس الثقافي يرجع إلى المركزيّة السياسيّة الكاملة في العصـر الحديث والجهود الحكوميّة اليابانيّة الواضحة والواعية لتحقيق المُواطنة المتّسعة الموحّدة (رايشاور أدوين، اليابانيّون، عالَم المعرفة، 1977). فعند التطرّق إلى دَور الأحزاب السياسيّة في النظام السياسي الياباني، نجد هناك اتّجاهاً راسخاً لضرورة إدراك البعد الثقافي السياسي الياباني. فقد لعبت الثقافة في اليابان دَوراً محوريّاً في كلٍّ من الحياة العامّة والخاصّة حيث كثيراً ما تمّ الاستناد إليها لتبرير المُمارسات الفرديّة والجماعيّة كافّة وتفسيرها في ظلّ ظروف مُتباينة. ويشير هذا الواقع في مجمله إلى أنّ الثقافة في اليابان اعتُبرَت بمثابة المحدِّد الأساس لمَلامح السلوكيّات، وذلك في إطار الارتباط المُسبق بنظامٍ ثقافي محدَّد اصطبَغ بسماتٍ قوميّة خاصّة (هدى ميتكيس، "الثقافة السياسيّة اليابانيّة"، من كِتاب النّظام السياسيّ اليابانيّ، تحرير هدى ميتكيس نيللي كمال الأمير، 2006).

ويُمكن القول إنّ كثيراً من نواحي الحياة السياسيّة والاجتماعيّة في اليابان قد تأثَّرت بشكلٍ ملحوظ بالمحدّدات الثقافيّة التي شغلت مَوقعاً متفرّداً في الحياة السياسيّة اليابانيّة بما يدعم وجهة النظر الغربيّة. ولعلّ ممّا يؤكّد هذا الأمر إيلاء أهميّة كبرى لهذه الثقافة عند تحليل الواقع الياباني، ولجوء عددٍ من الجهات الرسميّة اليابانيّة ورجال الأعمال إلى تبريرات ثقافيّة لتفسير الكثير من قراراتهم التي يصعب على الغرب فهمها.

عهد الميجي والثقافة السياسيّة

تجدر الإشارة إلى أن ملامح الثقافة السياسيّة اليابانيّة قد تدعمّت خلال عهد الميجي، الذي استمرّ من العام 1868 حتّى العام 1945، نتيجة هَيمنة السلطة المركزيّة وتأكيد أهميّة الولاء للدولة القوميّة في ظلّ حكومة مُتماسكة وسلطة مُطلقة للإمبراطور. وعندما أخذت اليابان تنفتح على العالَم وتقوم بتحديث مؤسّساتها السياسيّة، لم تأخذ بالنموذج اللّيبرالي الكلاسيكي السائد في الثقافة الغربيّة لأنّه بعيد عن ثقافتها القوميّة، ولذلك فضَّلت النموذج "البروسي" الذي عرفته التجربة الألمانيّة لما يتيحه من إمكانات أفضل لتطوير القوّة القوميّة وتنمية الروح القوميّة المتأجِّجة كما فعلت بروسيا.

هكذا لم يؤدِّ تعرُّض اليابان للثقافة السياسيّة الغربيّة إلى خضوع ثقافتها القوميّة لهذا الوافد أو إلى تغريبها على نحو ما يذهب إليه البعض. ويذهب الذين يعترفون بأهميّة الثقافة القوميّة اليابانيّة إلى القول إنّها تتكامل مع الثقافة الغربيّة الحديثة في إطار توليفة نجحت اليابان في صياغتها، لكنّهم يؤكّدون أيضاً أنّها ليست توليفة دائمة، لأنّ استمراريّة بعض السمات القوميّة والتقليديّة لن يحول دون التدفّق المتّصل للتأثيرات الغربيّة الوافِدة التي تمثّل الحداثة، لما يؤدّي إليه ذلك من التقليل من أهميّة العناصر التقليديّة أو دفع هذه العناصر إلى التأقلم بحيث تفقد نقاءها وخصوصيّتها حتى تتلاءم مع الجديد (عبد الغفّار رشاد، اليابان بين التقليديّة والحداثة). ويبدو هذا التصوّر مُخالفاً لما حدث في واقع الأمر؛ فالثقافة الغربيّة الوافِدة لم تزل وافِدة ولم تنفذ إلى عُمق الكيان الثقافي الياباني، بل ظلّت على سطحه في معظم الأحيان. وتدلّ المؤشّرات عن العلاقة بين الثقافة القوميّة والثقافة الغربيّة في الحالة اليابانيّة على أنّ الثقافة الغربيّة هي التي تتعرّض للتكيّف والتأقلُم مع الثقافة القوميّة وليس العكس.

وتتّسم الثقافة السياسيّة اليابانيّة بمجموعة من الخصائص التي تتعارض بشكلٍ ملحوظ مع المنظومة القيميّة الغربيّة. وباستعراض أبرز خصائص الثقافة السياسيّة اليابانيّة الرّاهنة تتّضح الأهميّة الخاصّة للمكوّنات القديمة في هذه الثقافة؛ فالكثير من هذه الخصائص لا يُناسب النظام السياسي اللّيبرالي الذي تعيشه اليابان بعد الحرب العالميّة الثانية، إنْ لم تتعارض معه في كثير من الأحيان، وأهمّ هذه الخصائص:

1- الجماعيّة؛ فالثقافة القديمة اليابانيّة ثقافة جماعيّة لا تتحقَّق القيَم فيها إلّا من خلال الجماعة. فقد ظلّت هذه الثقافة تُعلي من شأن الجماعة وتمنحها أحياناً طابعاً مقدّساً مصدره الرؤساء الرمزيّون للجماعة، وهُم الأجداد الأوائل لكلّ أسرة، ثمّ الإمبراطور لكلّ أسرة، وبالتالي فهي لا ترى قيمة للفرد إلّا في ارتباطه بالجماعة.

2- التراتبيّة (الهيراركيّة)؛ فالثقافة اليابانيّة تفرض معايير تقليديّة للتفوّق والهَيمنة داخل الجماعة، أي مراتب اجتماعيّة تتمايز في ما بينها في إطار نظامٍ لمُمارسة الضَّبط من الأعلى تجاه الأدنى.

3- الدَّور المركزيّ للحكومة؛ فالاحترام الإمبراطوري التاريخي في اليابان تقترن به نظرةٌ للحكومة على أنّها الشكل الوحيد والنهائي للتنظيم في المجتمع. وهذه نظرة تتعارض مع المفهوم اللّيبرالي الغربي للحكومة الذي يعتبرها واحدة من تنظيمات عديدة تُمارِس وظائف معيّنة. والدلالة المُباشرة لذلك، أنّ الثقافة القوميّة اليابانيّة لا تعرف مفهوم حكومة الأفراد أو أدوار المؤسّسات السياسيّة والوسيطة في المجتمع.

4- اتّباع سياسات تمييزيّة؛ فالثقافة اليابانيّة تنطوي على مشاعر تمييزيّة ضدّ الشعوب الأخرى، وعلى تعصّب قويّ يبلغ حد التطرّف. وتتميّز العنصريّة اليابانيّة بأنّها تختفي وراء مظاهر الأدب الجمّ واحترام الآخرين والانحناءة التقليديّة في السلوك.

5- الاعتماد على النَّفس؛ فالثقافة اليابانيّة القوميّة لم تعرف اعتماداً على الغَير، لأنّه لم يتوافَر مَن يُمكن الاعتماد عليه، ولذا نجدها تتضمّن تعظيماً لقيَم الادّخار ومحدوديّة الاستهلاك.

6- الصّدق؛ حيث تحتلّ تلك القيمة موقعاً مهمّاً في الثقافة السياسيّة اليابانيّة، بيد أنّ لهذه القيمة معنىً مغايراً عمّا هو مُتعارَف عليه في الغرب. فإذا كان الصدق يُعرَف عادةً بتماثُل الأفعال مع الأفكار، فإنّ الصدق في اليابان يشير إلى قدرة الشخص على توظيف آرائه وعواطفه وتوجيهها بما يتواءم مع ما يتوقّعه منه المجتمع بدلاً من أن يُبدي مشاعره الطبيعيّة (Robert frage and Thomas p. Rohlen, The future of a tradition: Japanese spirit in the 1980s).

الترابط العضويّ بين السياسيّ والثقافيّ

وقد توطّدت على مرّ العصور علاقة قويّة بين النظام السياسي الياباني والثقافة السياسيّة؛ حيث كان للثقافة السياسيّة اليابانيّة أعمق الأثر على النظام الياباني، وذلك في ظلّ مجموعة من الثوابت التي ترسَّخت عبر أربعة قرون. وقد بدا هذا الأمر بشكلٍ جليّ في مرحلة ما قبل الحرب الثانية التي شهدت السيطرة المُباشرة للنظام على أفكار اليابانيّين وعقولهم. إلّا أنّه خلال فترة الثمانينيّات، شهد الواقع الياباني بعض التراجع في هذا الشأن، وإنْ لم يرقَ هذا الواقع إلى مُناقشَة بعض أُسس النظام السياسي وركائزه، بحيث تمّ اللّجوء إلى تحجيم بعض الأفكار التي يُمكن أن تمثِّل تهديداً له. وقد أدّى تعرّف اليابانيّين إلى بعض الأفكار الغربيّة إلى إثارة بعض التساؤلات حول نظام الحُكم في اليابان. وقد أدّت تداعيات الحرب العالميّة الثانية وهزيمة اليابان إلى تشكيك بعض اليابانيّين بجدوى الثقافة التي تؤكّد على سموّ القوميّة اليابانيّة واستقرار الحُكم الإمبراطوري. ومع بداية العام 1946، أعلن إمبراطور اليابان أنّ العلاقات بين الولايات المتّحدة والشعب الياباني لم تعُد تستند إلى المفهوم الخاطئ القائل بالمكانة الدينيّة للإمبراطور أو تفّوق اليابانيّين وسيادتهم على مختلف الأجناس (Peter N. Dale, The Myth of Japanese uniqueness). بيد أنّ الحكومة اليابانيّة حرصت، عند عرضها للدستور الياباني الجديد، على إعادة التأكيد على تلك الثقافة، لكنْ من خلال ما أصبح يُعرف بالخصائص الأساسيّة للأمّة، وهو ما يشير إلى استمراريّة هذا المفهوم كأحد المكوّنات الأساسيّة في الفكر الياباني المُعاصر (هدى ميتكيس، الثقافة السياسيّة اليابانيّة، م س).

في هذا السياق، يتمّ تذكير الياباني دائماً بتفرّده وتميّز ثقافته ومعتقداته، وذلك من خلال العمليّة التعليميّة وأجهزة الإعلام، فضلاً عن الإصدارات الحكوميّة التي تؤكِّد على تميّز المستوى المعيشي الياباني وخصوصيّة المجتمع الياباني مقارنةً بغيره نظراً لتفوّقه على الآخرين. هذا وقد أُطلق على هذه المحاولات مسمّى Nihonjinron أو رؤية تنظيريّة للياباني تدور – بحسب هدى ميتكيس – حول الترويج لبعض المعتقدات التي تؤكّد اختلاف أسلوب التفكير والسلوك الغربي وتعارضه مع الأسلوب والسلوك الياباني.

وقد انتهج ناكاسوني ياسوهير وأحد أهمّ رؤساء وزراء اليابان في فترة ما بعد الحرب العالميّة الثانية هذا الفكر، الذي سُمّي بثقافة الـMonsoon، بل وارتأى أنّ بعض القيَم المسيحيّة التي تدعو إلى التسامح والحبّ ترجع أصولها إلى القيَم الآسيويّة التي أفرزت البوذيّة؛ بحيث يسود في تلك المنطقة، وبخاصّة في اليابان، مناخٌ من الدفء والرطوبة في حين يصعب تصوّر اتّباع هذه القيَم من منطقة الشرق الأوسط. وفي خِطاب لناكاسوني في العام 1986 تحدّث عن المهمّة الدوليّة لليابان لنشْر هذه الثقافة في شتّى أنحاء العالَم في مُواجهة ثقافات المناطق الصحراويّة التي تفتقر الى الطابع العاطفي.

وقد خلص بعض الباحثين إلى أنّه يُفضّل العودة إلى القيَم والاتّجاهات الاجتماعيّة لمرحلة توكوجاوا من حيث الالتزام التلقائي بالنظام التقليدي، مُعتبرين أنّه النظام الأمثل الذي يكون فيه الشخص على طبيعته، وأنّ هناك إمكانيّة لتحقيق هذا الهدف نتيجة طبيعة المجتمع الياباني القائم على العلاقات الأسريّة وعلاقات الدم.

 

*نائب مدير المشروعات الخاصّة

مكتبة الإسكندريّة

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف