ما الذّي تبقّى من ثورة أيّار68 في فرنسا؟

%d8%a7%d8%b3%d9%85%d8%a7%d8%b9%d9%8a%d9%84-%d9%85%d9%87%d9%86%d8%a7%d9%86%d8%a9

 

د. إسماعيل مهنانة*

يمرّ هذه الأيّام نصف قرن على ثورة أيّار(مايو) 1968 التي اندلع فتيلها في الجامعات الفرنسيّة ثمّ امتدّت إلى الجامعات والأوساط الطلّابيّة والشبابيّة في معظم العالَم الغربيّ. كانت ثورة فريدة من نوعها في التاريخ الإنسانيّ، من حيث مَطالبها وأدواتها وانعكاساتها على الثقافة العالَميّة. أُطلق عليها الكثير من الأسماء، كالثورة الطلّابيّة، أو الثورة الإيروسيّة أو ثورة اليسار، لكنّ المتّفق عليه أنّها شطرت المجتمعات الغربيّة إلى ما قبلها وما بعدها، من حيث التوجّهات الثقافيّة والإيديولوجيّة والتصوّرات الكبرى للمجتمع والحرّيات والحقوق الفرديّة.

انطلقت الشرارة الأولى بتاريخ 22 آذار (مارس) 1968، في جامعة نانتير (باريس) كحركة طلابيّة تضامناً مع طالِب يهودي ألماني مُهجَّر ويتيم، بسبب إقصائه من الجامعة تعسّفاً، يُدعى دانيال كوهن بانديت، الاسم الذي سيصبح بطلاً ورمزاً ثوريّاً للحركة، ثمّ امتدّت الاحتجاجات إلى بقيّة الجامعات الباريسيّة التي أغلقها الطلبة وتوسّعت المَطالب إلى الدعوة إلى إصلاح كلّ المنظومة القانونيّة والتربويّة والأسريّة التي كانت الحركة تصفها بالرجعيّة والرأسماليّة واليمينيّة المتحجّرة.

تَبنّى مُعظم المثقّفين والأساتذة والأحزاب اليساريّة والشيوعيّة مَطالب الحركة ونزلوا إلى الشوارع بمكبّرات الصوت واللّافتات الحامِلة للشعارات والمَطالب. وبتاريخ 13 أيّار (مايو) تمّ احتلال شوارع باريس والمُدن الفرنسيّة الكبرى باللّافتات، ثمّ امتدّت الاحتجاجات إلى شوارع المكسيك والبرازيل واليابان. كان أكبر مهرجان عالَمي للشعارات الغريبة: "ممنوع المنع"، كُن شابّاً واسكت"، "تمتّع بلا مُهادَنة"، "ليسقط النحو"، "توارى أيّها الشّي"، "كُنْ واقعيّاً واطلب المستحيل"، "الحصى موجود تحت الشواطئ"…؛  كلّها شعارات مُستلهَمة من الحركات الأدبيّة والفلسفيّة كالدادئيّة والسرياليّة والوجوديّة التي سادت في جامعات باريس في ذلك الوقت، ثمّ طمرتها البنيويّة على نحو مُزلزِل.

انفجرت الحركة الشبابيّة والعُمّاليّة في سياقٍ سياسيّ حَرِج بالنسبة إلى فرنسا الديغوليّة الخارجة لتوّها من حرب الجزائر وهي تفسح للولايات المُتّحدة والاتّحاد السوفييتي فضاءها الإمبراطوري القديم وتنكمش على نفسها. أكثر من ذلك، كانت تدفع تبعات ماضيها الاستعماري باستقبال المُهاجرين من تلك البلدان، وفي الوقت نفسه تدفع تكاليف "مشروع مارشال" بالمزيد من التأمرُك والاصطفاف مع المُعسكَر الغربي، وفي مُواجَهة مفتوحة مع تغوّل الأحزاب والحركات الماركسيّة المُوالية للمُعسكر الشرقي في أوساط العمّال والمثقفّين. لقد أحسّت فرنسا مرّة أخرى أنّ استقلالها الاقتصادي صار مهدَّداً من الجهتَين، وقد انتهت الثورة بإسقاط الجنرال شارل ديغول عن هرم السلطة بكلّ ما يحمله هذا الزعيم التاريخي من ثقلٍ ورمزيّة في المِخيال الفرنسي والعالَمي.

قطيعة فلسفيّة

في سنة 1966، صدرت ثلاثة كُتب أساسيّة أحدثت قطيعة فلسفيّة مع التصوّرات القديمة، كِتاب "الكلمات والأشياء" لميشيل فوكو، و"كِتابات" للمُحلِّل النفساني جاك لاكان، و"الكتابة والاختلاف" لجاك ديريدا، وبعدها بسنة نشر هربرت ماركيوز كِتاب "إيروس والحضارة" الذي كان له دَور حاسِم في تحليل العلاقة بين المجتمع الرأسمالي والكبت الرغبويّ. وقد تبنّت الحركة دعوته لتحرير الحياة الرغبويّة للأفراد بالكامل.

تقوم هذه الفلسفات البنيويّة والتفكيكيّة على فضْح العلاقات الخفيّة بين "السلطة والمعرفة" (فوكو)، بين "الميتافيزيقا والعنف" (ديريدا)، بين "العمل والكبت" (ماركيوز)، بين "الرمزي والخيالي والواقعي" داخل اللّاوعي كما حلَّله جاك لاكان. وكان إبراز هذه العلاقات الخفيّة وفضْحها بمثابة إدانة صريحة للنظام الاجتماعي والثقافي الغربي القائم على توظيف المعرفة والعلوم لخدمة السلطة لا الحقيقة، وتفكيك الأُسس الميتافيزيقيّة والدينيّة التي يقوم عليها قانون العقوبات والأحوال الشخصيّة، في دولة تقول إنّها عِلمانيّة، مثل عقوبة الإعدام المُستلهَمة من "طقس ديني هَيكلي" – بحسب عبارة جاك ديريدا- أو وجوب عقد  الزواج في إعطاء اسم للطفل، المُستمَدّ من التقديس الكاثوليكي لمؤسّسة الزواج.

بدَوره حلَّل جاك لاكان اللّاوعي بوصفه بنية لغويّة يكتسب فيها الدّال وظيفته بمعزلٍ عن المدلول، أي بشكلٍ رمزي مُباشر تحيل فيه العلامة مباشرةً إلى علامة أخرى، ومنها إلى علامة أخرى وهكذا.. ففي لغة الحُلم مثلاً، قد تحيل علامة البحرMer  إلى الأمّ Mère لمجرّد التشابه في النطق، حيث اللّاوعي يتنكّر تحت أقنعة لغويّة للكشف عن الرغبة الحقيقيّة، والتي عادةً ما تكون رغبة محرَّمة، تجنّباً لسلطة الكبت الاجتماعيّة والرقابة الأبويّة.

كانت ستينيّات القرن العشرين هي فترة انحسار الفلسفات الوجوديّة وفلسفات الذّات والوعي الميتافيزيقيّة لمصلحة البنيويّة التي بيّنت أنّ ما يُسمّى بالذات أو الوعي أو الأنا، مجرّد تشكّل اجتماعي وثقافي، تكون السلطة قد شكّلته وصقلته بحسب أغراضها بآليّات الضبط والمُراقبة والعقاب والتحشيد. والسلطة بحسب تعريف ميشال فوكو لا تتركّز في الدولة فقط، بل هي مبثوثة في العلاقات الإنسانيّة كلّها داخل المجتمع وتحكُم التعامُلات كلّها داخل ثنائيّة تراتبيّة مثل العلاقة: طبيب/ مريض، مُعلّم/ تلميذ، رجل الدّين/المؤمِن، ربّ العمل/ العامل. وتُفخَّخ هذه العلاقات بخِطاب الهَيمنة والتراتبيّة، بحيث تبدو طبيعيّة ومقبولة وضرورة يقتضيها النظام ضدّ الفوضى والجنون والمرض العقلي والبطالة والشذوذ، وهي الظواهر التي تعمل السلطة على رميها إلى الهوامش ونبذها ووصمها بالشّر والعار والكُفر.

أعادت ثورة أيّار (مايو) 68 الاعتبار للمُهمَّشين والبطّالين والمُهاجرين والنساء وجعلت من هذه "الأقلّيات" بؤرة الفكر اليساري ومحور النضال الحقوقي، حتّى أنّ نظريّات اليسار الجديد بعد 1968 صارت تعتبر هؤلاء الهامشيّين "بروليتاريا بديلة" تُواجه بها مركزيّة البورجوازيّة وهَيمنتها على المجتمعات الغربيّة، وهو ما يجعل من ثورة أيّار (مايو) 68 منعطفاً حاسِماً في الفكر الفلسفي والحقوقي ستنتقل بموجبه الفلسفة نفسها من البنيويّة إلى "ما بعد البنيويّة"، وهو المصطلح الذي صار يُطلق على النظريّات والدراسات الإنسانيّة التي ستتفرّع وتتخصَّص في مجالات ميدانيّة بعينها، مثل "نظريّة النقد الثقافي"، "والدراسات الجندريّة"، و"الدراسات ما بعد الكولونياليّة" التي صبّت اهتمامها على نقد المركزيّات الثقافيّة الغربيّة (أي المركزيّة اللّوغوسيّة، والمركزيّة الذكوريّة والمركزيّة الإمبراطوريّة).

في خِضمّ المُراجعات الكبرى للفكر الغربي، اكتشفت نظريّة الجندر (النوع) أنّ خطاب الفلسفة الغربيّة منذ سقراط، ووريثه المتمثّل في خطاب العلوم الإنسانيّة الحديثة، كلّها خطابات ذكوريّة، فقد تمّت صياغتها كلّها من طرف فلاسفة وعُلماء رجال، ولم تُشارك النساء في ذلك إلّا بالنزر اليسير، وهو ما جعل المرأة دوماً "موضوع" الخطاب لا "ذاتاً" تصيغه من منظورها، وينبغي إعادة صياغة كلّ الخطاب الغربي من وجهة نظر نسويّة.

كما اكتشفت "الدراسات ما بعد الكولونياليّة" أنّ الخطاب الغربي الحديث في معظمه هو خطاب الغرب عن أغياره غير الأوروبيّين الذين تمّ الحُكم عليهم بالصّمت، والبقاء موضوعاً للذّات الغربيّة المُتكلِّمة. انقضّ كلّ من إدوارد سعيد وهومي بابا على هذه الأطروحة التي كان قد اكتشفها "فرانز فانون" وجعلا منها السند النظري لكلّ الدراسات ما بعد الكولونياليّة. وبدَورها انطلقت نظريّة النقد الثقافي في تفكيك الخطاب الغربي بوصفه خطاباً مُتمركزاً حول العقل، أي كخطابٍ يُقصي الخطابات الأخرى كلّها التي يعتبرها لاعقلانيّة أو خطابات سحريّة وأسطوريّة. فالفكر الغربي الحديث استعاد العقلانيّة اليونانيّة كمرجعيّة معرفيّة في الأوّل، لكنّه سرعان ما صادرها لحسابه واعتبر الحضارة اليونانيّة القديمة هويّةً للحضارة الحديثة، على الرّغم من أنّ العقلانيّة اليونانيّة انتشرت وأثّرت في كلّ حضارات العالَم القديم.

تغيّرت القوانين في معظم الدوّل الغربيّة بعد ثورة أيّار (مايو) 68 واعترفت بحقوق تلك الأقلّيات (كالنساء والمُهاجرين والبطّالين والهامشيّين) وألغت الكثير من القوانين الرجعيّة التي كانت تمنع أفراد هذه الأقلّيات من تبوّؤ المناصِب السياسيّة والإداريّة العليا، كما تغيّرت نظرة المجتمعات لهؤلاء، فظهرت أخلاقيّات جديدة تجرِّم كلّ سلوك احتقاري ضدّهم. لكنّ الجيل الذي فجّر تلك الثورة سرعان ما اندثر وتجاوزته الأحداث وتحوّل الكثير من مثقّفيه من اليسار إلى اليمين بعد سقوط جدار برلين. هذه الأيّام تعيش فرنسا، بعد نصف قرن، ظروفاً مُشابهة تماماً، احتجاجات طلّابية وإضرابات عُمّالية أعادت الجدل حول تلك الثورة، وعاد معها السؤال الأكبر: ماذا تبقّى من ثورة أيّار (مايو) 68؟

لقد كانت ثورة أيّار (مايو) ثورة ثقافيّة واجتماعيّة، ثورة ضدّ النّظام الثقافي والاجتماعي، لذا أخذ تأثيرها وقتاً طويلاً لكنّ نتائجه كانت مضمونة على عكس ثورات "الربيع العربي" التي كانت سياسيّة ولم تحقِّق أيّ شيء تقريباً، وهو الدّرس الأساسي الذي نخرج به داخل السياق العربي. يبدو أنّ زمن الثورات السياسيّة قد ولّى بغَير رجعة، وهي تقود إلى العنف والاقتتال في كلّ الاتّجاهات، لأنّنا لم نتهيّأ لها ثقافيّاً، والثورة الوحيدة التي ستكون نتائجها مضمونة هي الثورة الثقافيّة والفكريّة، ثورة تستهدف تغيير التصوّرات السائدة وتفكيك الإيديولوجيّات الرجعيّة التي تقيِّد المجتمعات، ثورة معرفيّة تتجاوز الخطابات المتآكلة بخطاب المعرفة والعِلم وحده. إنّ أكبر انجاز حقَّقته ثورة أيّار (مايو) 68 هو تغييرها مفهوم الثورة في حدّ ذاته، فبعد سلسلة طويلة من الثورات السياسيّة، فَهِم العقل الغربي أنّ ضريبة تلك الثورات أكبر من مَكاسبها، وأنّه يُمكن تجنّبها بالثورة الثقافيّة، تماماً كما فهمت "الصين الماويّة" ذلك بسرعة وأعلنت عن مشروع الثورة الثقافيّة بعد ذلك بسنوات.

*أستاذ الفلسفة الغربيّة المُعاصرة في جامعة قسنطينة 2/ الجزائر

 

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف