البحر المتوسّط..بحيرة عربيّة

%d8%b9%d8%a8%d8%af%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b8%d9%8a%d9%85-%d8%ad%d9%86%d9%81%d9%8a

 

د. عبد العظيم محمود حنفي*

في القرن السابع الميلاديّ شهد البحر المتوسّط ظهورَ قوّة جديدة شبَّت وترعرعت علي شواطئه، وصارت منذ ذلك القرن حتّى الوقت الحالي عنصراً مهمّاً من العناصر التي تؤثِّر في مصائره ، وتوجِّه مجريات أحداثه، وتتحكّم في تطوّراته السياسيّة والحضاريّة. وكانت تلك القوّة الفتيّة هي الدول العربيّة التي تأسَّست منذ وحَّد الإسلامُ بلادَ العرب، وجعل من أهلها جندَ هذا الدّين الذين حملوا لواءه إلى العالَم المُجاور لهم؛ فقد امتدّت الفتوح العربيّة الإسلاميّة إلى الشواطئ الشرقيّة للبحر المتوسّط، في الشام ومصر؛ وجعلت من هذَين القطرَين ركناً مهمّاً من أركان الدولة العربيّة التي قامت عاصمتها أوّلاً في المدينة بالحجاز، ثمّ في دمشق في أرض الشام في ما بعد.

أدرك العرب منذ اطلّوا على شواطئ البحر المتوسّط أنّهم أمام لجّة من الماء تُعتبر سيادتها العمود الفقريّ لكلّ قوّة تبغي لنفسها المنعة والازدهار؛ فقد شاهدت تلك المياه أساطيل الفراعنة والفينيقيّين واليونانيّين والرومان، ترفع كلٌّ منها عَلم بلادها خفّاقاً، وتسطّر لها مجداً بحريّاً عالياً في تاريخ الحضارات القديمة التي بزغت على شواطئ هذا البحر، ثمّ إنّ العرب أحسّوا بعد استيلائهم على الشام ومصر، أنّ الروم، أصحاب السيادة القديمة على هذا البحر الذي نُسب إليهم فسمّي "بحر الروم" (يُذكر أنّ إمبراطوريّة الروم ورثت تلك التسمية عن أمّها الدولة الرومانيّة الكبرى. فقد أطلق الرومان بعد استيلائهم على البلاد المطلّة على البحر المتوسّط كلمة "Mare Nostrum"، أي "بحرنا"، على البحر المتوسّط، عنواناً لسيادتهم / ورمزاً لقوّتهم)، لن يقبلوا الهزيمة، وسوف يعملون على استرداد سالف سلطانهم على شواطئه. وبدأ العرب يلمسون أخطار الروم منذ فجر استقرارهم على شواطئ الشام ومصر، وكان معاوية بن ابي سفيان والي الشام أوّل مَن أحسّ ذلك الخطر، ونادى بضرورة بناء الأساطيل لحماية المُمتلكات الإسلاميّة، وصدّ غارات الروم عنها. وجنى معاوية ثمار سياسته في تعمير السواحل عندما تولّى عثمان بن عفّان الخلافة؛ إذ جدَّد معاوية طلبه بالسماح له بغزو قبرص، وأذِن له الخليفة بذلك، على شرط أن يكون جُند الأسطول من المتطوّعين، وذلك كي تتجنّب الدولة مغبّة ما ينجم عن ركوب البحر لأوّل مرّة من أخطار؛ ووجد معاوية في المُدن الساحليّة أعداداً كبيرة من المُغامرين الذين تطوّعوا لركوب السفن، والسير تحت لوائه إلى غزو قبرص. ونتيجة للتعاون البحري المبكّر بين مصر و الشام، ظهر أوّل أسطولٍ عربيّ في المياه الشرقيّة للبحر المتوسّط، وبدأ نشاطه في سبيل الدفاع عن المُمتلكات العربيّة على شواطئ هذا البحر، وكان اختيار قبرص لتكون أوّل ميدان للعمليّات البحريّة للأسطول العربي عنواناً لِما تحلّى به العرب من إدراكٍ ثاقبٍ للمراكز الحربيّة ذات الأهميّة العسكريّة. فمنذ بزغت شمس الحضارات في البحر المتوسّط  وجزيرة قبرص موضع الصراع بين الدول للسيطرة عليها؛ لأنّها تُعتبر حجر الزاوية لأيّ قوّة تبغي الوصول إلى مركز السيادة في تلك المياه المهمّة، وفي الشرق الأدنى كذلك، وتستمدّ جزيرة قبرص أهمّيتها من موقعها الجغرافي الذي يوحي للناظر أنّها أشبه "بمسدّس"، فوهته مصوَّبة إلى إقليم الشام (Semple, The Geography of the Mediterranean Region)، فضلاً عن أنّها تحتلّ ركناً مُمتازاً في الزاوية الشماليّة الشرقيّة من البحر المتوسّط، يمكّنها من التحكّم بسهولة في مياه الشطر الشرقي من هذا البحر وما يطلّ عليه من البلاد، فيُمكن للمرء أن يرى من قبرص بالعَين المجرَّدة آسيا الصغرى والشام، ويبحر منها مباشرةً، وفي وقت قصير، متّجهاً إلى بيروت أو بور سعيد أو الإسكندريّة ( Hill: History of Cyprus ). وأبحر معاوية من ميناء عكّا على رأس أسطوله بعد انتهاء شتاء سنة 28 هـ ، ونزل في ساحل قبرص من دون أن يلقى صعوبة، وسجَّل بذلك أوّل نشاط للأسطول العربي في شرقي البحر المتوسّط، وجرت أحداث تلك الحملة بما جعل للنساء والرجال نصيباً مُشتركاً في التضحيات؛ فقد استشهدت أم حرام زوج عبادة ابن الصامت على أرض قبرص. وبعد حصارٍ قصير سقطت المدينة، واضطرّ حاكِمها إلى عقْد صلحٍ، دلّت شروطه على حرص معاوية على تأمين الشام ومصر من ناحية قبرص، وحرمان الروم من اتّخاذها قاعدة في هجومهم على المُمتلكات العربيّة. وبدأ الأسطول العربي نشاطه المظفّر. ففي العام 651، سار الأسطول العربي قاصداً أرواد، واعتصمت حامية الروم بمَعاقلها، ولكنّ الأسطول العربي استطاع أن يدكّ تلك المَعاقل ويقضي على مُقاوَمة الروم، وصمَّمت السلطات العربيّة على جلاء الروم نهائيّاً من تلك الجزيرة حتّى لا يعاودوا الكرة في الهجوم على سواحل الشام؛ وبذلك استطاع الأسطول العربي أن يُسهم  في المحافظة على الأوضاع التجاريّة بين البلاد العربيّة في شرقي البحر المتوسّط، ويقضي على الأوكار التي يُمكن أن تُستخدم في أغراض القرصنة. وهكذا لم تكُن خطط الأسطول العربي في الهجوم على إجلاء الروم من وحي الارتجال، وإنّما جرت وفق أهدافٍ مرسومة واضحة المَعالم، ترمي إلى حماية البلاد العربيّة المطلّة على شرقي البحر المتوسّط من أيّ خطرٍ مهما كان مصدره: قريباً كان أم بعيداً. وكانت آية ذلك استعداد معاوية لمُهاجَمة جزيرة صقلية؛ إذ بدت هذه الجزيرة كأنّها بعيدة كلّ البعد عن أن تكون موضع خطر مباشر على إقليمَي الشام ومصر، ولكنّ مجريات الأحداث دلّت على أنّ صقلية غدت قاعدة لقوّات الروم المُعدّة لشنّ هجومٍ على مصر، وشلّ حركة التعاون البحري بين المصريّين وأهل الشام؛ ولذا قام الأسطول العربي من الشام في سنة 652 م، تُعاونه وحدات من الأسطول المصري، بالهجوم على صقلية، وسار الأسطول العربي بعد ذلك من نصر إلى نصر، فاتّجه إلى أهمّ جزر بحر إيجة وأعلاها مكانةً في دولة الروم؛ إذ كانت هذه الجزيرة تضمّ دار صناعة السفن، وفيها قاعدة مهمّة لأسطول الروم؛ ما جعلها، إلى جانب موقعها الجغرافي، ذات مكانة مهمّة في سياسة الروم البحريّة، وخطّ دفاعها عن الأراضي في آسيا الصغرى. وفي الوقت نفسه امتدّت رودس من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي على بعد اثنَي عشر ميلاً تقريباً من ساحل آسيا الصغرى؛ ما جعلها خطراً على أطراف الشام الشماليّة المُتاخِمة لحدود الروم. فاستولى على رودس في سنة 654 م.

وأراد معاوية أن يتوِّج نشاط الأسطول العربي في شرقي البحر المتوسّط بإغلاق بحر إيجة وسدّ منافذه في وجه أساطيل الروم، وعمل على تحقيق ذلك بالاستيلاء على جزيرة إقريطش (كريت).

واقعة ذات  الصواري

بقيادة أمير البحر عبد الله بن ابي السرح ، انتهت المعركة في مصلحة الأسطول العربي، والفوز فيها، وانتهت بفرار الإمبراطور الروماني قسطنطين الثاني. وسمّيت بهذا الاسم لكثرة صواري السفن التي اشتركت في القتال، وصارت تُعدّ من المعارك الفاصلة في تاريخ البحر المتوسّط القديم والحديث: فكما أنّ واقعة اكتيوم البحريّة سنة 30 ق . م . جعلت من البحر المتوسّط بحيرة رومانيّة، وكما أنّ معركة النيل أو "واقعة أبو قير البحريّة" التي حطّم فيها نلسون أسطول نابليون كَتبت لإنجلترا الكلمة العليا في هذا البحر، فإنّ واقعة ذات الصواري جعلت من البحر المتوسّط بحيرة عربيّة تجوب فيها أساطيل العرب رافعةً عَلم العروبة خفَّاقاً، طوال الشطر الأوّل من العصور الوسطى تقريباً.

وكان الفضل في انتصارات الأساطيل العربيّة ونشاطها الجمّ في تلك الفترة المبكّرة من تاريخ الدولة العربيّة يرجع إلى عدد من أمراء البحار العرب، لم يعرفوا الخوف أو الوهن، وإنّما ضربوا المثل الأعلى في التضحية والتفاني في تنظيم سفنهم ودعْم قواعد أساطيلهم، وكشفوا عن مواهب عالية، وخططٍ نادرة على الرّغم من حداثة عهدهم بركوب البحار. كما أظهروا من ألوان التضحية ما جعل أسطولهم في فترة قصيرة مصدر فزع للروم. وبفضل هؤلاء،  استطاع الأسطول العربي أن يحوز انتصاراته الباهرة في شرقي البحر المتوسّط، وأن يجعل من هذا البحر في الحقبة الأولى من العصور الوسطى بحيرة عربيّة.

 

*كاتب وباحث أكاديمي مصري

 

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف