فرنسا: التنافر الفكريّ في عهد ماكرون

%d8%b9%d9%81%d9%8a%d9%81%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%85%d8%af

 

ترجمة: عفيفة الصمد*

في عددها الصادر بتاريخ 2-8 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، خصَّصت دوريّة كورييه أنترناسيونال  الفرنسيّة مقالاً للكاتِب والمحلّل السياسيّ الإسبانيّ مارك باسيتس، عن الرئيس الفرنسيّ ماكرون، وذلك نقلاً عن صحيفة" أل باييس(El Pais) الإسبانيّة.

في ما يلي ترجمة للمَقالة التي جرى تقديمها كالآتي: " رئيس جديد وحلبة صراع فكريّة جديدة. فبحسب الصحيفة الإسبانيّة "El Pais"، أدّى وصول رئيس جديد إلى السلطة يقدِّم نفسه كفيلسوف إلى زَعْزَعة الصُّور  التقليديّة للمشهد الفكريّ الفرنسيّ".

تربُط إيمانويل ماكرون، الأكثر ثقافةً من بين الرؤساء المُنتَخبين في الجمهوريّة الفرنسيّة في الفترات الأخيرة، علاقةٌ معقّدة مع "الإنتلجنسيا"؛ تلك المؤسّسة الفرنسيّة بامتياز أسوةً ببرج إيفل أو جبنة الكامومبير، أقلّه بالنسبة إلى شخصيّات هذه الإنتلجنسيا الأكثر شهرةً أو الأكثر ظهوراً في الإعلام.

في حديثٍ له مع أحد أصدقائه الكاتِب فيليب بوسّون، ذكره  هذا الأخير في كِتابه "شخصيّة روائيّة" (الصادر عن دار جوليارد في العام 2017) الذي يسرد فيه وقائع الحملة الانتخابيّة التي قادت ماكرون إلى السلطة في أيّار(مايو) من العام نفسه، ألمح ماكرون إلى مثقّفين إعلاميّين مثل ميشيل أونفري وألان فينكلكروت، والمُخلص لأفكار ثورة الطلّاب في العام 1968، والمتحوّل إلى دراسة الميديولوجيا والأديان ريجيس دوبريه، والماوي القديم ألان باديو قائلاً، " لا يهمّني أمرهم كثيراً. فهم لا زالوا يعيشون في الماضي. ينظرون إلى الحاضر بعيون الأمس ومن عالَم الأمس. يثيرون صخباً بأدوات ولّى عليها الزمن. وفي ما يخصّ شريحة كبرى منهم، مضى وقت طويل عليها من دون أن تقدِّم مادّة مُثيرة".

القاسم المُشترَك بينهم جميعاً، هو إبداء آراء غير وديّة حول الرئيس الجديد. وهُم ينتمون كذلك إلى جيلٍ آخر، جيل الآباء، أو حتّى الأجداد بالنسبة إلى بعضهم.

الأهمّ من ذلك كلّه أنهّم، وعلى الرّغم من الاختلافات الكبيرة بينهم، يندرجون جميعاً في فئة المفكّرين غزيري الإنتاج في المجال الروحيّ والإنسانيّ، جيل من المفكّرين الذين اعتُبروا أساتذة في نسج نظريّات برّاقة، العاشقين للصيغ الرخيمة والفكريّة ولا يحبّذون التعامل مع الوقائع ولا مع الميدان الأمبيريقي. إنّ هذه الدائرة من المثقّفين، فضلاً عن تلك التي شكلّها مَن أَطلق عليهم الكاتِب دانيال ليندبيرغ تسمية "الرجعيّين الجُدد" (الحاضرة على نطاق واسع في وسائل الإعلام وقطاع النشر في فرنسا)، تتناقض مع دائرة أخرى يُمكن تسميتها دائرة "المثقّفين الماكرونيّين". هؤلاء ليسوا بالضرورة من مناصري ماكرون، إذ يوجِّه بعضٌ منهم انتقادات حادّة إلى الرئيس الجديد. كما أنّه من الصعب أن تَجد من بينهم أسماءً معروفة للعامّة أو كُتّاباً تُرجِمت كُتبهم إلى لغاتٍ أخرى.

في هذا السياق، من شأن وصول رئيس يتمتّع بتكوينٍ فلسفيّ صلب إلى الإليزيه أن يبثّ نَفَساً جديداً في فنّ المُناقشة والحوار في فرنسا، حيث المَعارك السياسيّة هي على الدوام معارك فكريّة، بدءاً من الثورة الفرنسيّة وصولاً إلى الجدل القائم حول الهجرة والإسلام، ومروراً بقضيّة دريفوس والحرب البارِدة، وخطابات جان بول سارتر في الشارع.

قبل أشهر عدّة، وفي خلال غداء جمعه مع فريدريك مارتِل في مقهى بالقرب من ساحة الباستيل في باريس، أمسك الكاتِب فيليب بوسون بورقة رَسَم عليها خريطة النّخبة المثّقفة في فرنسا في حقبة ماكرون. ومن مؤلّفات مارتِل، على سبيل المثال لا الحصر، كُتب "ماينستريم" Mainstream (عن دار فلاماريون، 2010)، و"ذكي" Smart (عن دار "ستوك"، 2014)، وهي مؤلَّفات تتراوح بين الدراسات والتقارير الصحافيّة، بلغةٍ تتّسم بالوضوح، وبأسلوب أقرب إلى الأنغلوسكسونيّة منه إلى الفرنسيّة. وهو من أتباع المؤرِّخ وعالِم السياسة بيار روزانفالون، الذي يُعتبر من أشدّ المفكِّرين دقّة وأكثرهم تأثيراً في الوقت الرّاهن في فرنسا.

تجاوُز الشّرخ والانقسام

على أحد أطراف الورقة تربّع المفكّرون اليمينيّون، ومِن بينهم إريك زيمّور، نجم اليمين المتطرّف الذي تتصدّر كُتبه المبيعات، وفينكيلروت، كاتِب آخر عاصَر ثورة الـ68، ويضع حاليّاً نظريّات حول " الهويّة التَّعِسة". وعلى الطرف المقابل حلّ المفكّرون اليساريّون مثل أونفراي الغزير الإنتاج إلى درجة أنّه وقّع منذ بداية العام ستّة كُتب، والديموغرافي إيمانويل تود الذي صدر له مؤخَّراً كِتاب "أين نحن؟" قصّة موجزة عن البشريّة"où en sommes-nous? une esquisse de l’histoire humaine (عن دار سوي، 2017)، وهو كِتابٌ آخر من كُتبه  الدّسمة والمنهجيّة (496 صفحة) التي تُباع عشرات ألآف النسخ منها في فرنسا.

لقد بدا واضحا ًفي رسم مارتِل أنّ الفصل القائم بين اليسار واليمين، لم يكُن الأكثر ملاءمةً لفهْم المشهد الفرنسيّ الحالي. ويُعزى ذلك إلى أنّ معركة الأفكار الدائرة اليوم في فرنسا، تماماً كالمعارك السياسيّة، تدور رحاها في مجالٍ آخر. فالسياديّون يتصارعون مع مُناصري الوحدة الأوروبيّة، فيما يتصارع مؤيّدو التدخّل مع اللّيبراليّين. ويتصارع الذين هُم "تحت" مع مَن هُم "فوق" من أجل استخدام مفردات أولئك الذين يدّعون أنّهم يُمثِّلون الطبقة الدنيا. كما يتصارع مؤيِّدو الانطواء الهويّاتي مع أولئك الدّاعين إلى الانفتاح على العالَم، إذا كنّا نفضّل الكلام مثل هؤلاء الأخيرين.

وإذا كان لدينا في عالَم السياسة ماكرون ضدّ جان لوك ميلاشون، الذي يرأس تيّاراً يساريّاً، والذي يرغب تماماً شأن مُنافسه، بتخطّي الانقسام بين اليمين واليسار، فإنّنا نجد المشهد نفسه في عالَم المفكّرين. وبما أنّ الرئيس مُصنَّف ليبراليّاً، واللّيبراليّة هي كلمة ملعونة في فرنسا، فإنّ المُناوئين له أو مُعارضيه موصوفون كـ"مُعادين للّيبراليّة".

في كتابها "ما هي اللّبيراليّة؟ الأخلاق والسياسة والمجتمع" (الصادر عن دار غاليمار في العام 2009)، تشرح كاترين أودار الحساسيّة تجاه الليبراليّة والمَيل إلى السخرية منها في فرنسا، وتجد أنّ ذلك يُعزى إلى ثلاثة أسباب. السبب الأوّل هو تماثُل الفردانيّة مع الأنانيّة (وهو ما سبق لتوكفيل أب اللّيبراليّة الفرنسيّة أن أثبته)، وهو الأمر الذي يعود في أصوله إلى الثورة الفرنسيّة. أما السبب الثاني فهو النزعة الوطنيّة التي تُعتبر هي الأخرى على ارتباطٍ بنبذ الفردانيّة وفقاً لأودار، وبأنّ الوطن لا يُمكن أن يبقى ويدوم في ظلّ أفراد لا يفكّرون إلّا بمصالحهم الفرديّة. والسبب الثالث، والأخير، هو التعلّق بالسلطة. في العالَم اللّيبراليّ، تُتابِع كاترين أودار مستعيدةً كلمات توكفيل، النظام الاجتماعيّ أفقيّ وليس عموديّاً.

نجد سمات تيّار "مُعاداة اللّيبراليّة" الفرنسيّ الذي تتحدّث عنه أودار لدى الرجعيّين الجدد الذين تناولهم دانييل لندنبرغ في مؤلّفه " الإنذار" Rappel à l’ordre (دار سوي، 2002). والجدير ذكره في هذا السياق أنّ انجذاب المفكّرين الفرنسيّين إلى الاستبداديّة والطغيان يعود إلى زمنٍ بعيد: يُعتبر شارل موراس خير مثال عن اليمين المتطرّف، فيما يُعتبر سارتر مثال عن اليسار. فبَعد هدنة قصيرة في خلال ثمانينيّات القرن الماضي، حين تحوّل المفكِّرون الفرنسيّون وفقاً للندنبرغ إلى الديمقراطيّة الليبراليّة، عادت الرجعيّة إلى الصدارة، وقام مناصروها بالهجوم على ما يسمّى بـ"اليسار المساواتيّ" كما على اليمين اللّيبرالي. ومن بين هؤلاء  يبرز روائيّون، على غرار ميشال هولبيك أو موريس ج. دانتيك، لكن يبرز كذلك فينكلكروت وزيمّور.

الأمْرَكة

يجمع ما بين الكثيرين من المثقّفين الفرنسيّين النقد لثورة أيّار (مايو) 1968 وإرثها، والحنين إلى فرنسا الماضي، والحذر الشديد من الولايات المتّحدة. وقد وجَد هذا الحذر تعبيره الأكثر حداثةً في كِتاب "الحضارة" (الصادر عن دار غاليمار، 2017) لريجيس دوبريه؛  فقد هَدفت هذه الدراسة إلى تبيان كيف أصبح الفرنسيّون أميركيّين. والمثال الأبرز على هذه الأمْرَكة يجسّده إيمانويل ماكرون: فهو ليبراليّ، ومصرفيّ سابق ومؤيِّد للوحدة الأوروبيّة، وهي خصائص يمقتها الرجعيّون الجدد على اختلاف انتماءاتهم.

بحسب فردريك مارتِل، " لا يوجد، بالمعنى الدقيق للكلمة، ما يُسمّى مثقّفون ماكرونيّون، ذلك  أنّ  كلّ مثقّف جدير بهذا الاسم ينبذ تصنيفاً مُختزِلاً إلى هذا الحدّ: الكلام على مثقّفين عضويّين مثل أراغون في ما يخصّ الحزب الشيوعي، أو ماكس غالو وفرانسوا دوبريه بالنسبة إلى ميتيران، هو كلام في غير محلّه في الزمن الرّاهن". ويُتابع مارتِل في هذا السياق: " يشعر بعض المثقّفين في الوقت عينه بمَيل إلى ماكرون وبتقرُّبٍ منه: يتبع هؤلاء مسيرة غذّتها أعمال بول ريكور وكذلك بعض تيّار الكَثْلكة الاجتماعيّة التي تتمَحور حول مجلّة "إسبري" Esprit (لكن ليس حولها فقط )، كما تتمحور، جزئيّاً، حول مركز التفكّر والتفكير "تيرا نوفا"(الأرض الجديدة).

لدى النظر في المرجعيّات التي يستند إليها الرئيس الفرنسيّ، نجد مفكِّرين يتحرّكون في ميدان مختلف عن التقليد غير اللّيبرالي، من دون أن يكونوا ليبراليّين تماماً. لعلّ أبرزهم بول ريكور، أحد أكبر الفلاسفة الفرنسيّين المُعاصرين الذي توفّي في العام 2005. وقد كان ماكرون مساعداً له عندما كان طالِباً، وخصّه ريكور بإهداء في مقدّمة أحد كُتبه الأخيرة: "الذاكرة، التاريخ، النسيان" (الصادر عن دار "سوي"، 2003) جاء فيه: " إلى إيمانويل ماكرون الذي أدين له بنقدٍ بنّاء لكتاباتي وبترتيب المنهجيّة النقديّة المُعتمَدة في هذا الكِتاب". وعندما يقرّ ريكور في كِتابه بأنّه يشعر بالاضطراب "بسبب المشهد المُقلق الذي يولّده الرجوع الكثيف إلى الذاكرة هنا، والإفراط في النسيان في مكان آخر، هذا من دون الكلام على تأثير احتفالات التخليد وإساءات الذاكرة والنسيان"، لا يُمكننا الامتناع عن التفكير في تمارين الذاكرة التاريخيّة التي يعتمدها الرئيس الفرنسيّ حول نظام "فيشي" أو حرب الجزائر. كما أنّ إيمانويل ماكرون متأثّرٌ فكريّاً بمجلّة "إسبري" التي أسّسها الكاثوليكيّ إيمانويل مونييه في العام 1932 وأسهم فيها ريكور.

الدعامة الثالثة لفكر الرئيس، فضلاً عن اللّيبراليّة ومِحور "إسبري"- وريكور، ليست ماكرونيّة حصراً، وإنّما تتميّز ببعض التقارب معها. إنّها المجموعة التي تتمحور حول المؤرِّخ وعالِم الاجتماع بيار روزانفالون (الأكثر قرباً إلى الديموقراطيّة الاجتماعيّة منه إلى اللّيبرالية الماكرونية) تحت اسم "جمهوريّة الأفكار"، والتي تنشر مؤلَّفات إمبيريقيّة وتقنيّة حول السياسة العامّة والتي تشبه أحياناً تقارير مراكز التفكير والتفكّر أكثر من النظريّات الكبيرة لمفكِّري المدرسة القديمة.

جدير بالذكر أنّ ريجيس دوبريه، أحد هؤلاء المفكّرين المتمرّسين، والغزيري الإنتاج أيضاً، نشَر مؤخّراً كتابه الثاني لهذا العام(المقصود العام 2017) بعنوان: "السلطة الجديدة" الصادر عن دار " لو سيرف"، والذي يَطرح فيه نظريّة مفادها أنّ ماكرون لا يجسِّد أمْرَكَة فرنسا فحسب، كما ذكر في كِتابه السابق، وإنّما هو يجسِّد  البروتستانتيّة الجديدة التي تتغلغل في الثقافات الكاثوليكيّة. وفي الفصل الأخير من الكِتاب الذي يُخصّصه لـ"جيل ريكور"، يشرح دوبريه أنّ ريكور البروتِستانتيّ كان يُقرن اليسار بالموَاجَهة، واليمين بالإقصاء، والوسط بالتفاوض. ويقول إنّ ريكور كان في الوسط ويصفه " بالمُصالِح ما بين تقاليد اليمين واليسار"، وهو ما ينطبق بشكل مثاليّ على أشهر تلاميذته، الرئيس ماكرون.

 

*مؤسّسة الفكر العربي

 

 

 

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف