”فكر16“.. الابتكار لتخطّي الاندثار 

%d9%85%d8%a7%d8%ac%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d9%85%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a

 

ماجد السامرّائي*

لم يكُن مؤتمر "فكر16" الخاصّ بمؤسّسة الفكر العربيّ، والذي احتضنته دبي في الفترة ما بين 10 إلى 13 نيسان/ إبريل الفائت، مجرّد تظاهرة ثقافيّة عابرة، وإنّما كان "ظاهرة ثقافيّة" بامتياز، إن من خلال التنظيم والتنسيق لوقائعه، وإنْ بالقضايا أو المَحاور الفكريّة التي أثيرت عبر جلسات أيّامه الثلاثة، سواء بزخمها المعرفيّ أم بطرائق إدارة الحوار بين المتحدّثين الرئيسيّين والمُشاركين في أطروحات القضايا المُثارة، بما قدَّمت من رؤية يُمكن وصفها بالشاملة للحاضر العربي وما يشهده من تحوّلات وتحدّيات، أو بما فتحت من آفاق للتفكير بالمستقبل برؤية موضوعيّة، وما ينبغي أن يكون لنا، نحن العرب، من موقفٍ ودَورٍ جرى التفكير بهما في مستوىً بحثيّ جاد، ووضْع محدِّدات موضوعيّة في التعاطي معها.

على صعيد التنظيم، حقّق المؤتمر مستوى عالياً من الالتزام بكلّ الترتيبات الخاصّة به: بدءاً من مواعيد الجلسات، إلى الفترة الزمنيّة التي خصِّصت لكلّ جلسة، ثمّ الوقت المحدَّد لكلّ متحدّث، ومُعقِّب أو سائل مُحاوِر… فقد كان لكلّ شيء زمنه المخصَّص له، وجاءت استجابة المُشاركين لنظام الجلسات هذا بشكلٍ تلقائي، ما حقَّق مُتابعة جادّة، وأبعَدَ عن المُشاركين حالة التكرار والقول المُعاد التي غالباً ما تطال معظم المؤتمرات الثقافيّة والفكريّة العربيّة، فضلاً عن لغة الخطاب والتخاطب التي وجد المشاركون، والمشتركون، أنفسهم مُلتزمين بما تفترضه من أبعادٍ ثقافيّة ينبغي أن تتوافر في ملتقىً ذي أبعاد ومشاغل فكريّة.

ربّما جاء هذا بتأثير الموضوعات المُثارة من خلال مَحاور جلسات المؤتمر، بما كان لها من أبعادٍ فكريّة، وعِلميّة، وثقافيّة، وأخرى تخصّ الواقع العربي الرّاهن، ابتدأت أو انطلقت من رسم الإطار العامّ لواقع الفوضى وتداعياته على الواقع العربي، وتعيين سُبل صناعة الاستقرار على مستوى المنطقة، وعرض رؤى القوى العالميّة الكبرى (الولايات المتّحدة الأميركيّة وروسيا الاتّحادية والاتّحاد الأوروبي والصين) حول الوضع في المنطقة العربيّة، وصور الفوضى وأشكالها فيه، إلى جانب البحث في الأسباب؛ إذْ جرى عرض تصوّرات هذه الدول وسياساتها الخاصّة بصناعة الاستقرار، ودَورها في تحقيقه.. لتتوزَّع المَحاور والموضوعات والقضايا على جلسات خصَّتْ وشملت:

  • الفوضى، جذورها الاجتماعيّة، وأسبابها الاقتصاديّة ومَظاهرها ونتائجها، وقد شملت: الفقر، والتفاوت الطبقي اقتصاديّاً، والبطالة، وانخفاض مستويات المعيشة.
  • اختلال آليّات العمل السياسي، بما في ذلك العوامل السياسيّة، وتقصير المؤسّسات المعنيَّة بالتعبير عن المَطالب الشعبيّة، إلى جانب ضعف المُشارَكة العامّة.
  • التدخّلات الخارجيّة المتمثّلة في ما تقوم به تركيا وإيران من دَورٍ في تأجيج النزاعات العربيّة، وسعيها إلى التدخّل في الشؤون الداخليّة للبلدان العربيّة، فضلاً عن دَور الكيان الصهيوني في استغلال الوضع في المنطقة، والسعي إلى توسيع دائرة الاستيطان، وتكريس السيطرة على الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة.
  • التطرّف والإرهاب بوصفهما من الظواهر السلبيّة في الواقع العربي، وتعيين الأسباب والعوامل التي أدّت وتؤدّي إلى ظهورهما وانتشارهما، وما جرّ ذلك على الواقع من تداعيات شملت مناحي الحياة الاجتماعيّة، والواقعَين الأمني والسياسي… ليكون الانتقال من هذا كلّه إلى البحث في الاستقرار ودَور المنظّمات الإقليميّة والدوليّة في صناعته من خلال ما تقوم به بعض المنظّمات الإقليميّة والدوليّة الفاعلة في المنطقة، بخبراتها وتجاربها في التعامل مع واقع الفوضى وإسهاماتها في صناعة الاستقرار.

ومن هذا جرى التحوّل إلى البحث في سُبل صناعة الاستقرار بعرض رؤى عددٍ من أهل السياسة والاقتصاد العرب لسياسات تسمح بتجاوز الوضع الرّاهن، وتعيين سُبل صناعة الاستقرار، وقد شملت: بناء دولة المؤسّسات التي يعزّزها القانون، والمُشاركة السياسيّة، مع توفير العدالة الاجتماعيّة، وتحقيق التنمية المُستدامَة، وتطوير النظام التربوي والتعليمي، وإيجاد حلٍّ عادل للقضيّة الفلسطينيّة، فضلاً عن تعزيز التضامن العربي.

ولم يهمل المؤتمر القطاعات المؤثِّرة على العقل العربي، وفي تكوين القيَم والاتّجاهات المجتمعيّة، وقد عيّنها في الإعلام بطرفَيه: المقروء والمرئي، وتأثيراته التي وضعها بين حدَّين: سلبي، يتراوح بين الأخبار الكاذبة، والتحريض عل الانقسام والفوضى والتطرّف.. والإيجابيّة التي تتوخّى تصحيح المفاهيم، وغرْس قيَم التكامل الوطني وتنميتها، والاستنارة، والتسامح، وتقبّل الآخر.

ثمّ انصبّ البحث في الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، وتداعيات ما عُرف بـ"ثورة الاتّصالات والمعلومات" وما أوجدته من أدوات إعلاميّة جديدة.

هذا إلى جانب التربية والتعليم والثقافة، بما لها من نُظم، ومن تعدّد الأنواع الأدبيّة والفنيّة، ومن دَور في صناعة الاستقرار.

الدعوة إلى  "إنسانٍ عربيّ جديد"…

خلاصة هذا كلّه، شكّلت الدعوة "نحو إنسانٍ عربيّ جديد"، وكأنّ النّظر في الحاضر ونقْد مُعطياته وتقويمها قاد إلى مثل هذه "الرؤية المستقبليّة" التي هي ليست "رؤية صناعة"، وإنّما هي "رؤية تكوين" لما يتشكّل فيه الطموح بإنسان الغد العربي وما ينبغي أن يكون فيه وعليه. ولعلّ ما دعا المؤتمر إليه من إيجاد قاعدة عِلميّة لخدمة الإنسان العربي ووضعها، تعيّناً موضوعيّاً، في بُعدَين: البحث، والابتكار، هُما الأساس والمنطلق الموضوعي لبناء هذا الإنسان،  وهو ما سبق لكاتِب هذه السطور أن عيّنه بالدعوة إلى "ثقافة عربيّة جديدة" تقوم على أساسَين: رؤية ذات بُعدَين متلازمَين:

  • بُعد تاريخي، من حيث طبيعة التأسيس، الذي من شأنه ترسيخ البحث وجعْله بحثاً موضوعيّاً قائماً على أُسس واضحة.
  • بُعد الرؤية النقديّة التي تضطلع بمنطق العقل (في ما يُتبنّى، ويتكوَّن به من حقائق فكريّة)، والرؤية الإبداعيّة (بما تمنح به ذات الإنسان الجديد من مُعطيات التطلّع إلى الكيفيّة التي ينبغي أن يقوم بناء الغد، وإنسانه، على ما لها من أُسس موضوعيّة).

فإذا كان ما قدّمه المؤتمر في "دورة التميّز" هذه من مُراجعة / مُعالَجة نقديّة للموضوعات المُثارة في جلساته، وما قُدّمَ فيها من أطروحات جادّة، المؤشّرَ الفعليَّ، أو الذي ينبغي أن يُتّخذ، لقراءة المستقبل وتحديد رؤيتنا له وفيه، والتي ينبغي أن تكون "رؤية تأسيسيّة" قائمة على غاية وهدف: فإذا كانت الغاية هي بناء المستقبل على نحو يتجاوز الحاضر وعثراته، فإنّ الهدف هو الإنسان العربي الجديد الذي لا ينبني بناءً جديداً إلّا بثقافة جديدة: تُجدّد رؤيته لذاته وما ينبغي أن يكون لهذه الذات من دَورٍ تاريخي جديد، ومُتكامل الجوهر قائم على أساسٍ إبداعيّ خلاّق يتجاوز كلّ ما أحاط الماضي (الحاضر الذي نحن فيه) من أفكارٍ لنا أن نعدّها طارئة على التاريخ، أو جاءته من خارجه، فلوّثت "عقل" العصر الحاضر بالأوهام التي استبدّت بجوانب من الحياة فيه، وأشاعت "طقوساً" و"شعائر" لا علاقة لها بالعقل الإنساني الصحيح، غايتها تغييب دَور هذا الإنسان العربي في إيجاد الحلول لمشكلات عصره، والحدّ من رؤيته، التي لا يُراد له من خلالها أن يرى المستقبل على نحو إنساني – حضاري جديد يأخذ نفسه بمنطق العصر وما يشهده من تطوّرات ينبغي عليه ألّا يتخلّف عنها، ولا يكون بمعزل عن معطيات تحوّلاتها.. ذلك أنّ الدعوة إلى "إنسان عربيّ جديد"، في أخصّ ما تعنيه، هي نهاية "دَورة تاريخيّة" وبداية "دَورة جديدة"، بما يعني، زمانيّاً، أنّ مستقبلنا ينبغي ألّا يُشبه الماضي الذي كنّاه والحاضر الذي نحن عليه، أي أن يكفّ الماضي عن الجريان في الحاضر جريان تكريسٍ لمُعطياته، بدل أن يحملنا إلى المستقبل. فالدعوة، من عنوانها، تشير إلى التناغم، الذي ينبغي أن يكون، بين الإنسان والمستقبل.

وإذا كان ما يلزم هذا "الإنسان الجديد" هو واقع جديد، فإنّ هذا يفترض "لغة جديدة" يتحدّثها هذا الإنسان، بما يُحوِّل التغيير الحادث إلى حقيقة ينعم بها / معها بامتلاك "ثروة حياته": الحلم بعصر جديد قد تحقّق.. فلا يعود الإنسان معها "ينام ليحلم"، وإنّما ليستيقظ ويستأنف العمل.

إنّ ما ينبغي أن يكون هذا الإنسان عليه هو واقعيّة تخرج بالواقع من حالات انحطاطه، ليكون في محيط التجدّد الكونيّ، – مع المحافظة على هويّته التي تحفظ وجوده التاريخي.

وهنا يأتي التأكيد على الثقافة كونها "عنصر بناء" و"معطى تكوينيّاً"، وإن العمل فيها ينبغي أن ينصبّ على العقل، بما يلزم هذا العقل من تجديد التكوين.. وتنمية روح الإبداع في ما له من معطيات تُغذّي الروح والوجدان، وترفد كّل تطلّع مرتبط بما يُمكن أن ندعوه "طموحاً رؤيويّاً".

 *كاتب وناقد عراقي

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف