في التعرّجات الحاليّة لحركات اليمين واليسار

%d8%b1%d9%81%d9%8a%d9%81-%d8%b5%d9%8a%d8%af%d8%a7%d9%88%d9%8a

 

د. رفيف رضا صيداوي*

رافقت التحوّلات التي شهدها العالَم منذ أكثر من ثلاثة عقود تغيّرات في مظاهر اليمين واليسار كحركتَين سياسيّتَين – اجتماعيّتين لطالما تميّزتا بخصائص محدَّدة وملموسة لعقود طويلة، ولاسيّما في المرحلة الممتدّة من خمسينيّات القرن الفائت حتّى منتصف ثمانينيّاته. ولئن بدأ هذا التغيّر بالانكماش المتزايد والتدريجي للمسافة الفاصلة بين اليمين (بغلبة مضمونه اللّيبراليّ) واليسار(بغلبة مضمونه الاشتراكيّ) أو للحدود القائمة بينهما بعد فترة بلغ فيها المدّ اليساري أوجه (1945-1954)، فإنّ مَلامح هذا التداخل باتت اليوم ذات مُفارقات بالغة الدلالة في عالَمٍ راهنٍ يتخبّط في تحوّلاته، كما في نزاعاته.

 لئن كانت هذه التحوّلات قد ظهرت بوضوح بعد انهيار الاتّحاد السوفييتي في أواخر ثمانينيّات القرن الفائت، فإنّ مَلامِحها الجنينيّة بدأت بالتشكّل قبل هذا التاريخ بكثير، ربّما منذ منتصف السبعينيّات مع انفجار أزمة "الانكماش التضخّمي"، أو ربّما قبل ذلك؛ إلّا أنّ تقلّص المسافة بين اليمين واليسار ازدادت إلى حدّ جعل البعض، شأن فرنسوا كوسّيه François Cusset، يصف هذه القطبيّة (يمين/ يسار) بالـ "مُصطنعة"، في حال تمّ الأخذ بعَين الاعتبار المضمون العقائدي والبَرامجي للمُصطلحَين بمعناهما التاريخي. وربّما أنّ ذلك يفسِّر مقولة الاقتصادي البريطاني إريك رول بأنّ اليسار كان يحكم معظم دول الاتّحاد الأوروبي في سنة 2002، وبأنّه تراجَعَ كثيراً اليوم. فاليمين الكلاسيكي بات ينطوي على اتّجاهَين متناقضين شكّلا، ولاسيّما بعد الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر2001، تحالُفاً استراتيجيّاً: يمين الأسواق، والتبادل الحرّ الذي بات راديكاليّاً، وكراهية الدولة وإلغاء كلّ الحواجز أمام العَولمة الاقتصاديّة من جهة، ويمين القيَم الموروثة، المسيحيّة والهويّاتيّة من جهة ثانية؛ وذلك بذريعة "حرب الحضارات" (راجع كتاب كوسّيه La Droitisation du monde 2016)؛ فالعقيدة النيوليبراليّة بحسب كوسّيه كانت تضمر كرهاً دفيناً للدولة، لكنّ مؤيّديها والفاعلين الاقتصاديّين أصبحوا لاحقاً من أفضل أصدقاء هذه الدولة التي أنقذت النّظام في خلال أزمة الرهونات العقاريّة، وقمعت الحركات الاجتماعيّة؛ بحيث تغيّرت الوظائف التاريخيّة المعهودة للدولة: من  دولة تَرعى وتَحمي وتعلِّم وتتّجه نسبيّاً إلى تحقيق العدالة، إلى دولة تؤمِّن الربح للأسواق من خلال إلغاء إنفاقها الاجتماعي، ومُمارسة وظيفة سياسيّة ديبلوماسيّة خدمةً للمؤسّسات والشركات، فضلاً عن مُمارسة وظيفة أخرى عسكريّة، تُؤدّي من خلالها دَورها كشرطيّ يتدخّل في أطراف العالَم كافّة بذريعة مُكافحة الإرهاب وصولاً إلى مُمارسة رقابة قصوى مُعمَّمة.

انكفاء اليسار عربيّاً

إذن، طغت هذه الظاهرة على العالَم بأسره تقريباً، بحيث حمل اليسار الجديد، إذا ما جاز التعبير، ولاسيّما اليسار العربي، ولاسيّما بعد انتهاء النضالات والصراعات المُعادية للاسـتعمار، عناوين مثل الوقوف ضدّ الاستبداد- بناء دولة المُواطنة- العلمانيّة…إلخ، وهي عناوين لا تعبّر عن المضمون الإيديولوجي العقائدي لليسار القديم ذي البعد النضالي الثوري الرامي أساساً إلى إعادة توزيع الثروات بشكلٍ عادلٍ، ولا تختلف بالتالي عن مَطالب حركات اليمين أو أحزابه. ولعلّ أبرز الدلائل على هذا التحوّل هو المضامين التي عبّرت عنها حركات اليسار أو أحزابه إبّان البحث في أزماتها وطُرق الإصلاح والخروج منها (والتي اتّخذت عناوين مثل "نحو نهضة جديدة لليسار في العالَم العربي"، أو "اليسار الجديد"، أو "المشروع الجديد لليسار العربي"…إلخ). فقد تمّ تلخيص مهمّات اليسار الجديد في العالَم العربي بعشرين قضيّة هي: بناء الدولة الديمقراطيّة الحديثة (دولة الحقّ والقانون والمُواطَنة وحقوق الإنسان)؛ إعادة تشكيل المجتمع المدني بمؤسّساته الديمقراطيّة، على قاعدة الديمقراطيّة والتعدّدية؛ الدّفاع عن الوطن وعن سيادته واستقلاله ووحدة شعبه وأرضه(…)؛ تحقيق التنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة(…)؛ الاهتمام بالثروة الوطنيّة على صعيد كلّ بلد على حدة، والثروة القوميّة على صعيد البلدان العربيّة(…)؛ الاهتمام بالتنمية الاجتماعيّة في فروعها كلّها(…)؛ الاهتمام بالثقافة وبالمعرفة في فروعها المُختلفة؛ الاهتمام بالبحث العِلمي( الذي يشكّل الأساس في تحقيق التقدّم)؛ الاهتمام بالتراث الثقافي في مَيادينه كافّة؛ الاهتمام بالشباب وبقضاياهم من جوانبها المُختلفة، الاهتمام بالمرأة لجهة تأمين حقوقها في المساواة في المجالات كافّة؛ مُواجهة التطرّف في أشكاله المُختلفة؛ الاهتمام بالبيئة؛ العمل بكلّ الوسائل المُتاحة لإزالة الاستبداد في بلداننا(…)؛ التضامن مع الشعب الفلسطيني بكلّ الوسائل المُتاحة(…)؛ الاهتمام بالأقلّيات القوميّة وتأمين كامل حقوقها(…)؛ السهر على توطيد علاقات التكامل بين البلدان العربيّة في شتّى المجالات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة والعِلميّة؛ إقامة علاقات مع العالَم، على قاعدة السيادة الوطنيّة والتفاعُل مع ما يجري من تطوّرات وتحوّلات؛ إقامة علاقات تضامُن وتكامُل مع قوى التغيير في العالَم (عبد الغفّار شكر وحلمي شعراوي، نحو نهوض جديد لليسار في العالَم العربيّ، 2013).

مهمّات اليسار الجديد هذه بدت تعبيراً عن انصياعٍ لتأثيرات العَولمة أكثر من كونها مهمّات ثوريّة غايتها اختراق الأزمات الوافدة من المركز الرأسمالي، والفاعلة عربيّاً ومحلّيّاً، والتي تعبِّر عن سلسلة الأزمات المتفجّرة خلال العقود الثلاثة الماضية على خلاف كلّ حسابات العالَم الرأسمالي ووعوده برفاهية العالَم، والتي كانت تجري بالتوازي مع النموّ المطّرد للعَولَمة. فقد تراجعت مصطلحات مثل الثورة والنقابات العمّالية والطبقة العامِلة وغيرها لمصلحة مُصطلحات/ موضوعات مثل البيئة والتصحّر والنّوع الاجتماعي أو الجندر وحقوق الأقلّيات وما شابه، التي يلتقي عندها اليمين واليسار كلاهما. وجرى استبدال المفهوم الطبقي بمفهوم "مكافحة الفقر" وبؤره، والدّفاع عن حقوق الإنسان بما في ذلك حقوق المُهمَّشين والضعفاء (أو الفئات الضعيفة والمُهمَّشة). وهو مَسار بدأ بالتشكّل في أوروبا مع محاولات الحكومات الاشـتراكيّة الديمقراطيّة، معالجة عيوب اقتصاد السوق. أمّا التراجع العدديّ للطبقة العاملة، وتفتُّت النقابات وتشرذُمها، فقد باتا سمتَيْن بارزتَيْن في مجتمعاتنا العربيّة، لمصلحة الحكومات المركزيّة وبرامجها الموظَّفة في تسيير أداء النظام المالي النيوليبرالي. فحتّى الثورات لم تعُد ثورات يمين أو يسار، وبالتالي بات يسهل استيعابها وتحويلها لخدمة مصالح النيوليبراليّة في عالَمٍ يُعاني من "كارثة رباعيّة الأبعاد" على حدّ تعبير كوسّيه: كوارث مجتمعيّة، اقتصاديّة، جعرافيّة، بيئيّة؛ فعلى الصعيد الاقتصادي تحديداً، " لم تعُد الرأسماليّة النيوليبراليّة المُموَّلة والمُعولَمة بحاجة إلى أن تتظاهر بأنّها تقوم بدَور التنظيم".  وإزاء ذلك، برزت مؤخّراً – والكلام لكوسّيه أيضاً – " أشكال عفويّة من الثورات الشعبيّة؛ ولأنّها تحرّرية أكثر منها هويّاتيّة، لم تَنتمِي هذه الثورات إلى اليسار أو إلى اليمين؛ وعلى الرّغم من ذلك، ظهرت إمكانيّة تلقّفها من قبل كلّ الشعبويّين الجُدد، وكذلك إمكانيّة قيادتها وتوجيهها نحو الصراعات الثقافيّة والإثنيّة أو الدينيّة التي تقسم بعض مناطق العالَم".

لقد سخَّر هذا النّظام الاقتصادي النيو- ليبرالي أو اللّيبرالي الجديد، الأجهزة الإيديولوجيّة في خدمته، على المستويات السياسيّة والتربويّة والثقافيّة، كما على مستوى الاتّصالات والإعلام والإعلان. وجرى – ويجري  على حدّ تعبير عالِم الاجتماع الفرنسي فردريك لوبارون- "نزع الصفة عن الخطابات المُعادية للهَيمنة؛ وهـو أمـر يُرى بوضوح في الوضعيّة التي تُعطى اليوم للتجارب القوميّة التي لا تأتلف مع النظام الإيديولوجيّ المُسيطِر (كوبـا، كوريـا الشماليّة، فنزويلا…إلـخ) أو إلى التأويل المُختزل للأداءات الاقتصاديّة الصينيّة، والتي تُعزى إلى رأسـماليّة بلا حدود، ولكن نادراً ما تُعزى إلى دولة مُصمِّمة أو تصميميّة واستراتيجيّة توحّدها المرجعيّة التي أبقت هذه الدولة عليها، أي مرجعيّتها إلى الاشـتراكيّة والماركسيّة، أو إلى الحزب الشيوعيّ الصينيّ" ( من كِتاب بحثــاً عن بـدائل. أوضاع العالَم 2018، بيروت، مؤسّسة الفكر العربي).

هذه الوسـطيّة السياسيّة التي بات يلتقي عندها اليمين واليسار العربيّان، والمتزامنة مع اتّجاه قوى عالميّة قديمة (الولايات المتّحدة وروسيا..) وأخرى جديدة ( الصين، تركيا، إيران..) إلى فرض وجودها على الساحة الدوليّة، ولاسيّما الشرق الأوسط، نرى كتلها وأحزابها وقد تقاربت أو تباعدت بحسب مصالحها الاستراتيجيّة وليس الإيديولوجيّة كما كان عليه الحال في حقبة الحرب الباردة. فما عادت "تقدّميّة" بعض اليسار، الرّافض لنظام عالميّ جديد يستأثر بالأرباح على حساب الفقراء والمهمَّشين، تلغي تحالفه مع قوى محلّية أو دوليّة طائفيّة أو مذهبيّة؛ وما عادت  "ليبراليّة" بعض اليمين تلغي تحالفه مع القوى الرّافضة للنظام العالميّ الجديد.

وعليه، فإنّ السؤال المطروح على الحركات الوطنيّة العربيّة، بأطيافها كافّة، هو حول الضمانات التي يُمكن المُراهنة عليها في التعامل مع خيارات وبدائل لا تمتّ بصلة إلى مرتكزات بناء دول ديمقراطيّة حديثة بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى.

*مؤسّسة الفكر العربيّ

 

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف