جلال خوري عرّاب المَسرَح الملحميّ في لبنان

%d9%85%d8%a7%d8%b1%d9%8a-%d8%a5%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%b3

 

د. ماري إلياس*

في نهاية العام 2017، غيَّب الموتُ، عن عُمرٍ يُناهز 83 عاماً، المسرحيَّ جلال خوري، الذي كان مُخرِجاً من أعلام المسرح العربيّ واللّبنانيّ، وكاتِباً وأستاذاً مُتابعاً ومُحاضراً يعيش هاجِساً يوميّاً يتعلّق بالمسرح وبعلاقة الفكر بالحياة بشكلٍ عامّ. كان عضواً في الهيئة التعليميّة في الجامعة اليسوعيّة في بيروت حتّى سنّ الخامسة والسبعين، وكان على تواصلٍ دائم بالمجال المسرحيّ.

صاحَبَ جلال خوري التغييرَ بامتياز في آخر مسرحيّة عرفناها له هي: "خدني بحِلمك مستر فرويد"، وهي  حواريّة  بين ممثّلة ومُخرِج، تكشِف عن مجموعة من الصراعات على مستويات عدّة في وقتٍ واحد، مِهنيّة وإنسانيّة، وجنسيّة، وسياسيّة واجتماعيّة. لم تلقَ المسرحيّة  نجاحاً حين قُدِّمت على خشبة مسرح مونو في بيروت،  لكنّها برأيي كانت محطّة مهمّة في بحثه الفكريّ لأنّ جلال خوري كان صاحب فكر متوثِّب ونَشط، وكان بحالةِ بحثٍ دائم، ويُحبّ أن يتكلّم عن مجريات بحثه في العلاقة بين المسرح والسياسة وبين الدّين والمجتمع. ظلّ موضوع المسرح ووضعه في المجتمع يؤرقه حتّى آخر أيّامه (ولا بدّ للّذي يَودّ أن يعمِّق معرفته بموقف جلال خوري من المسرح في المرحلة الأخيرة من حياته أن يُراجِع مقدّمة تلك المسرحيّة لأهمّيتها). وفي هذا السياق  تُعتبر مسرحيّة "رزق الله يا بيروت" التي قدّمها في العام 1996 محطّة مهمّة في مسيرته الفكريّة وبحثه المسرحيّ لأنّها شكَّلت منعطفاً حادّاً في تلك  المسيرة.

وُلِد جلال خوري في 29 أيّار(مايو) 1934 من عائلة بورجوازيّة مارونيّة. نشأ وعاش في بيروت ودَرَس في مَدارسها. لم يستكمل دراسته بسبب موت والده الذي كان يملك ورشة خياطة. أظنّ أنّه كان مُصمِّم أزياء ذلك الزمن، ولهذا تفتَّح الابن في هذه العائلة على الفنون، وعلى الثقافة، ومن ضمنها الماركسيّة؛ إذ التقى في مَجالِس والده كِبارَ القيادات الماركسيّة. بعد الموت المبكِّر للوالد، ترك جلال الشابّ الدراسة، لكنّه كان يحبّ الكتابة فبدأ يعمل في المجال الصحافيّ قبل أن ينتقل إلى الكتابة والإخراج المسرحيَّين. وهذا ما جعل النصّ لديه أساساً ومُرتكزاً.

جلال خوري، ابن مدينة بيروت بتناقضاتها وسماحتها ويساريّتها، بدأ الكتابة الصحافيّة باللّغة الفرنسيّة منذ نهاية الخمسينيّات، ودخل مجال الرياضة، ثمّ النقد الفنّي ( في المُلحق الأدبيّ لجريدة الأوريان). سافر إلى فرنسا إثر حصوله على  مِنحة من الحكومة الفرنسيّة وتعرَّف إلى الحركة المسرحيّة هناك، ثمّ عاد إلى لبنان، وكانت هزيمة العام 1967 التي هزَّت الوجدان العربيّ وأَحدثت صدمة كبيرة قد وقعت. فوضَع مسرحيّته "وايزمانو بن غوري"، التي كتبها بالفرنسيّة يومها وترجمها له الراحل الكبير ريمون جبارة.

قُدِّمت المسرحيّة بالمَحكيّة في العام 1968، متناولةً قيام دولة إسرائيل، وهي اقتباس بتصرّف شديد عن "آرتيرو أوي" لبرتولد بريشت، ومثَّل فيها المُخرج اللّبناني روجيه عسّاف؛ وهي المسرحيّة التي سنرى استعادة لبعض مقاطعها في المسرحيّة المنعطف "رزق الله يا بيروت".

كان خوري في الحقيقة قد بدأ التمثيل منذ العام 1962 كهاوٍ في إطار المسرح الجامعيّ النّاطق بالفرنسيّة، ولَعب دَوراً في مسرحيّة "بانتظار غودو" لبيكيت. كما كان قد أخرَج في العام 1964 عَرضاً بالفرنسيّة لبريشت "رؤى سيمون ماشار" دُعيَ على إثره لزيارة مسرح "برلينر إنسامبل" (فرقة برلين) في ألمانيا، واعتُبر منذ ذلك الحين المُخرج البريشتيّ بامتياز. ويتمّ وصف مسرحه بأنّه سياسيّ. والحقيقة أنّ المسرح السياسيّ بالنسبة إلى جلال خوري كان دائماً المسرح المَلحميّ.

 

حين نبش خوري المجتمع اللّبناني

كَتَب المخرج العربيّ الراحل وقدَّم سلسلة من المسرحيّات من ضمن هذا المَسار الذي كان قد خطّه لسِنين ومنها: "سوق الفعالة" (1969)، و"جحا في القرى الأماميّة" (1970-1971) التي لاقت صدى كبيراً وحضرها جمهورٌ غفير، ومثَّل الدَّور الرئيس فيها نبيه أبو الحسن، وتتناول أساليب "المكتب الثاني" في التحقيق؛ و"الرفيق سجعان" (1974) التي ستبقى علامة فارِقة في تاريخ المسرح اللّبناني، وهي ابنة تلك المرحلة التي قدَّم فيها جلال خوري، نصّاً وإخراجاً، ذاك التمفصُل الغريب والمُتناقض بين البنى العائليّة في لبنان والبنى الحزبيّة السياسيّة، وهو موضوع لا يزال راهِناً على الرّغم من مضيّ عقودٍ طويلة على إعداده. فقد احتوت هذه المسرحيّة على تحليلٍ نفسي واجتماعي ونقدٍ ونبشٍ في الطبقات التحتيّة لتشكّلات الحياة الاجتماعيّة اللّبنانيّة. وفي العام نفسه، قدَّم مسرحيّته "القبضاي" (1974) التي اقتبس فكرتها من مسرحيّة "فتى الغرب المدلَّل" لجون ميلينغتون سينغ، وبقي الاقتباس مُقتصراً على الفكرة الأساسيّة، وحمّلها مشاهداته والكلام الذي جمعه والجُمل التي جمعها من أفواه الناس. وهي عن قرية تتحرّك فيها الشخصيّات، منها مَن يُصبح "قبضاياً" وتُغزل من حوله القصص. تلتها مسرحيّة "كذّاب" (1983) و"فخامة الرئيس" (1988).

بعد 30 عاماً في الحياة المسرحيّة بأبعادها كلّها، عاد  جلال خوري في العام 1997 ليتساءل عن دَور المَسرح ومكانه في المجتمع وليُعلن في مسرحيّته "رزق الله يا بيروت"(1997) و"سهرة مع وليام شكسبير"(2016)، انقطاعه عن المسرح الغربي وانتقاده بصورة غير مباشرة دَور هذا المسرح في أيّامنا. وقد ردَّد في مسرحه ومُحاضراته منذ ذلك الحين، وبعدما كان يشرح ظروف نشأة المسرح في الغرب، كلامه على غياب المبرِّر الاجتماعي السياسي لتطوّر المسرح العربي بشكلٍ عامّ والمسرح اللّبناني بشكلٍ خاصّ. وقد أضحى اهتمامه الأوّل يتركّز على إيجاد صيغة مسرحيّة جديدة لكن من دون إهمال مسألة دراما الكائن البشري في عدم فهمه كيانه. وتناول بالتالي مسائل فلسفيّة ذات بُعد ميتافيزيقي وعاد إلى التاريخ القديم (الفراعنة وغيرهم)، ما يعني أنّه سعى إلى الكتابة الدراميّة التي تفسّر وضع  الإنسان في العالَم وعلاقته بالقوى التي تتجاوزه. وهو في تلك الفترة التفت إلى المسرح والفلسفة الشرقيّة ونهل منهما؛ لهذا نجد أثراً واضحاً  لمسرح النو  Nôالياباني في كتاباته المسرحيّة.

الطلاق مع المسرح الغربيّ

من أهمّ مسرحيّات تلك المرحلة ثلاثيّته التي تبدأ مع مسرحيّة "هنديّة راهبة العشق" (2000)  عن راهبة حلبيّة الأصل من المسيحيّين الشرقيّين. الحقيقة أنّه رفض تسمية العمل مسرحيّة وسمّاه  "الاستحضاريّة". استوحى جلال خوري في البداية على صعيد البنية من "النو" الياباني، فاتحاً بذلك الطريق إلى فنٍّ مسرحي يختلف تمام الاختلاف عن الفنّ المسرحي الغربي، بما أنّ الحدث يجري في الماضي والمسرحيّة هي استحضار لهذا الماضي.  الشخصيّة الرئيسة تعود إلى خشبة المسرح لتُرافِع عن  قضيّتها. جلال خوري الجديد  يبحث عن المجرّد بحثاً فعليّاً عميقاً على مستوىً يفوق انشغالاته السياسيّة، وكأنّ طلاق نانسي وبراديب، وهما شخصيّتا "الطريق إلى قانا" (2006)  في المسرحيّة، قد أدّى إلى طلاقٍ حقيقي مع المسرح، لكنّ ذلك لم يحصل لأنّ نداءً مستمرّاً كان يستدعيه إلى رحلة مُغايرة هذه المرّة. ولم يستسلم بل تابع الكتابة حتّى أنهى "رحلة محتار إلى سرينفار" (2010). وفي المسرحيّات الثلاث بحَث عن نَوعٍ من الروحانيّة، وأظنّ أنّ هذا البحث هو نَوع من الموقف السياسي.  فقد حاول جلال خوري خلق صيغة مسرحيّة جديدة، على الرّغم من أنها منقولة في الاستحضاريّة الأولى عن النو الياباني، لكنّها تنفصل عنه تدريجاً إلى أن تنقطع عنه تماماً في الاستحضاريّة الثالثة، مع إبقائها على المميّزات الأساسيّة لتجلّي القدسيّة المحدّدة في الجزء الثاني. نحن إذاً، في الاستحضاريّة الثالثة، أمام وجود قدسيّة مُغايرة عن تلك التي في المسرح الديني الغربي، والمسرح القدسيّ في الشرق الأقصى أيضاً. من جهة أخرى، تُترجِم المسرحيّات الثلاث "هنديّة، راهبة العشق"، و"الطريق إلى قانا"، و"رحلة محتار إلى سرينغار" مساراً داخليّاً للكاتب المسرحيّ، يبدأ بصدمة ثقافيّة في الاستحضاريّة الأولى، تليها تساؤلات وجوديّة في المسرحيّة الثانية، وتؤدّي بعدها، في الكتابة الثالثة، إلى صفاءٍ مزدوج، أي صفاء الشخصيّة وصفاء كاتِبها. لهذه الأسباب، يُمكننا التحدّث عن سلسلة من ثلاثة مؤلّفات.

كَتَب جلال خوري  مؤخّراً في صحيفة "النهار" شارِحاً موقفه من المسرح : "بعَثت هزيمة الجيوش العربيّة أمام إسرائيل خلال حرب يونيو (حزيران) 1967 حياةً جديدة للمسرح اللّبناني، وأعطته مُبرِّرَ وجود، وشخصيّةً مميّزة. في الواقع، كان لهذه الهزيمة وقعٌ مأسويّ كبير على وعي الإنسان العربي، ما دفعه إلى أن يطرح على نفسه كثيراً من التساؤلات والشكّ في كثيرٍ من الثوابت، وإلى إعادة النَّظر في أمورٍ عدّة. المسرح الذي كان قائماً في بيروت، على الرّغم من وضعه الحِرَفي، أصبح من أكثر وسائل التعبير فاعليّة، مقياساً للمناخ المضطّرب الذي كان سائداً في هذه الحقبة". لكنّه بعد ذلك  ردّد في مناسبات عدّة كلمات  رائد المسرح العربي اللّبناني مارون النقّاش (1854- 1817)  "إنّ دوام هذا الفنّ في بلادنا ضربٌ من المُحال".

 

*أكاديميّة وناقدة مسرحيّة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف