شهادة في أدب إملي نصر الله

%d8%a3%d9%86%d8%b7%d9%88%d8%a7%d9%86-%d8%b7%d8%b9%d9%85%d8%a9

 

د. أنطوان طعمة *

مساء الثلاثاء 13 آذار(مارس) 2018 غيّب الموت أديبتنا الكبيرة، سيّدة الرواية اللّبنانيّة والعربيّة، إملي نصر الله عن سبعة وثمانين عاماً، كان جلّها مكرّساً للإبداع الأدبيّ بلغتنا العربيّة. نتوجّه من نشرة "أفق" في مؤسّسة الفكر العربيّ بأحرّ التعازي إلى أهل فقيدتنا الغالية وأصدقائها من أهل الثقافة، وإلى اللّبنانيّين جميعاً، وإلى قرّائها الكثر في العالَم العربيّ، وفي بلدان العالَم التي تُرجِم أدبها إلى لغاتها، مؤكّدين أنّ الموت لا يغيِّب سوى الجسد. أمّا الحضور فيزيده الغياب توهّجاً وألقاً، وأنّ المُبدعين الأفذاذ باقون أبداً أحياء، يسكنون ذاكرتنا الجماعيّة ووجداننا الجماعيّ، إذ إنّ الله حباهم نعمة التعبير الأصدق والأبلغ عن هذا الوجدان وهذه الذاكرة.

ومواكبةً لهذا الحدث المؤلِم الذي هزّ المعنيّين بالشأن الثقافيّ، أُقدِّم شهادة في أدب الراحلة وفاء لعطاءاتها الوفيرة.

خُلقت إملي نصر الله لتكون كاتبة قصّة كما قال ميخائيل نعيمة. استُقبلت باكورة رواياتها طيور أيلول، في أوائل الستينيّات من القرن الفائت بحفاوة منقطعة النظير، وتُوِّجت بجائزتَين مهمّتَين. والكاتبة لم تتسلّق سلّم النجاح درجة درجة، بل مثل نسر، حطّت مباشرةً على قمّة من قِممه، وحافظت بموهبتها الاستثنائيّة على التحليق عالياً على تلك القِمم في أعمالها اللّاحقة.

كنتُ ما أزال طالباً على مقاعد الدراسة حين طالعتُ بشغفٍ كبير طيور أيلول ولكن حين أصبحتُ باحثاً متخصّصاً في اللّغة والآداب، أثارت فضولي معرفة السرّ الباهر لنجاح هذه الرواية. وقلتُ في بحثٍ لي بهذا الشأن: "سرّ نجاح هذه الرواية، في اعتقادي، يكمن في قدرتها على المزج بين واقعيّة الكتابة الصحافيّة واتّساع الرؤيا الشعريّة المُشبعة بالتوق إلى اللّامحدود… في رواية طيور أيلول يأتلف المختلف: السرد والشعر واللّوحات الوصفيّة والرسائل والمذكّرات والأجواء الأسطوريّة والخرافيّة في تناسقٍ سِمفوني أوركسترالي".

من عالَم الكتابة الصحافية، جاءت إملي نصر الله إلى الكتابة الأدبيّة، أو بحسب تعبير أرسطو من "الكتابة في الواقعيّ كالمؤرّخ" إلى "الكتابة في المُحتمَل المفتوح على المُمكن والمتخيّل كالشاعر". والكتابة الصحافيّة مدّت قلَم الكاتبة بالمباشرة والنَّزق وبعض السخرية. وبالكتابة الصحافيّة استطاعت إملي نصر الله أن تكون شاهدة لمجتمعها وعصرها كما سجّلت ذلك في كتابها في البال، ثمّ في كتابها من حصاد الأيّام بأجزائه الثلاثة. وقُيّض للشابّة الريفيّة أن تُجري مقابلات مهمّة مع سيّدات رائدات أسهمْن في نهضة مجتمعهنّ، جُمعت لاحقاً في كتابٍ موسوعيّ بعنوان نساء رائدات من الشرق والغرب في ستّة أجزاء.

كان للصحافيّة الشابّة فرصة إطلاق صوت صادق وجريء يشهد لبحث المرأة عن هويّتها الذاتيّة ومكانتها. وحرصت على أن تكون في موقع الفعل لا في ردّ الفعل، بعيداً من الأساليب المَطلبيّة الفجّة المتحدّية. ولأنّ إملي نصر الله خُلقت لتكون كاتبة قصة، غلب حبّها الأدب اهتمامها بعمل صحافيّ يستنزف الكاتِب ويستهلكه. فبعد طيور أيلول كَتبت إملي نصر الله شجرة الدفلى، الرهينة، الإقلاع عكس الزمن، الجمر الغافي، ما حدث في جزر تامايا وغيرها، حيث عالَجت موضوعات الحبّ والتمرّد، والهجرة التي أولَتها عنايةً خاصّة ورصدت مفاعيلها في جيل الآباء والأبناء والأحفاد، وفتحتها على موضوع تفاعل الحضارات في انعكاسه على مشكلات الانتماء والهويّة واللّغة. قلنا تفاعل الحضارات، ولم نقلْ صِدام الحضارات وصراع الأديان، كما يشتهي البعض. غير أنّها عالَجت مشكلة الحرب والسِّلم في صراع الخير والشرّ بحثاً عن عَيش مُشترَك في سلامٍ وأخوّة ووئام. وقد واءمت الكاتِبة بين نوعَي القصّة: الرواية بما تتطلّبه من نَفَسٍ طويل، ومن هندسة وتخطيط واتّساق، والقصّة القصيرة المكثَّفة التي تُواكِب حركة الواقع في مُلاءمة لحياتنا العصريّة المتقطّعة والمتشظّية، ولا يخفى ما بين القصّة القصيرة والصحافة من ارتباط. من أبرز مجموعاتها القصصيّة القصيرة: الينبوع، المرأة في 17 قصّة، الطاحونة الضائعة، خبزنا اليومي، محطّات الرحيل، اللّيالي الغجريّة، رياح جنوبيّة وغيرها.

الأدب الشامل

أدب إملي نصر الله أدب شامل: فضلاً عن الروايات والمجموعات القصصيّة التي ذكرناها، كَتبت خواطر شعريّة مهموسة في همسات. كَتبت للكبار كما رأينا، وكَتبت للناشئة: الباهرة، يوميّات هر، على بساط التلج … وللأطفال: شادي الصغير، أندي الخوتة… لم تقصر الكاتبة همّها على انتخاب الموضوعات اللّافتة التي تشكِّل صورة للمصير البشري ومُختبَراً لمعرفة الذّات الإنسانيّة، بل أولت التجديد في أسلوب التعبير وتقنيّات البناء القصصي ما يستحقّه من الأهمّية. وقد استندت في ذلك إلى عمق معرفتها بالثقافة العربيّة الأصيلة من جهة وبالثقافة الأجنبيّة من جهة أخرى. وكان من اللّافت في كتابتها حرصٌ على تجاوُز خطّية المَسار الحَدَثيّ في بناء الحبكة استرجاعاً واستباقاً، وعلى إحكام خيوط النسيج النصّي سرداً ووصفاً وحواراً. وكثيرا ما عبَّرت بالحدث من دائرة الخارج إلى المساحة الداخليّة النفسيّة وعتماته الباطنيّة عبر المُناجاة الداخليّة، والخطاب غير المُباشر الحرّ، وتيّار الوعي. وفي بناء العالَم الروائي القائم على مثلّث الشخصيّة والمكان والزمان، ابتعدت عن التسطّح وأقامت علاقات التداعي أو التوازي أو التضادّ في حرصٍ على رسْم صورة مركّبة معقّدة لما هو إنسانيّ، وملوّنة بألوان الوجدان الذاتي المُعاني.

كتبت إملي نصر الله للّبنانيّين، مُقيمين ومُهاجرين، ولكلّ العرب، بلغة متينة أنيقة، تجمع إلى أصالة التراث نضارة الحداثة. وفي كلّ ما كَتبت، كانت تعي خطورة رسالتها التربويّة، فعملت على تحبيب أبناء العربيّة بلغتهم الأمّ، وعلى جعْلهم يتآلفون مع المُطالعة. ونشهد أنّنا لا نقع في أدبها على ما يخدش الذوق أو الحياء، في تعالٍ على أساليب الإثارة الرخيصة أو المسطّحة. فأدبها، على ما فيه من الجرأة والتفكير النّاقد، ظلّ أدب العافية والسموّ والصفاء، وهو يدخل بلا حرج، كلّ بيت، وكلّ مدرسة، وكلّ جامعة.

وأبعد من إملي نصر الله الصحافيّة والأديبة، تبقى صورة إملي الإنسانة المميَّزة بروحها الشفّافة، وتواضعها المصفّى من الغرور، وانفتاح قلبها وبيتها على قيَم الضيافة والمُثاقفة والتلاقي بين أهل الفكر والفنّ على اختلاف انتماءاتهم الدينيّة والوطنيّة والمَناطقيّة والإيديولوجيّة.

إنّها أيقونة بهيّة لوطننا وأمّتنا العربيّة ولغتنا وثقافتنا، وهي تجلٍّ صادق من تجلّيات هويّتنا ووجداننا الجماعي. وهي، فضلاً عن ذلك، حالة إنسانيّة متجاوزة للمحدوديّات. شرف لنا أن يتعرّف إلينا الآخرون في صورتها، وفي مرايا أعمالها الإبداعيّة الخالدة المُترجَمة إلى الفرنسيّة والإنكليزيّة والألمانيّة والدانماركيّة والهولنديّة والفنلنديّة والتايلانديّة وغيرها من لغات العالَم.

*عميد سابق لكلّية التربية في الجامعة اللّبنانيّة

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف