الألمان وقضيّة إعلان القدس عاصمة لإسرائيل

%d9%85%d8%b9%d9%85%d9%91%d8%b1-%d8%b9%d8%b7%d9%88%d9%8a

 

معمّر عطوي*

على الرّغم من طغيان مشهد إحراق عَلم إسرائيل في تظاهرات برلين التي نُظِّمت ضدّ إعلان الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب نقْل السفارة الأميركيّة من تلّ أبيب إلى القدس المحتلّة والاعتراف بشكلٍ رسميّ بالقدس عاصمة لإسرائيل، فإنّ المزاج العامّ الألمانيّ، سياسيّاً وإعلاميّاً، بدا مُتماهياً مع موقف الحكومة الرافض للقرار الأميركيّ، في ما عدا بعض الأصوات اليمينيّة التي تبالغ في مواقفها المتطرّفة حين يتعلّق الأمر بالعرب.

حاولت وسائل الإعلام الألمانيّة التركيز على إحراق عَلم إسرائيل في محاولة إثارة الرأي العامّ الغربي تجاه مسألة مُعاداة السامية بما تحمله هذه المسألة من حساسيّة، وخصوصاً تلك المتعلّقة بعقدة الذنب الألمانيّة تجاه ضحايا النازية من اليهود. واستغلّت هذه النقطة التي قدّمها لها بعض الغوغاء من متظاهرين لا يملكون من الوعي السياسي ما يجعلهم يدركون حجم خطورة تصرّفهم، فشكّل حماسهم طعنة أخرى في جسد القدس لا تقلّ خطورة عن طعنة ترامب.

لكن في السياق السياسي، حافظت ألمانيا على موقفٍ متوازن، مُتجاوزةً مسألة العقدة التاريخيّة تجاه إسرائيل، ومُفضِّلةً احترام القانون الدولي على مجاراة موقف حليفها الأكبر في واشنطن. فالمستشارة أنغيلا ميركل أعلنت بعد قرار ترامب مباشرةً (في السادس من كانون الأوّل/ ديسمبر 2017)، في تغريدة على "تويتر"، أنّ الحكومة الألمانيّة " لا تدعم هذا الموقف لأنّ وضع القدس لا يُمكن التفاوض بشأنه إلّا في إطار حلّ الدولتَين".

الاشتراكيّون: يصبّ الزيت على النار

الموقف نفسه اتّخذه الحزب الاشتراكي الديموقراطي (SPD) شريك الاتّحاد المسيحي الديموقراطي(CDU) في الائتلاف الحاكِم، على لسان نائب المُستشارة وزير الخارجية زيغمار غابرييل المعروف عنه انتقاداته المُتواصلة لسياسات ترامب. ففي حوار مع القناة الألمانيّة الأولى ARD في اليوم نفسه الذي أعلن فيه الرئيس الأميركي قراره المُثير للجدل، وَصَف غابرييل قرار الولايات المتّحدة بأنّه " يصبّ الزيت على النار"، محذِّراً من إمكانيّة أن " يزيد هذا الموقف من صعوبة الوضع في الشرق الأوسط، ومن تفاقُم النزاع بين إسرائيل والفلسطينيّين بشكلٍ أكبر". مواقف غابرييل تماهت مع مواقف الرئيس الألماني (الاشتراكي) فرانك فالتر شتاينماير الذي وصف ترامب، سابقاً، بأنّه داعية كراهيّة، وكَتَب في صحيفة "بيلد" واسعة الانتشار (في22 يناير/ كانون الثاني 2017، وكان يومها وزيراً للخارجية) بعد انتخاب ترامب رئيساً: " أعلم أنّنا ينبغي أن نُعِدّ أنفسنا لأوقات مضطربة يشوبها الغموض وعدم القدرة على التنبّؤ. لكنّني مقتنعٌ بأنّنا سنجد في واشنطن آذاناً صاغية تدرك أنّه حتّى الدول الكبرى تحتاج إلى حلفاء في هذا العالَم".

اليسار: برميل بارود

حزب اليسار الذي تشتهر مواقفه بأنّها أقرب إلى المزاج العربي من المزاج الإسرائيلي في المسألة الفلسطينيّة، كرَّر خطابه المتعاطف مع الفلسطينيّين، حيث انتقدت رئيسة الكتلة البرلمانية للحزب سارة فاغنكنخت قرار الرئيس الأميركي قائلة إنّ هذا القرار هو " آخر ما كان يحتاجه برميل بارود الشرق الأوسط".

بدَورها اعتَبرت نائبة رئيسة الكتلة اليساريّة هايكي هينزل أنّ اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل " يُعدّ خرقاً فاضحاً للقانون الدولي واستفزازاً خطيراً له عواقب لا تحصى على المنطقة بأسرها "، معتبرةً أنّ" الحكومة الاميركية تشير إلى أنّها تتحرّك بعيداً عن حلّ الصراع في الشرق الأوسط عبر إقامة دولتَين".

ورأت هينزل أنّ " الحكومة الاتّحاديّة (الألمانيّة) مُطالَبة الآن بالاعتراف الديبلوماسي بدولة فلسطين التي تتمتّع بمركز المُراقب لدى الأُمم المتّحدة منذ العام 2012. وفي الوضع المتوتّر الحالي، سيكون هذا علامة مهمّة على منظور عمليّة السلام وحلّ الدولتَين".

في السياق عينه، أتى موقف الحزب الديموقراطي الحرّ (FDP) ، إذ حذَّر عضو مجلس إدارة الحزب نائب رئيس البرلمان ألكسندر غراف لامبسدورف، من عواقب وخيمة على الوضع العامّ فى الشرق الأوسط وفي العالَم الإسلامي، معتبراً الإعلان الأحاديّ الجانِب لكامل المدينة عاصمة لإسرائيل، استفزازاً كبيراً.

الخضر: أعمق الجروح

حزب الخضر أيضاً غرَّد من داخل السرب نفسه، حيث انتقد رئيسه جيم أوزديمير بشدّة القرار الأميركي، مُعتبراً أنّه "يمسّ أحد أعمق الجروح في النزاع الإسرائيلي الفلسطيني"، وأنّ " مَن يتّخذ مثل هذا القرار يقبل بحدوث تصعيد للصراع مجدّداً".

اليمين يؤيّد ترامب

في المقابل، هوّن زعيم كتلة "حزب البديل من أجل ألمانيا" (AFD) اليميني في البرلمان ألكسندر غولاند من إعلان ترامب، معتبراً أنّ "الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل موجود في الولايات المتّحدة منذ العام 1995″. وعزا موقف ميركل وشتاينماير لأسبابٍ إديولوجيّة، وقال: " ترامب وقراراته يجب أن تكون مقبولة. ومن المهمّ الحفاظ على علاقاتٍ طيّبة وديبلوماسية معه ومع جميع الرؤساء الآخرين من أجل أن يكونوا (الساسة الألمان) على عِلم تامّ بجميع قرارات السياسة الخارجية وأن يكونوا مستعدّين لها".

"سُبات على أريكة عربيّة"

على الصعيد الإعلامي، سلّطت صحيفة "فرانكفورتر ألغماينه" الضوء على ردود الفعل في العالَم العربي والأراضي الفلسطينيّة، وكتبت تقول: " بعض الاحتجاجات في الأراضي الفلسطينيّة لم تصل إلى مستوى انتفاضة ثالثة.. وفي الأماكن الأخرى ظلّ الشارع العربي في سباته مُختزلِاً جهده على أريكة عربية.. فليس هناك في أيّ مكان أثرٌ لغضبٍ شعبيّ، حتّى في إيران".

وعرضت "دويتشه فيله" في نسختها العربيّة مقتطفات من الصحف حول هذه المسألة، فكانت صحيفة "دي فيلت" من بين الأصوات الإعلامية القليلة التي دعمت قرار ترامب، إذ انتقدت بشدّة ردود الفعل العربيّة على القرار، قائلة إنّ " الدول العربيّة تشجب الاعتراف بالقدس. في حين أنّها لم تعترف حتّى بوجود إسرائيل في أيّ حدود كانت. . ومَن يعتقد الآن أنّ ترامب هو السبب في كلّ شيء، فوجب تذكيره بأنّ الفلسطينيّين ليسوا بحاجة إلى رئيس أميركي كذريعة من أجل قتلِ يهود"، مشيرة إلى تصاعد الهجمات بالسكاكين في فلسطين المحتلَّة.

وأضافت "دي فيلت" أنّ مَن لا يعترف مرّة بوجود إسرائيل ليس له الحقّ الأخلاقي ولا السياسي في الاحتجاج ضدّ القدس كعاصمة لإسرائيل.
صحيفة "فرانكفورتر روندشاو" تناولت أهمّ الأحداث التي شهدتها مدينة القدس منذ عقود، والتي كانت تُسهم دائماً في إشعال نيران الاقتتال بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين، مؤكِّدة أنّ "جميع الأزمات تقريباً التي شهدت تصعيداً دمويّاً في النزاع الإسرائيلي الفلسطيني اشتعلت بسبب هذه المدينة المقدَّسة بالنسبة إلى اليهود والمُسلمين والمسيحيّين".

"يُشعل حريقاً واسعاً"

أمّا صحيفة "فرانكفورتر ألغماينه"، فقد تساءلت عمّا اذا كان إعلان ترامب يُشعل حريقاً واسعاً في المنطقة؟، مضيفةً أنّ ثمّة تحذيرات كافية من ذلك. واعتبرت الصحيفة أنّ ترامب بات يعتقد الآن أنّ الوقت أصبح مُلائماً لهذه الخطوة، مشيرةً إلى أنّ الصراع حول فلسطين لم يعُد أولويّة بالنسبة إلى العديد من الدول العربيّة. لكنّ الصحيفة في المقابل رأت أنّ قرار ترامب يمثّل "حجر عثرة لتركيا وإيران اللتَين ستظهران في موضوع القدس وفلسطين كمدافعتَين عن المصالِح الإسلاميّة. وقد يعمل ترامب من أجل تحقيق "صفقة"، لكنّه لا يخدم السلام".

بدَورها وصفت "تاغستسايتونغ" الصادرة في برلين خطوة الرئيس الأميركي بأنّها تنمّ عن ضعفه وخوفه من أن تتحوّل الاحتجاجات والفوضى في العالَم العربي ضدّه. وبالنسبة إلى التصويت على القرار العربي في الجمعيّة العامّة للأُمم المتّحدة، رأت صحيفة "فرانكفورتر روندشاو" أنّ ذلك " يشكِّل إشارة جيّدة إلى أنّ غالبيّة دول الأُمم المتّحدة الـ193 لم تسمح بالضغط عليها من قبل الرئيس الأميركي.. وصوَّتت على الرّغم من تهديده لمصلحة قرار ضدّ قراره المُثير للجدل.. وبذلك فقد أظهر المجتمع الدوليّ مرّة أخرى، كما في اتّفاقية المناخ، أنّه يسعى لتحقيق أهداف مُشترَكة حتّى لو كانت ضدّ إرادة القوّة العالميّة المتمثّلة بالولايات المتّحدة. ما يبعَث على الاطمئنان أيضاً أنّ هناك دولاً – أكثر ممّا كان متوقَّعاً- على استعداد للدفاع عن الاتّفاقات أو المُعاهدات المتعدّدة الأطراف ضدّ مَن يريد تدميرها".

لكنّ صحيفة "تاغسشبيغل" الصادرة في برلين أشارت إلى أنّ قرار الأُمم المتّحدة لا يستطيع أن يغيِّر مقرّ السفارة، ورأت أنّه "سيكون من الأهمّ أن يعترف الفلسطينيّون بحقّ إسرائيل في الوجود أمام الأُمم المتّحدة، لأنّ إسرائيل ستضطّر إلى التحرّك كذلك. ليس من مهمّة ترامب التحلّي بالصبر".

جوّ الكراهيّة

على الجانب الآخر، استغلَّت بعض وسائل الإعلام قضيّة إحراق العَلم الإسرائيلي لتحرف النظر عن القضيّة الأساس، فتمّ التركيز على جوّ الكراهيّة المشحون ضدّ إسرائيل وسط الجاليات العربيّة والإسلاميّة. وأجرت صحيفة "بيلد" واسعة الانتشار تحقيقاً في حيّ نوكيلن ذي الغالبيّة العربيّة في برلين تحت عنوان "الكراهيّة التي لا نهاية لها لليهود أو ما هو آخر؟".
وفي ردّه على حرْق العَلَم، اعتبر رئيس كتلة حزب البديل في برلمان برلين جورج بازدرسكي أنّ "هذا هو نتيجة هجرةٍ كارثيّة وسياسةِ اندماج فاشلة تماماً".

كانت قضيّة إحراق العَلَم الإسرائيلي قد أيقظت عقدة الذنب التاريخيّة لدى الألمان فصدرت مواقف شاجِبة بقوّة عن الرئيس شتاينماير والحكومة ومختلف الأحزاب ووسائل الإعلام، كما نأت شخصيّاتٌ سياسيّة من أصول عربيّة وإسلاميّة ومنظّماتٌ عديدة بنفسها عن هذا التصرّف الذي أساء إلى قضيّة القدس وحرَّف الأنظار عنها.

*كاتب وإعلامي من لبنان

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف