سياسات التكيّف الهَيكليّ: بين النموّ الاقتصاديّ والخَيبة الجندريّة

%d8%ae%d8%aa%d8%a7%d9%85-%d8%ad%d9%85%d8%a7%d9%8a%d9%84

 

ختام حمايل*

ظهرت سياسات التكيّف الهيكلي (Structural Adjustment) لأوّل مرّة، كحزمة من البَرامج والتدخّلات الاقتصاديّة من البنك الدوليّ(World Bank) وصندوق النقد الدوليّ (IMF) في أوائل ثمانينيّات القرن الماضي، وذلك بالتّزامن مع أزمة المديونيّة الخارجيّة التي اجتاحت دُول العالَم الثالث؛ حيث كان إعلان المكسيك في العام 1982 وعدد من دول أميركا اللّاتينيّة وأفريقيا والدول الآسيويّة عن عجزها الماليّ وانهيار اقتصاديّاتها، دافعاً لتلك الدول لرفع مديونيّتها للبنك الدوليّ وصندوق النقد الدوليّ اللذَين فَرَضَا هذه السياسات الاقتصاديّة على تلك الدول المُستدينة، وذلك كإجراءٍ يهدف إلى إعادة التوزان إلى ميزان المدفوعات للخروج من هذه الأزمات وإنقاذ اقتصاديّاتها من الانهيار التامّ.

لقد عَكست سياسات بَرامِج التكيّف الهَيكلي إيديولوجيّة اللّيبراليّة الجديدة التي تقودها العَولمة الرأسماليّة الهادِفة إلى تحقيقٍ طويل الأمد لنموٍّ اقتصادي مُتسارِع في البلدان الأكثر فقراً، عن طريق إعادة هَيكَلة الاقتصاد والحدّ من التدخّل الحكومي؛ بحيث عبّرت هذه السياسات عن نفسها بتدخّلات وإجراءات اقتصاديّة تمثّلت بدايةً بتخفيض الإنفاق العامّ، وبخاصّة الإنفاق الاجتماعي، للتقليل من العجز في الميزانيّة وتخفيض قيمة العُملة المحليّة، والحدّ من الضرائب على أصحاب الدخول المُرتفعة، ومنْع حدوث تضخّم اقتصادي في أسواقها مُقابل تخفيض الأجور؛ وهذا فضلاً عن سعيها لخفْض الرسوم الجمركيّة على الوارِدات وزيادة التجارة الحرّة بفتْح اقتصاديّات الدول المُستدينة أمام المُنافسَة الأجنبيّة، ناهيك بتشجيع نظام الخَصْخَصة الذي يهدف إلى خَصْخَصة الصناعات المَملوكة من الدولة وتحويلها إلى القطاع الخاصّ، بما في ذلك الخدمات العامّة، كقطاعَيْ الصحّة والتعليم.

وقد تعدّدت التوجّهات العالميّة حيال هذه السياسات وأهدافها. فرأى البعض أنّها مجموعة من الإجراءات الاقتصاديّة الإصلاحيّة التي يفرضها صندوق النقد الدولي (IMF) والبنك الدولي (World Bank). فهذه السياسات، بحسب نبيل دبور، تهدف إلى الوصول بالاقتصاد إلى حالة الاستقرار، من خلال مُعالَجة الاختلالات الماليّة والنقديّة التي يعاني منها، وإزالة الضوابط الحكوميّة، وتعزيز المُنافَسة في السوق كجزء من جدول أعمال الليبراليّة الجديدة التي يتّبعها البنك الدولي، وكذلك تحقيق نموّ مستمرّ بإجراء تعديلٍ على هيكل اقتصاديّات تلك الدول عن طريق قروض أو إعانات الفائدة المُنخفِضة. ويُمكن القول هنا إنّ هذا ما تضمّنته نظريّة التحديث التي تناولها دانييل ليرنر حول أثر العوامل الخارجيّة التي عُرفت بالصدمات الخارجيّة غير المباشرة، كالقروض والمُساعدات الماليّة من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وإسهامها في إحقاق التنمية في البلاد الساعية إلى التحديث، كون هذه الدول تفتقر إلى الآليّات الوطنيّة أو المحليّة التي ستمكّنها من تحقيق هذه التنمية الاقتصاديّة.

أمّا البعض الآخر، أمثال جيا سايسون Jiah.L.Sayson، فرأى أنّ هذه السياسات هي المُسبِّب الأساس للكثير من المشكلات العالميّة مثل البطالة والفقر؛ فالدَّين أو القرض هو أداة فعّالة تَضمن الحصول على المواد الخامّ من البلدان النامية التي تفتقر إلى بنية تحتيّة قويّة في الصحّة والتعليم وغيرها من القطاعات المهمّة اللّازمة لاستدامة الحياة الكريمة لشعوبها. وبالتالي، فإنّ هذه السياسات تشجِّع أعداداً من الدول النامية على التنافُس على أسواق التصدير التي انكمشت أصلاً نتيجة هذه التنافسيّة التي تتطلّب تصدير كمّيات ونوعيّات محدَّدة من المُنتجات والبضائع إلى الأسواق الخارجيّة، وذلك بسبب الحماية التي تفرضها الدول المتقدّمة على أسواقها. ثمّ إنّ تطبيق هذه السياسات أدّى إلى افتقار الدول النامية إلى النقد الكافي للاستثمار في تنويع مُنتجاتها المصدَّرة لتدخل نتيجة ذلك في أزمات اقتصاديّة جديدة ومستمرّة دفعتها إلى رفع مديونيّتها للبنك الدولي، بينما تتمتّع الدول المتقدّمة بثروات ضخمة. وبحسب هذا الرأي نفسه، فإنّ السياسات الاقتصاديّة ألقت بتأثيراتها السلبيّة بشكلٍ أساسيّ على الفئات الأكثر تهميشاً في مجتمعات الدول النامية، وبخاصّة النساء اللّواتي انضمَمن إلى أسواق العمل المحليّة ليعملْن قسراً- نتيجة الفقر المدقع- لساعات طويلة ضمن ظروف عمل قاسية تفتقر إلى الحدّ الأدنى من الحقوق الإنسانيّة، وبخاصّة في القطاعات التي تمّت خصْخصتها عبر تحويلها إلى القطاع الخاصّ الذي لا تحكمه بطبيعة الحال قوانين العمل الحكوميّة وأنظمته، وذلك مقابل أجور منخفضة للغاية حَصرت عمل النساء في العمالة غير الماهرة.

البطالة والتمييز الجندريّ: تركيا أنموذجاً

تُعدّ البطالة من أهمّ المشكلات التي تُواجِه دول العالَم النامية في العصر الحالي، وقد تناولتها سياسات التكيّف الاقتصادي الصادرة عن البنك الدولي بوصفها أحد مسببّات الأزمات الاقتصاديّة في دول العالَم الثالث. وهذا فضلاً عن التأثير السلبي للبطالة، من النواحي الاجتماعيّة والسياسيّة والصحّية، على كلا الجنسَين.

غير أنّ عدداً من الدول النامية استثمرت هذه السياسات وكيّفتها بما يخدم مصالحها ويلبّي احتياجتها عبر تجارب ناجحة، نذكر منها التجربة التركيّة التي شكّلت نموذجاً يحتذى به لجهة تحقيق نموّ رائد امتلك القدرة على الحدّ من النِسب المرتفعة للبطالة. لكن، على الرّغم من ذلك، برزت فجوة جندريّة كبرى بين الرجال و النساء في سوق العمل. فحال تركيا الزراعيّة بعد قيام نظامها الجمهوري منذ عشرينيّات القرن الماضي حتّى مطلع ثمانينيّاته لم يكُن كما هو عليه اليوم؛ إذ تظهر تركيا اليوم كدولة عظمى في منطقة الشرق الأوسط، وذات تأثير سياسي واقتصادي في المنطقة، تتدخّل لحلّ النزاعات الدوليّة وتقدّم مُساعدات ماليّة بعدما سدَّدت معظم ديونها للبنك الدولي، نتيجة تطبيقها سياسات التكيّف الهَيكلي وجذْبها رؤوس أموال ضخمة وتنفيذها استثمارات مهمّة على أراضيها، ما ساعدها على استيعاب أعدادٍ كبيرة من الخرّيجين الذين كانوا يشكّلون نقطة ضعف لافتة في اقتصادها، وذلك من دون أن تخضع لهَيمنة أو تبعيّة خارجيّة. حدث هذا كلّه بسبب رسم تركيا استراتيجيّة تنمويّة أُخضعت لتطبيق عَمليّ، بحيث وصفها المراقبون بـ"المعجزة التركيّة"؛ إذ احتلّت تركيا المرتبة 17 على مستوى العالَم من ناحية حجم النموّ الاقتصادي الذي حقّقته.

إلّا أنّ هذا الاهتمام التركي باستيعاب الخرّيجين والعاطِلين عن العمل لم يكُن مُساوياً لكلا الجنسَين، فقد ظهرت فجوة جندريّة كبيرة في سوق العمل التركي بين النساء والرجال، وهذا ما أكّدته الإحصاءات الرسميّة التي صدرت في العام 2009 عن جهاز الإحصاء التركيّ الذي أظهر أنّ ما نسبته 26% من النساء يَعملن في سوق العمل مقابل 71% من الرجال. كما أنّ أكثر من ثلث النساء العاملات يعملن من دون أجر في نطاق العمل الأسري الزراعي في المناطق الريفيّة المهمَّشة أصلاً. وتكمن الإشكاليّة الأهمّ في أنّ نسبة النساء العاملات في سوق العمل التركي لم تزد سوى 4% عن نِسب النساء العاملات في سوق العمل التركي في العام 1988، واللّواتي كنّ يعملن في الظروف الاقتصاديّة الصعبة والمديونيّة العالية التي كانت تركيا تعاني منها في الثمانينيّات، مُمقارنةً بالأوضاع الاقتصاديّة الأفضل والانتعاش الذي وَسم الاقتصاد التركي منذ تسعينيّات القرن الفائت حتّى بداية القرن الحادي والعشرين.

تجدر الإشارة إلى أنّ تركّز عمل النساء في القطاع غير الرسمي في تركيا، وخضوعهنّ لظروف عمل قاسية وللاستغلال، بسبب عملهنّ لساعات طويلة بأجور مُنخفضة، مقارنةً بظروف عمل الرجال دفَع العديد من النساء التركيّات إلى العزوف عن العمل. وقد أكّد الباحث التركي lkkaracan أنّ حوالى نصف النساء التركيّات دخلن سوق العمل في إحدى مراحل حياتهنّ ولم يبقين فيه أكثر من بضع سنوات.

أخيراً، يبدو أنّ أولويّة تنمية النساء وتمكينهنّ ما زالت غير مُدرجة في سياسات الكثير من الدول التي استطاعت أن تمثِّل نموذجاً تنمويّاً ناجحاً كالنموذج التركي. ويبدو أنّ استبعاد النساء عن قطاع العمل الرسميّ ومن الخطط والاستراتيجيّات الاقتصاديّة في تركيا أفضى إلى توجيههنّ إلى القطاع الخاصّ الذي استغلّهن لتتعزّز بالتالي السيطرة الذكوريّة أو الأبويّة عليهنّ، وليبقَين ضمن الفئات المهمَّشة في المجتمع.

*باحثة في التنمية – فلسطين

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف