العراق يُواجِه تحدّيات الاستثمار وتمويل الإعمار

%d8%b9%d8%af%d9%86%d8%a7%d9%86-%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85%d8%a9

 

عدنان كريمة*

سجَّل مؤتمر الكويت لإعادة إعمار العراق (بين 12 و14 شباط / فبراير 2018 ) نجاحاً كبيراً بحضورٍ دوليّ كثيف، ومُشاركة 76 دولة ومنظّمة إقليميّة ودوليّة، و51 صندوقاً تنمويّاً ومؤسّسة ماليّة، و107 منظّمات غير حكوميّة، فضلاً عن أكثر من 1580 شركة استثماريّة من جنسيّات مختلفة، تعكس رغبة عربيّة ودوليّة للاستثمار في العراق. ولكن يبدو أنّ حساب "الحقل" لم يأتِ بنتائج جيّدة لحساب "البيدر"، حيث حملت نتائج المؤتمر سلسلة "خيبات أمل" للعراقيّين، وعكسَت ضعف ثقة المجتمع الدوليّ والمُستثمرين العرب والأجانب بمناخ الاستثمار غير المشجِّع في العراق.

ذهبت حكومة بغداد برئاسة حيدر العبادي الى المؤتمر حاملةً خطّة لإعادة إعمار العراق بتكلفة قُدِّرت بـ 100 مليار دولار، على أن يتمّ تمويل العمليّات عبر ثلاثة مسارات، الأوّل من خلال الموازنات الاستثماريّة وبَرامج تنمية الأقاليم، والثاني من خلال المنح والقروض الدوليّة التي تقدّمها الجهات المانِحة، والثالث من خلال فتح آفاق الاستثمار. وتهدف الخطّة إلى تحقيق التنمية المُستدامَة، والوصول إلى عراق آمن ومستقرّ، باعتماد بَرنامج التنمية الخمسيّة 2018- 2022، مع بَرنامج إعادة الإعمار لعشر سنوات بدءاً من العام الحالي، وكذلك اعتماد استراتيجيّة للتخفيف من الفقر، واستراتيجيّة لتطوير القطاع الخاصّ لغاية العام 2030.

الجهات المانِحة

في اليوم الأوّل للمؤتمر، أعلن العراقيّون أنّ احتياجات بلدهم تبلغ نحو 88 مليار دولار، أي أقلّ من تكلفة إعادة الإعمار المقدَّرة بـ 100 مليار دولار، وربّما تمّ تحديد مبلغ الاحتياجات على أن تُسهِم إيرادات الخزينة بالمبلغ الباقي، ولكنّهم فوجِئوا في ختام المؤتمر بجمع مبلغ 30 مليار دولار بين هِبات وقروض واستثمارات، تعهَّدت بها الجهات المانِحة، من دول ومنظّمات ومؤسّسات تمويل إقليميّة ودوليّة.

ويبدو أنّ إيران شاركت في المؤتمر كمُراقب لأعماله وقراراته، من دون أن تعلن عن أيّ إسهام في مشروع إعادة إعمار العراق، في حين بلغ إجمالي التعهّدات والمنح العربيّة نحو 7,5 مليار دولار بين قروضٍ واستثمارات وتمويل صادرات، منها خمسة مليارات من أربع دول خليجيّة ( الكويت، السعوديّة، قطر، الإمارات)، فضلاً عن 1,5 مليار دولار من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي. وتعهّدت تركيا بقيمة 5 مليارت دولار قروضاً وتسهيلاتٍ إئتمانيّة، ووقَّع العراق مع مصرف التجارة الخارجيّة الأميركي على اتّفاقية تمنح بغداد قروضاً بنحو 3 مليارات دولار، وأعلنت بريطانيا أنّها ستمنح بغداد تسهيلاتٍ إئتمانيّة في مجال الصادرات تصل إلى مليار دولار سنويّاً ولمدّة عشر سنوات؛ كذلك وقَّع العراق والبنك الدولي مشروعَين بقيمة 510 ملايين دولار، مخصَّصة لتحسين ظروف عيش العراقيّين، فضلاً عن بَرنامج يموّله البنك بقيمة 750 مليون دولار، ما يرفع إجمالي تعهّدات البنك في العراق إلى4,7 مليار دولار. أمّا دول الاتّحاد الأوروبي، فقد قدَّمت 1,14 مليار دولار مساعدات وقروض.

خيبات أمل

في أوّل ردّ فعل على إعلان التعهّدات الماليّة، قال وزير الخارجيّة العراقي إبراهيم الجعفري " المَبالغ المخصَّصة ستُسهِم في إعادة الإعمار، لكنّها لن تسدّ الحاجة". ويغطّي المبلغ الذي تعهّدت به الجهات المانِحة 30 في المائة فقط من تكلفة مشروع الإعمار، حتّى أنّ قيمة مساعدات المنح المجّانية ضئيلة، وتكاد لا تُذكر، إذ تصل إلى نحو مليار دولار، بينما كانت بغداد تأمل في الحصول على أضعاف هذا المبلغ. أمّا المبلغ الباقي والبالغ نحو 29 مليار دولار، فهو عبارة عن قروضٍ استثماريّة، معظمها مشروط بخطوط إئتمان ، وتمويل صادرات من الدول المانِحة، أو مشاريع محدَّدة ومُبرمَجة وفق صندوق النقد والبنك الدوليّين، مع العلم أنّ تحقيق هذا النوع من الاستثمار يُواجِه تحدّيات وصعوبات في ظلّ "أجواء الفساد" القائمة، فضلاً عن حالة الاضطراب الأمني والسلاح المتفلِّت، وتأثير نفوذ إيران على "موقع بغداد" في اتّخاذ القرار العسكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي . ويرى المراقبون، ومعظمهم من المُستثمرين العرب والأجانب، أنّه على الرّغم ممّا يتمتّع به رئيس الحكومة العراقيّة حيدر العبادي من صدقيّة شخصيّة من قبل المجتمع الدولي، ومؤسّسات التمويل، إلّا أنّه لم يستطع تبديد وقائع سلبيّة تُفرمل اندفاع الخارج نحو اعتبار العراق الدولة على طريق التعافي من أمراض مستمرّة، وتعيق توافقه السياسي ونهوضه الاقتصادي والاجتماعي، وهي تكمن في سلبيّات التغلغل الإيراني في كلّ مَفاصل الحكم، وكذلك انتشار الميليشيّات المذهبيّة. وإذا كان بعض العراقيّين يقبلون هذا الواقع ويسكتون عنه، فإنّه لا يُمكنهم حمل العالَم على القبول به، وهُم يعلمون أنّ معظم دول العالَم، وخصوصاً الدول العربيّة، هي ضدّ تدخّلات إيران بأسلوب "تصدير الثورة"، أو بثقافة الشحن المذهبي، وتعتبرها استثماراً في إفقارٍ مُستدام للعراق، وعائقاً أمام قيام دولته ونظامه.

وفي ظلّ هذه الأجواء غير المشجّعة للاستثمار، كان الوفد العراقي يسعى إلى جذب المُستثمرين الذين يخشون مخاطر الأوضاع الأمنيّة، وأعلن رئيس الهيئة الوطنيّة للاستثمار سامي الأعرجي أمام ممثّلين عن شركات في القطاع الخاصّ، في ندوة تحت عنوان " استثمِر في العراق"، أنّ العراق مفتوح للمُستثمرين، وقال " نعرض الاستثمار في معظم القطاعات، من الزراعة إلى النفط والمَساكن ومحطّات الطّاقة والمطارات وسكك الحديد والقطارات والطرق"، ومؤكّداً على " وجود 212 مشروعاً خصَّصتها بغداد للمُستثمرين المحلّيين والدوليّين، وهي تشمل حماية قانونيّة"، مع الإشارة إلى أنّ العراق ينوي إقامة أربع مناطق حرّة خلال السنوات العشر المُقبلة.

مُحاربة الفساد .. وضبط الإنفاق

يكاد يتّفق معظم العراقيّين، على أنّ التحدّي الأكبر الذي يواجه عراقهم ويعيق إعادة إعماره، هو تفاقُم الفساد بكلّ أنواعه، وخصوصاً "الفساد المالي والإداري"، الذي ارتبط بالدولة ومؤسّساتها منذ الأيّام الأولى لإطاحة حُكم البعث في العام 2003، ولم يقتصر الفساد على العراقيّين فقط، بل شمل ضبّاطاً أميركيّين كباراً، كانوا مسؤولين عن مشاريع إعادة الإعمار، وفي العام 2005، صدر تقريرٌ للمفتّش العامّ الأميركيّ، اتّهم فيه رئيس الإدارة الأميركيّة بول بريمر بتبديد تسعة مليارات دولار. وفي العام 2007 خضع المفتّش العامّ لعمليّة إعادة الإعمار ستيوارت بوين للتحقيق بتهمة إساءة التصرّف في أموالٍ عراقيّة وأميركيّة. وفي 30 تمّوز (يوليو) من العام نفسه كشف تقرير أميركي أنّ الحكومة العراقيّة فشلت في تولّي مسؤوليّة بَرنامج إعادة الإعمار، وأنّها تُواجِه صعوبات في إدارة ميزانيّتها، وبخاصّة قطاعات النفط والأشغال العامّة والتعليم. ووفق مَصادر برلمانيّة، أهدرت الحكومة السابقة (حكومة نوري المالكي) نحو تريليون دولار خلال عشر سنوات (2004 – 2014) منها 800 مليار دولار من موازنات العراق النفطيّة، ونحو 200 مليار دولار، مِنح ومُساعدات.

ومنذ ذلك التاريخ بدأ يتراكم العجز المالي لموازنات السنوات اللّاحقة (2015 – 2017)، وتزايد هذا العجز مع تراجُع إيرادات النفط نتيجة انخفاض سعر البرميل، حتّى أنّ موازنة العام الحالي البالغة 88 مليار دولار تحمل عجزاً يزيد على 11 مليار دولار، سيتمّ تغطيته عن طريق الاقتراض من الأسواق الماليّة والمؤسّسات الدوليّة.

لقد واجه العراق مخاطر على مستوى الأمن والمؤسّسات، هي الاْعلى بين كلّ الدول السياديّة، وكنتيجة طبيعيّة لتدهور وضعه المالي تراجَع تصنيفه الائتماني إلى درجة "سلبيّة" ما اْفقده ثقة دوليّة، أدّت إلى فشله في محاولات كثيرة، للاقتراض بإصدار سندات يطرحها في الأسواق العالميّة، بسبب تكلفتها المرتفعة، ولكنّه نجح بعد ذلك بالحصول على قروض عدّة بدعْم من الولايات المتّحدة والبنك الدولي، وبعد خضوعه لشروط قاسية فرضها عليه صندوق النقد الدولي، واْهمّها: إصدار قانون للإدارة الماليّة، إدخال هيئة النزاهة كطرف فاعل في المُتابعة المستقلّة لإنفاق الدولة، اعتماد وثيقة الأُمم المتّحدة بمُكافحة الفساد، منع تهريب العملة الأجنبيّة، ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، تقييد وزارة المال بأُسس جديدة وإخضاع الديون الخارجيّة والداخليّة للتدقيق.

وعلى الرّغم من ذلك كلّه، لم تتمكّن حكومة بغداد من مكافحة الفساد الإداري والمالي، ولم تتّخذ الإجراءات الحازمة والحاسمة الكفيلة بردع عمليّات الفساد المتواصلة من دون انقطاع، وبمُلاحقة كبار الفاسدين المُرتبطين عادةً بالقوى والأحزاب المتنفّذة في السلطة، حتّى أنّ مجلس النوّاب شرَّع قبل أشهر قليلة قانوناً للعفو العامّ، مكَّن العديد من الفاسدين من الإفلات من العقاب. والأغرب من ذلك، هو أنّ الكبار بين هؤلاء كوفِئوا بإعادتهم إلى مناصبهم في الدولة. مع العِلم أنّ العراق احتلّ في العام الماضي المرتبة 166 من بين 176 دولة على لائحة البلدان الأكثر فساداً التي تُصدرها منظّمة الشفافيّة الدوليّة.

تبقى الإشارة إلى أنّ الرئيس حيدر العبادي أقرّ في كلمته أمام المؤتمرين في الكويت بوجود فساد في الدولة العراقيّة، لكنّه تعهّد بمحاربته "كما حاربنا الإرهاب"، ووصفه بـ "الآفة الخطيرة" التي لا تقلّ خطورة عن الإرهاب، بل إنّها أحد الأسباب لنشوئه. ولكن هل تستطيع حكومته تحقيق هذا الإنجاز الكبير؟ الجواب بعد الانتخابات المقرَّرة في أيّار (مايو) القادم، على أمل أن تساعده نتائجها في تحقيق حلمه، الذي قد يتطلّب التنسيق مع مؤسّسات دوليّة مثل "الأنتربول".

*كاتب ومُحلِّل اقتصادي من لبنان

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف