عبد الفتّاح كيليطو.. بين ماضي النصّ ومستقبله

%d9%85%d8%a7%d8%ac%d8%af-%d8%b5%d8%a7%d9%84%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d9%85%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a

 

ماجد صالح السامرّائي*

الحوار، هل هو البُعد الأعمق للكتابة؟

غير مرّة طرحتُ هذا السؤال على نفسي، وأنا أجري حواراً مع ناقدٍ أو مفكّرٍ، مع شاعرٍ أو روائيّ، مع رسّام أو مسرحيّ… إلخ. وقد سمعتُ من غير طرف حاورته، أنّه ما كان ليتحدّث، أو يكتب، في ما تحدّثنا فيه، لولا أسئلتي التي طرحتها عليه، ما زاد من ثقتي بأنّ الحوار، إذا توافرت له أُسس المَعرفة الكافية بمَن تُحاوِر، وما تُحاوره فيه، فإنّك إنّما تكرِّس "شكلاً أدبيّاً" يتعيّن من خلاله اكتشاف أو إعادة اكتشاف "الذّات المُحاوَرة".

كِتاب "كيليطو.. مَوضع أسئلة"، الذي وَضَعته الكاتبة أمينة عاشور، ونقله إلى العربيّة عبد السلام بنعبد العالي (دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 2017)، كِتاب/ حوار يضعنا في مُواجَهة متأنيّة مع كاتِب/ ناقد تميَّز بالتأنّي في ما قدَّم من قراءات حداثيّة، فكراً وتوجّهات، في التراث العربي، بدءاً من "الأدب والغرابة"، و"المَقامات والأنساق الثقافيّة"، و"الكِتابة والتّناسخ"، و"العَين والإبرة"، و"لسان آدم"، و"أبو العلاء المعرّي أو متاهات القول".. وصولاً إلى "من شرفة ابن رشد"، و"الأدب والارتياب". وفي هذا التعدّد، تصفه مُحاورتُه بأنّه كاتب " قادر على أن يلعب".. وهو، كما يقول عنه أندريه ميكيل "يلعب بالصور المتعدّدة التي يُمكن أن تتّخذها الكلمات، وبانشراح نادر"، الأمر الذي يؤكّده الكاتِب المغربيّ عبد الفتّاح كيليطو، بشخصه، من أنّه " لولا وجه اللّعب، الذي تتّخذه الكِتابة، لما كتبتُ". فهو، في ما يكتب، يلعب "بالكلمات والصور والذاكرة".

وإذا كانت القراءة تتمّ عنده "بهدف الوصل"، فإنّ الحوارَ معه بقدر ما يُكاشِف ثقافيّاً، فإنّه "يكشف" عن "حالات" (منها ما يتعلّق بالرؤية والتفكير)، و"قراءات" خلّفت آثارها عليه قبل أن يُغلق عليها الغلاف الأخير من الكِتاب المقروء. كما شكّلت، إلى حدّ ما، رؤيته للعالَم؛ فحتّى خطواته الأولى في القراءة والكتابة، كَشفت، أو كَشَف بها، عن " قدرة هائلة على التنقّل بين الأجناس الأدبيّة"، وإن كان المهمّ فيها، عنده، التحرّر "من القيود الأكاديميّة كي يجعل من الإبداع الفضاء الأمثل للتأمّل الأدبي". وما هذا الحوار إلّا طموح منه في أن "يفسح منفذاً غير معهود لفكره".
فإذا ما بدأ الحوار من تلك "الاستهلالات" التي تصدّرت معظم كُتبه، فلأنّ فيها "زبدة الكِتاب"، حتّى ليجد نفسه، وهو يجمعها بعضها إلى بعض، ويقرؤها بالتّتابع، أنّه رسم فيها نوعاً من التسلسل لمَساره الفكري، وإن كانت تحتاج حلّاً لـ" شيفرات اللّغز الذي تنطوي عليه"ـ إلّا أنّه أسند هذا إلى قارئه. فـ"السؤال عن أسرار النصّ" الذي يقرأ، أو يَكتب، قائمة في هذا الاستهلال".

والقراءة عنده تتعاقد ببُعديها: بُعد التعرّف والاستزادة، وبُعد الكتابة في ما يقرأ. فهو، قارئاً، "متأثّر بقراءات الطفولة ومطبوعٌ بها"، لذلك يجد نفسه يعود إليها إذا ما أراد تمثُّلَ طفولته.

كما أنّ للصور، في ما كان يقرأ، تأثيراتها، فبفضلها، كما يؤكّد، اكتسب " أصدقاء أوفياء، أبطالاً ذوي أسماء رنّانة، كنت أشاركهم مغامراتهم العجيبة". فالقراءة (أو " فردوس القراءة" كما يتعيّن عنده) تعبير عن الحقيقة التي يراها فيها، وهي طريقه إلى الاكتشاف، فمنها/ وبها اكتشف الأدب، كما اكتشف اللّغة.. ومن طريق القراءة بلغ النقد الأدبي، فضلاً عن كون القراءة فتحت له " أبواب الحداثة الأدبيّة".

وللقراءة، عند كيليطو، تقاليدها؛ فهو لا يُعيد قراءة كِتاب كان قد قرأه فأعجبه "خوفاً من أن تخيب" آماله من "بعد الإعجاب الكبير" الذي لا يزال يحتفظ به منذ أن تولّى قراءته للمرّة الأولى. ومن قراءاته تلك قراءته دوستويفسكي وكافكا اللّذَين وجد أنّنا، إذا ما قرأناهما، "نظلّ مدى الحياة تحت تأثير العالَم الذي يصِفانه، والمناخ الذي يفرزه ذلك العالَم". وإذ يجد نفسه، مرّة أو مرّات، "شخصيّة من شخصيّات دوستويفسكي" فإنّ هذه الشخصيّة هي "ألكسي إيفانوفيتش"، لاعب القمار، مؤكّداً ما يتّصل بشخصه: " أنا كذلك بمعنى ما، أُمضي وقتي في اللّعب بالكلمات، ومن أوراق لعبي، وهي قطع نردي ودواليب قماري". وأمام هذا يتساءل: "هل الأدب شيء آخر غير كونه كازينو شاسعاً؟".
إلّا أنّ قراءته لـ"رولان بارت" علّمته، كما يقول، " أنّ الأدب الخالِص لا وجود له، وأنّ تحليل نصٍّ أدبيّ يقتضي مَعرفة الأبحاث الحديثة في مجالات أخرى"، فالأدب، كما سيتمثّل له، "ملتقى مجموع المَعارف"، مؤكّداً أنّه من شدّة ما قرأ من نصوص، اكتسب "بعضاً من عاداته في الكتابة".

وهو إذ يقرأ يعترف بأنّ قراءته لكُتّاب يَصفهم بالعظمة، " قراءة تخضع لمَوقفٍ متحيّز".

هذا في ما يخصّ الكُتّاب المُعاصرين. أمّا قراءته للقدماء الذين أولاهم اهتمامه البحثيّ والإبداعيّ، فيدعونا إلى أن " ننظر إليهم بعيون مُغايرة"، ذلك أنّ ما تبيّن له، كما يؤكّد، هو " أنّ الكتّاب العرب في القرن العشرين هُم مجرّد تلاميذ حاذقين، جادّين، مُخلصين" لأسلافهم. ولا يجد فيهم شيئاً آخر غير هذا!.. فإنْ علّمونا فإنّهم علَّمونا، "بكيفيّة غير مباشرة، أن نُعيد قراءة الأقدمين، وننظر إليهم بعيونٍ مُغايرة".

أمّا بالنسبة إليه، فإنّ الأقدمين "مصدر إلهام وسند"؛ وعلى ذلك، فهو يُدين " لهم بالشيء الكثير"، بل يذهب إلى الاعتراف بأنّهم أهدوا إليه كُتبه. فعندما اكتشفهم، ووقف أمامهم، كان مِثْلُهُ مِثْلَ طفل " أمام صندوق مملوء بالكنوز التي لا تُقدّر بثَمن".. فقد وَجَد نفسه "أمام أدب جديد، غريب (…) لأنّه ينتمي إلى زمانٍ آخر، ومكانٍ آخر"، مؤكِّداً على/ ومنبِّهاً إلى غزارة " كنوز النقد الأدبيّ"، وعظمة "بلاغة تلك العصور الماضية" التي وَجَد نفسه، وهو يخوض في دراستها، يتعلّم النظر " إلى الأساليب والتيّارات الأدبيّة بنَوعٍ من النسبيّة".

وإذا كان كِتابٌ مثل "اللّيالي" كِتاباً " لا ننفكّ نعود إليه" على تواصل قراءاتنا له بحسب أعمارنا، فذلك لأنّه، كما يجده كيليطو، " في صيرورة متواصلة".. ففي كلّ قراءة، وفي كلّ عمر، " يكون هو نفسه وشيئاً آخر"، ذلك أنّ " كلّ تجلٍّ من تجلّياته لا يقرّ له قرار، فهو يُقيم بين بين، بين ماضي النصّ ومستقبله".

أمّا إذا اندفع إلى التأمّل في واقع الكاتِب، والشاعر، فسيجد عالَمَ كلّ منهما ينطوي على "سرٍّ" يعمل "على صونه، بحيث يكون هو الوحيد المؤتمَن عليه، لأنّه الدعامة التي تقوم عليها أعماله". و" البَوح بالسرّ، من شأنه أن يمسَّ أعماله ويخونها، الأمر الذي قد يعرّضها للانهيار". فإذا ما نظر في شخصيّة مثل شخصية "المعرّي"، وجد أنّ الأدب كان "عقيدته العميقة وهواه الوحيد…".

إنّ الكاتِب عنده، بأيّ لغة كَتب، إنّما يكتب لغته التي وصفها كاتِبٌ مُعاصر له بـ" اللّغة المُضمرة"، مشيراً إلى أنّه حتّى حين يقرأ كُتباً بلغاتٍ أخرى، يتلقّاها بلغته؛ فلُغة الكاتِب تشدّه إلى سلطتها.

فهو، كاتباً، نجده يُعنى بما تدعوه محاورته بـ"الغرابة المُقلِقة"، مستعيرةً تعبيرها من "فرويد"، ليؤكِّد، من طرفه، أنّها هي ما يسعى، جهداً إلى خلقه: "مناخ من اللّبس والتردّد والبلبلة يُتيح للقارىء إمكانات مُختلفة للتأويل.."
فما يكتبه، مرتبط عنده بالحلم الذي هو، كما التضادّ البلاغيّ، "يجمع بين المألوف والغريب". أمّا الكيفيّة الي يتولّد فيها "النصّ"، فيعرضها على النحو الآتي:

"أنطَلِقُ من صورة، من كلمة، وأطرحُ بناءً على ذلك افتراضات عدّة. قد يستغرق ذلك مدّةً طويلة، إلى أن يأتي وقتٌ يُفتح لي افتراضُ الطريق نحو نتيجةٍ مقبولة غالباً ما تكون غير متوقَّعة. عندئذٍ أُنحّي الافتراضات الأخرى، وأعود لتناول الكلّ.. كلّ نصٍّ من نصوصي، مَهما كان صِغَره، يأخذ منّي سنوات عمل. ولا أنشره حتّى أشعر أنّه أصبح ضروريّاً".

وهذا ما يكشف عن أنّ الكتابة، كما القراءة، عنده "تمثّل ضرورة".. فهما "رغبتان وعمليّتان لا فاصل بينهما". وأمامهما يتساءل: "عمّاذا تتحدّث أعمالي السرديّة والنقديّة، أللّهمّ إلّا عن قراءاتي؟". وفي القراءة نجده يُفضّل الكتّاب الذين تكون أعمالهم " أدباً كُتبَ عن طريق الأدب"، بحسب عبارة "ميلان كونديرا"؛ وهو ما سعى إلى تحقيقه في مُعظم ما كَتَب.

*كاتب وناقد من العراق

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف