استثمار العراق في العُمق الاستراتيجيّ العربيّ

%d8%b9%d8%af%d9%86%d8%a7%d9%86-%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85%d8%a9

 

عدنان كريمة*      

العراق الذي كان بين ستّ دول أسَّست جامعة الدول العربيّة في أربعينيّات القرن العشرين، يرى على مرّ التاريخ عمقه الاستراتيجيّ في الوطن العربيّ كلّه من المحيط إلى الخليج، كما يرى أنّ موقعه الجغرافيّ مع محيطه يساعده على تحقيق مصالحه في الاستقرار السياسيّ والأمنيّ والنهوض الاقتصاديّ والاجتماعيّ، وخصوصاً في انفتاحه الكبير على السعوديّة والأردن. وقد بدأ السعي لاستعادة دَوره، منذ وصول حيدر العبادي إلى رئاسة الوزراء بنهاية العام 2014؛ بحيث أسهَم ذلك في ترطيب العلاقات تمهيداً لتعزيزها، وتوفير الاستقرار الذي يُعَدّ أحد أهمّ العوامل الجاذِبة للاستثمارات العربيّة والأجنبيّة، وهو في أمسّ الحاجة إليها في السنوات المُقبلة التي ستشهد مرحلة إعادة الإعمار.

العلاقات بين العراق والسعوديّة مرَّت بفترات عدّة تراوَحت بين التقارُب والتباعُد، بحسب التطوّرات السياسيّة والأمنيّة التي تتحكّم بها؛ فبعد أن كانت قبل العام 1990 متميّزة وقويّة، حدثت قطيعة بينهما بعد ذلك التاريخ، ثمّ تحسَّنت بنهاية العام 2014، لكنّها لم تسجِّل خطوات فعليّة إيجابيّة إلّا في العام 2017.

في 25 شباط ( فبراير) 2017 زار وزير الخارجيّة السعوديّ عادل الجبير بغداد، والتقى رئيس الوزراء حيدر العبادي، وكانت أوّل زيارة لوزير خارجيّة سعوديّ للعراق منذ نحو 27 عاماً، وسلَّم الجبير في هذه الزيارة للعبادي دعوةً رسميّة من خادم الحرمَين الشريفَين الملك سلمان بن عبد العزيز لزيارة المَملكة.

في 19 حزيران (يونيو) 2017 زار الرئيس العبادي السعوديّة، والتقى الملك سلمان في مسعىً لإقناع الرياض بالاستثمار في العراق، والمُساعدة في إعادة إعمار العديد من المُدن التي دمّرتها الحرب ضدّ "داعش".

في تمّوز (يوليو) 2017 أعلن وزير النقل العراقي كاظم فنجان الحمامي عن اتّفاق بين البلدَين، لإعادة فتْح المَنافذ الحدوديّة بينهما في أيلول (سبتمبر) 2017، وإعادة تشغيل خطّ سكّة الحديد المتوقّف منذ عقود، وكذلك الاتّفاق على استئناف حركة الطيران بينهما.

في تلك الفترة، زار زعيم التيّار الصدري مقتدى الصدر السعوديّة، بدعوة رسميّة، وكانت الأولى له منذ آخر زيارة قام بها للرياض قبل 11 عاماً، وقد التقى وليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان في جدّة، واستعرضا معاً تطوّر العلاقات بين البلدَين، والقضايا ذات الاهتمام المُشترَك.

في 21 تشرين الأوّل (أكتوبر) الفائت، زار الرئيس العبادي السعوديّة على رأس وفد حكوميّ كبير ضمَّ عدداً من الوزراء ووكلاء الوزارات وعشرات المُستشارين، وجرى اجتماعٌ مع كِبار المسؤولين السعوديّين، تمّت خلاله مُناقشة خطّة عمل تنفيذيّة، واتّخاذ خطوات سريعة لتعزيز العلاقات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة وحركة التجارة البَيْنيّة والفُرص الاستثمارية بين البلدَين، ومُعالَجة التحدّيات بفِرَقٍ مُشترَكة تعمل بشكلٍ مستمرّ لتذليل الصعوبات. وتمّ توقيع محضر اجتماع مجلس التنسيق السعودي – العراقي الأوّل، الذي عُقد برعاية الملك سلمان والرئيس العبادي، وحضور ريكس تيلرسون وزير الخارجيّة الأميركيّ.

المَنافذ التجاريّة وفُرص الاستثمار

في الأسبوع الأخير من تشرين الأوّل (أكتوبر)، أُقيم معرض بغداد الدولي في دَورته الـ 44 بمُشاركة 18 دولة، ونحو 400 شركة محلّية ودولية، وبمعدّلٍ وسطيّ بلغ 22 شركة لكلّ دولة. لكنّ المُشارَكة السعوديّة كانت كثيفة، وتميّزت بجناحٍ كبير ضمَّ أكثر من 60 شركة تجاريّة وصناعيّة، الأمر الذي توقَّع معه المراقبون أن يتضاعف حجم الحركة التجاريّة في العام الحاليّ بين البلدَين، وخصوصاً في حال تمّ فتح مَنفذ "عرعر" الحدوديّ، الذي أحالته الشركة العامّة للنقل البرّي العراقيّة إلى الهيئة الوطنيّة للاستثمار، وإنشاء منطقة للتبادُل التجاريّ، وذلك بعد استكمال المُوافقات الأصوليّة كافّة، وتخصيص قطعة الأرض التي سيتمّ إنشاء المشروع عليها. وكان هذا المنفذ  بمثابة المَعبر البرّي الرئيس بين العراق والسعوديّة، إلى أن تمّ إغلاقه قبل نحو 27 عاماً، إثر غزو العراق للكويت في عهد الرئيس السابق صدّام حسين.

في العام 2014، مثَّلت الصادرات السعوديّة أعلى مستوياتها خلال الأعوام العشرين الماضية، بمستوى 3,4 مليار ريال؛ وبحُكم عدم وجود مَنافذ برّية مباشرة مع العراق، اقتصرَت الصادرات خلال العامَين 2015 و 2016 على منافذ برّية بديلة في دول الجوار، صُدِّر من خلالها 82 في المائة من إجمالي الصادرات السعوديّة الى العراق. وتصدّرت زيوت النفط الخام ومُنتجاتها، ومخالط العصائر، والفواكة والخضار والأجبان، أهمّ السلع السعوديّة المصدَّرة ، في مقابل السلع المُستورَدة من العراق، وأهمّها خرائط الألمنيوم، والصموغ، وحاويات النقل. وتعمل قيادتا البلدَين حاليّاً على تأسيس مرحلة جديدة من العمل التجاريّ والاقتصاديّ والاستثماريّ غير المحدود، وخصوصاً مع تنشيط عمل مجلس التنسيق السعوديّ العراقيّ الذي يشكِّل حجر الأساس في العمل والتخطيط، متوسّط وبعيد المدى. وقد توقَّع الدكتور سامي رؤوف الأعرجي رئيس الهيئة الوطنيّة للاستثمار العراقي، أن تشهد الفترة القليلة المُقبِلة إبرام اتّفاقية جديدة تتعلّق بحماية الاستثمار المُشترك، وأبدى تفاؤله بأن يُسهِم مجلس التنسيق في تعظيم التعاون الاقتصاديّ بين البلدَين، والاستفادة من فُرص الاستثمار التي توفّرها الخطّة الخمسيّة (2018 – 2022) في ظلّ اهتمام حكومة العبادي بالمشاريع الاستثماريّة التي تهدف إلى إعادة الحياة إلى المُدن المحرَّرة وبقيّة المُدن العراقيّة التي تشهد أيضاً نقصاً في الخدمات والمَرافق الترفيهيّة والإنتاجيّة.

أمّا بالنسبة إلى العلاقات العراقيّة- الأردنيّة، فيتطلَّع البَلَدان إلى تنشيط العمل في تشغيل معبر " طريبيل "، الذي سبق أن أُغلق منذ تمّوز (يوليو) 2015 لأسبابٍ أمنيّة تتعلّق بسيطرة "داعش" على المنطقة، ما أعاق حركة التبادُل التجاري بينهما. وقد تكبَّد أصحاب الشاحنات الأردنيّون نفقات باهظة، بسبب ارتفاع تكلفة النقل أربعة أضعاف ما كانت عليه، وذلك من نحو 1600 دولار للشاحنة إلى أكثر من خمسة آلاف، حيث تسلك الشاحنات الطريق من الأردن إلى السعوديّة، ثمّ تتّجه إلى الكويت، ليتمّ تفريغ البضائع في شاحنات كويتيّة، تنقلها إلى البصرة، وتستغرق الرحلة عشرة أيّام، مُقارنةً بيومَين عن طريق معبر "طريبيل". وبذلك، تَراجَع حَجم الصادرات الأردنيّة إلى العراق من 1,5 بليون دولار سنويّاً، إلى أقلّ من 600 مليون دولار، ما أدّى إلى تراجُع حركة الإنتاج في عددٍ من المَصانع، ووفق بيانات غرفة صناعة عمّان، تَراجَع عدد المصانع التي تصدِّر منتجاتها إلى الأسواق العراقيّة من 761 في العام 2014 إلى 568 منشأة في العام 2015.

مشاريع نفطيّة وخطوط الأنابيب

مع تراكُم العجز الماليّ في موازناته عن السنوات الماضية، وحتّى موازنة العام الحاليّ، على الرّغم من زيادة الإنتاج إلى نحو 3,7 ملايين برميل يوميّاً، يتطلّع العراق في خططه المسقبليّة إلى مُضاعفة الرقم ليصل إلى 8 ملايين برميل يوميّاً بين عامَي 2020- 2030. ولتحقيق هذا الهدف، يسعى إلى تطوير استثمارات الشركات العامِلة حاليّاً، وهي من جنسيّات مختلفة (أميركيّة، بريطانيّة، إيطاليّة، ماليزيّة، روسيّة، صينيّة)، وذلك بموجب عقود تمَّت في جولات التراخيص المتتالية، وخصوصاً أنّها مُلزَمة باستثمار أموالها لرفع القدرة الإنتاجيّة في الحقول المُنتجة والمُستكشفة.

وبما أنّ العراق بحاجة إلى أن يوازي عمليّة الإنتاج والتسويق، إذ لا يُمكن أن يكون هناك زيادة في الإنتاج مع قلّة في مَنافذ التصدير إلى الخارج، ولاسيّما أنّ عمليّتَي نقل النفط الثابت والمتحرّك، مهمّتان في التسويق،  وزيادتهما تعني زيادة في العائدات الماليّة، فإنّ العراق يعتزم مدّ شبكة خطوط أنابيب داخليّة لنقْل المُنتجات النفطيّة إلى أنحاء البلاد كلّها، وخارجيّة لتصدير النفط الخامّ إلى الأسواق العالَميّة، لتكون هذه الشبكة بديلاً لعمليّات النقل المُكلفة والخطيرة التي تتمّ حاليّاً بالناقلات.

من هنا تبرز أهمّية المُباحثات التي بدأت بين بغداد والرياض، لإعادة تشغيل خطّ أنابيب تصدير النفط العراقي عبر الأراضي السعوديّة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، والذي أغلق في العام 1990 بعد الغزو العراقي للكويت. وقد سبق أن تمّ مدّ هذا الخطّ في الثمانينيّات أثناء الحرب العراقيّة – الإيرانيّة، لتنويع مَنافذ التصدير، عندما كان كلٌّ من البلدَين يُهاجِم ناقلات البلد الآخر في الخليج. وتقدَّر طاقته بنحو 1,65 مليون برميلٍ يوميّاً، ويحقِّق إعادة تشغيله واستثماره مَصالح ماليّة واقتصاديّة للبلدَين.

إضافة إلى ذلك، هناك مشروع خطّ أنابيب بين مدينة البصرة في العراق ومدينة العقبة في الأردن، والذي وقَّع البلدان اتّفاقية تنفيذه في التاسع من نيسان (أبريل) 2013، على أن يُنجز خلال ثلاث سنوات، لكن لغاية الآن لم يبدأ تنفيذه بسبب الأوضاع الأمنيّة، وخصوصاً أنّ الخطّ سيمرّ داخل مُحافظة الأنبار التي كانت محتلَّة من قِبل تنظيم "داعش". وقد اتّفق البلدان مؤخّراً على تسريع خطوات التنفيذ.

ويمتدّ الخط على مسافة 1700 كيلومتر، ويُنفَّذ على مرحلتَين، الأولى من البصرة إلى حديثة في غرب العراق، والثانية من الحدود العراقيّة إلى ميناء العقبة الأردنيّ. وسينقل في الجزء الأوّل نحو 2,25 مليون برميل يوميّاً ، ومنه يكمل الجزء الثاني بنقل مليون برميل، يستفيد الأردن من 150 ألف برميل لتأمين حاجة مصفاته للإنتاج المحلّي، ويصدِّر 850 ألف برميل، وتقدَّر تكلفته بنحو 18 بليون دولار. ويوفِّر فُرص عمل لأكثر من ألف مهندس وعامل داخل العراق، وأكثر من ثلاثة آلاف مهندس وعامل داخل الأردن، وسيشكِّل بوّابة جديدة لتصدير النفط العراقي إلى دول العالَم. ومن المُرتقَب أن يقوم ائتلاف عالَميّ (كونسورتيوم)، بقيادة شركة صينيّة لمجموعة شركات أجنبيّة من جنسيّات مُختلفة، بتنفيذ المشروع.

ووفقاً للاتّفاق الأساسي، يتضمّن المشروع إنشاء خطّ أنابيبٍ للغاز لتشغيل محطّات الضخّ، فضلاً عن تزويد الأردن بما يحتاجه لتشغيل محطّات توليد الكهرباء. لكن يبدو أنّ العراق صَرف النَّظر عن هذا الخطّ  لأسبابٍ تتعلّق بخفْض التكاليف، وللإسراع في تنفيذ خطّ اْنابيب النفط، وكلَّف مطوِّر المشروع بالبحث عن بديلٍ لمحطّات الضخّ عوضاً عن الغاز، وبما يتناسب مع جدواه الاقتصاديّة.

*كاتب ومُحلِّل اقتصادي من لبنان

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف