أضواء على مشروع ”نيوم“ في السعوديّة

%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b3%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b3%d9%8a%d9%86%d9%8a

 

د. عبد الحسن الحسيني*

لم تكُن مصادفة عمليّة منْح هويّة المُواطَنَة السعوديّة للروبوت الأنثى "صوفيا" بعد المقابلة المثيرة معها أمام أعين آلاف المُستثمرين الذين حضروا المؤتمر الصحافيّ للإعلان عن إطلاق المشروع الاستثماريّ العملاق "نيوم" أو المستقبل الجديد (NEOM) في نظرة مُستقبليّة عمّا ستكون عليه هذه المنطقة من واحةٍ لتوطين الأفكار الذكيّة والجذّابة لأصحاب المُبادرات الخلّاقة.

جاءت إجابات "صوفيا" عن أسئلة مُحاوِرها ذكيّة ومُتكامِلة ومقرونة بتعابير نفسيّة على وجهها وحركات للجسد واليدَين والتفاتات وابتسامات مُوزَّعة هنا وهناك وتعرُّف على الوجوه، في إشارةٍ واضحة إلى رغبةٍ جامحةٍ في استخدام التكنولوجيا المتقدِّمة لصنْع المستقبل.

تمتدّ المنطقة المُخصَّصة لمشروع "نيوم" على مساحة 26.500 كم2 بين السعودية والأردن ومصر، وتطلّ من الشمال والغرب على البحر الأحمر، ومن الغرب على خليج العقبة، وتحيط بها من الشرق جبال بارتفاع 2500 متر، ويُمكن الوصول إليها من أيّ منطقة من العالَم خلال 8 ساعات كحدٍّ أقصى، وتمرّ بها أكثر من 10% من حركة التجارة العالميّة.

يهدف المشروع إلى توفير أفضل سُبل العيش والفُرص الاستثماريّة واستقطاب أفضل المَواهب من المَملكة العربيّة السعوديّة وخارجها، وسيزداد تعداد السكّان مُتأثّراً بالتطوُّرات العلمية والتكنولوجية المستقبليّة كالأتْمَتة والروبوتات، والتي ستُحِدّ من الأيدي العامِلَة القليلة الكفاءة لمصلحة قوى عامِلة رفيعة المهارة لشغل الوظائف الاستراتيجيّة والقياديّة، وتوفير خدمات إبداعيّة، وإنتاج سلع ومواد وأدوات ذات قيمة مُضافة، يدخل الفكر والذكاء في تكوينها وقادرة على الوصول مباشرةً إلى الأسواق العربيّة والعالميّة والمُنافَسة فيها.

ولتحقيق الأهداف الموضوعة، تمّ تحديد مجموعة من القطاعات الرئيسة تُشكِّل مُستقبل الحضارة الإنسانيّة والاقتصاد العالَمي، أهمّها:

  • الطّاقة والمياه: توليد طاقة نظيفة وتوفير مُعدَّلات مياه كافية
  • النقل والتنقُّل: ابتكار حلول ذكيّة للتنقُّل ذاتيّة القيادة والحركة
  • الرعاية الصحّية: توفير بيئة صحّية تُسهم في إطالة عُمر البشر والعيش برفاهية
  • التقنيات الحيويّة: ابتكار تقنيّات زراعية جديدة وتعزيز الأمن الغذائي
  • العلوم التقنيّة والرقميّة: التصنيع المتطوِّر وزيادة الإنتاج، وتوفير شبكات اتّصالات فائقة السرعة وخدمات حكومية مُتقدِّمة
  • الأمن والسلامة العامّة: ابتكار تقنيّات ذكيّة في مجال الأمن والسلامة العامّة
  • الإعلام: استخدام التقنيّات المُتقدِّمة في تطوير الإنتاج الإعلامي وتعزيزه
  • التعليم والعلوم: إنشاء جامعات ومراكز بحثية متطوّرة تُسهِم في التنمية والتقدُّم العِلمي

 

وذلك للاستثمار فيها من ضمن بيئة استثمارية جاذِبة لروّاد الأعمال وأصحاب المُبادرات الخلاَّقة والأفكار الذكيّة، ووفق أفضل الشروط والمُمارسات العالَمية لحماية الإنسان والمُستثمِر.

في مُقابل هذه الأهداف الكبرى، التي تُشكِّل مصدر فخر واعتزاز لكلّ مُواطن سعوديّ وعربيّ، وعلى الرّغم من الرعاية المُباشرة لوليّ العهد السعودي الأمير محمّد بن سلمان وتكامل المشروع مع رؤيته "رؤية 2030" للاقتصاد السعودي وتحديثه وتنويعه، يبقى التساؤل مشروعاً حول القدرة على مُواجَهة التحدّيات التي تعيق تحقيق الأهداف الموضوعة، والحلول المطلوبة لإنجاز مشروع "المُستقبل الجديد".

تاريخياً، لاقت جهود بعض القادة التاريخيين في التنمية والتطوير نجاحات مُتفاوتة، وارتبط التقدُّم الاقتصادي في بعض الدول بأسماء مطلقيها: فحركة التنمية والتصنيع في مصر الستينيّات جاءت بدعمٍ ورعاية مباشرة من الرئيس عبد الناصر. كما تُوِّجت جهود الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الرئيس الأسبق لدولة الإمارات العربيّة المتّحدة في تطوير بلاده بنجاح مُستمرّ؛ وأسهَم مهاتير محمّد في ماليزيا في تطوير الاقتصاد الزراعي لبلاده وتحديثه وجعْله اقتصاداً صناعياً متقدّماً. كما قاد دينغ هسياو بنغ ثورة الصين الصناعية والتكنولوجية لتُصبح من كبريات الاقتصاد العالَمي بعد سنين من التخلُّف والفقر؛ وفي سنغافورة وتايوان والبرازيل وتركيا وغيرها لاقت جهود قادتها نجاحات كبيرة. فهل سيتمكَّن قادة المَملكة العربيّة السعودية من رسْم سياسات التطوير والتحديث وتحقيق الأهداف الموضوعة للاقتصاد السعودي "رؤية 2030" وإنجاز مشروع المستقبل الجديد "نيوم".

بشكلٍ عامّ، ترتبط عمليّات التطوير الاقتصادي والتقدُّم العِلميّ بمجموعة من العوامل، بعضها قابل للتحقيق فوراً ويحتاج إلى قرارٍ سياسي، والبعض الآخر يحتاج إلى جهود حثيثة ومُتواصلة وإرادة قويّة، وأهمّها:

  • بناء نظام مؤسّسي مزوَّد بتشريعات وقوانين ونُظم تسمح بتعزيز الأداء الاقتصادي وتشجيع حركة الاستثمار وحمايته، وزيادة الإنتاج وتسويقه
  • بناء بيئة ثقافية واجتماعية وفكرية تسمح بتحديث المجتمع وتحريره من الموروثات والتقاليد غير المتوافقة مع التقدُّم العِلمي والتطوير الاقتصادي
  • تطوير منظومة تعليم وعلوم تَسمح بتوفير طاقات شبابيّة وتخريج قوى عامِلة ماهِرة وذكيّة
  • بناء بنية تحتيّة مُتطوِّرة في مجال الطاقة والمواصلات والاتّصالات، وتوفير الدعم الماليّ اللّازم لمُؤازرة مشاريع الاستثمار

لا شكّ أنّ القيادة السعودية وَعَت لأهمّية بناء البنى التحتيّة لمدينة " نيوم" وتطويرها، ولذلك رَصَدت مبلغ 500 مليار دولار للاستثمار فيها، كما أوْصَت بوضع تشريعات ونُظم وآليّات مُستقلّة عن تلك المُعتمدة في المَملكة، عدا السياديّة منها، لدعم حركة الاستثمار والتطوير، كما أنّ تداخل "نيوم" مع مصر والأردن ووجودها كمنطقة وَصْل بين أوروبا وأفريقيا وآسيا يفتح أمامها أسواقاً واسعة.

إلى مَن تتوجَّه مدينة "نيوم"؟

مع ذلك يبقى التساؤل مشروعاً حول: إلى مَن تتوجَّه مدينة "نيوم" لتحقيق الأهداف الكبرى المحدَّدة لها؟ إلى السعوديّين أو إلى العرب أو إلى مُواطني الدول المُتقدِّمة؟ فتجربة دبي ماثلة أمامنا حيث إنّ نسبة قاطنيها من الأجانب تفوق بأضعاف أضعاف قاطنيها من الإماراتيّين؛ وحيث إنّ معدّلات الهجرة إلى دول الخليج العربي قد بلغت أرقاماً قياسيّة وَصَلت إلى أكثر من 40% من سكّانها، فهي تُقارب 70% من سكّان كلّ من الكويت وقطر والإمارات، وحوالى 26% من مجموع سكّان السعودية والبحرين وعُمان. وتَسْتَحوِذ العَمالة الأجنبيّة على أكثر من 75% من وظائف القطاع الخاصّ، وخصوصاً التي تحتاج إلى مهارات عالية، بينما تُفضِّل معظم العمالة الوطنيّة العمل في القطاع العامّ لأسبابٍ عديدة تبدأ من المهارات وصولاً إلى العادات والتقاليد الاجتماعية.

في موازاة ذلك، جاءت معدّلات البطالة مُرتفعة في السعودية، على الرّغم من الحشد الهائل للعمالة الأجنبية فيها، حيث قَدَّرت إحصاءات صندوق النقد الدوليّ ومؤسّسة ديلويت للشرق الأوسط ومؤسّسة الخليج للاستثمار معدّلات البطالة (المصدر: وزارة التربية والتعليم السعوديّة، ومركز مدار للأبحاث والتطوير،  تقرير اقتصاد المعرفة في المَملكة 2014) بـ12.1% و25.9% و10.5% على التوالي، كما بلغت معدّلات البطالة لدى الشريحة العمرية 25-19 سنة حوالى 30%، وهذا ناجم ليس عن قلَّة الوظائف بل عن حالة اجتماعية تجعل المُواطن السعودي لا يُقبل على أعمالٍ معيّنة أو ليس لديه الخبرة والرغبة بالقيام بأعمال تحتاج إلى انضباط أو إلى مهارات ومَعارف مُتقدِّمة يحتاج إليها القطاع الخاصّ. ولقد أظهَر استطلاعٌ ميدانيّ أنّ 20% من الشباب الخليجي يعتقدون أنّ مؤهّلاتهم العلميّة التي اكتسبوها خلال مسيرتهم الدراسية تكفي لتولّيهم الوظائف التنافسية التي يطرحها القطاع الخاصّ، في حين يعترف 80% منهم بأنّ مستوى مهاراتهم وخبراتهم لا يسمح لهم بشغل هذه الوظائف (التقرير العربيّ السادس للتنمية الثقافيّة، مؤسّسة الفكر العربيّ، 2014).

وكان لافتاً، فضلاً عن ذلك، أنّ معدّل إنتاجيّة العَمالة الوطنيّة يتّسم بالانخفاض نسبةً إلى معدّل إنتاجية العَمالة الأجنبية. وفي تقريرٍ لشركة آسيا للاستثمار 2016، وَرَد أنّ نظام توطين العَمالة أوجَد حافزاً للشركات لزيادة اليد العامِلة المحلّية، ولكنّ ذلك هدَّد إنتاجيّتها، نظراً إلى ضعف المهارات المحلّية، وتكلفتها العالية.

وتُؤكّد استطلاعات البنك الدولي وآراء أرباب العمل، أنّ ثمّة عدم تناسب بين المهارات المطلوبة للوظائف، وخصوصاً الوظائف الذكيِّة ذات القيمة المُضافة والمهارات التي يحملها أصحاب الشهادات من جامعات الوطن العربي بشكلٍ عامّ، فضلاً عن تدنِّي نوعية التدريب والتأهيل في معظم المجالات.

ويَعتبر 55% من الشركات قضيّة المهارات من أبرز معوّقات الحصول على فرصة عمل لمُمارسة مهنة ذكيّة. وتُشكِّل الوظائف المُتعلِّقة بالفنّيين المَهَرة من المسائل الأكثر صعوبة على صعيد التكيُّف مع الأعمال وتنفيذها أو على صعيد إيجاد أيادٍ عَامِلة ماهِرَة وذكيّة.

من هنا يُرجع الخبراء ارتفاع الطلب على الأيدي العامِلة الأجنبيّة إلى خللٍ في منظومة التعليم وعلاقتها بسوق العمل، وقصور هذه المنظومة عن توفير مهارات ومَعارف لخرّيجيها تسمح لهم بالتنافس وتبوّؤ المراكز القيادية وريادة الأعمال.

ووفقاً لتقرير البنك الدولي حول "اقتصاد المعرفة 2014"، تقع السعودية في المرتبة 50 بين دُول العالَم على صعيد مؤشّر اقتصاد المعرفة، والإمارات في المرتبة 42، والبحرين 43، وعُمان في المرتبة 47، وقطر والكويت في المراتب 54 و64… كما جاءت السعودية في المرتبة 114 على صعيد دليل هرش للاستشهادات، ما يُشير إلى ضعف إنتاج المعرفة في دُول الخليج العربي.

إزاء ذلك، يكمن التحدِّي الأكبر في قدرة منظومة التعليم والعلوم في السعودية على توفير الطاقات البشرية المُؤهلَّة للقيادة وريادة الأعمال الذكيّة، واستتباعاً تحدِّي تطوير المجتمع ثقافياً وفكرياً، وتحديث مفاهيمه وتقاليده وموروثاته لتتوافق مع عمليّة التطوير الاقتصادي والتقدُّم العِلمي، وبالتالي الإجابة عن التساؤل المشروع " لمَن… ومَن سيقطن منطقة نيوم؟".

من هنا، جاءت دعوة الأمير محمّد بن سلمان إلى الانفتاح والعودة إلى تعاليم الإسلام السَّمح، ونبْذ التعصُّب، والابتعاد عن كلّ ما يُشوِّه الإسلام وحضارته، ومُحارَبة الفكر المُتشدِّد و"تدميره". كما سَعَت حكومات المَملكة إلى بناء المدن الجامعية وحاضنات الأعمال، واعتماد استراتيجيّات ونُظم وبرامج للتطوير العِلمي والتقني وتَنمية المَوارد البشرية والتأسيس لمجتمع الذكاء الاقتصادي والمعرفة.

وقد بلغ معدّل الإنفاق على التعليم في المَملكة حوالى 5.6 % إلى 7.24% من الناتج المحلّي، والإنفاق على البحوث نحو 0.5%،  وعلى التعليم العالي نحو 2.2% من الناتج المحلّي.

كما بلغ عدد الجامعات السعودية حوالى 60 جامعة، من بينها 25 جامعة، و5 كلّيات حكومية، و9 جامعات و21 كلّية خاصّة، ووصل عددٌ من الجامعات السعودية إلى مَراتب مقبولة في التصنيفات العالَمية، كجامعة الملك فهد للبترول والمَعادن وجامعة الملك سعود وغيرها، ولكنّ الحدّ من استقلالية الجامعات ومستويات الحرّية داخلها يحدّ من قدرتها على الإبداع وإنتاج المعرفة، فالحرّية والإبداع صنوان.

لذا، ينبغي على "نيوم" توفير تعليمٍ عالٍ ذكيّ وحرّ وخلاَّق قادر على مُواكَبة حرّية الفكر العالميّة، وزيادة معدّلات الابتكار والإبداع، وتوفير طاقات بشريّة ذكيِّة قادرة على تحقيق الأهداف المُستقبليّة الموضوعة لمنطقةٍ جَعَلَت من الروبوت "صوفيا" نموذجاً لقاطنيها، وبالتالي الإجابة عن التساؤل "مَن سيقطن "نيوم"، ولمَن…".

 *خبير في قضايا التنمية والتعليم- لبنان

 

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف