حَوْسَبة اللّغة العربيّة في القرن الحادي والعشرين

%d8%ae%d8%a7%d9%84%d8%af-%d8%b5%d9%84%d8%a7%d8%ad

 

د. خالد صلاح حنفي محمود*

تُعدّ العربيّة من أقدم اللّغات السامية، وأكثر لغات المجموعة السامية متحدّثين، وإحدى أكثر اللّغات انتشاراً في العالَم، يتحدّثها أكثر من 422 مليون نسمة ويتوزَّع متحدّثوها في المنطقة المعروفة باسم الوطن العربيّ، فضلاً عن العديد من المناطق الأخرى المُجاوِرة، وهي من بين اللّغات الأربع الأكثر استخداماً في الإنترنت، وكذلك الأكثر انتشاراً ونموّاً.

لقد أوضَح "تقرير المعرفة العربيّ" (2009) ازدياد عدد مُستخدِمي اللّغة العربية بنسبة تُعدّ الأعلى بين المجموعات العشر الأولى على الشبكة العنبكوتية، حيث بلغت معدّلات النموّ في استخدام  اللّغة العربيّة خلال الفترة من 2000 إلى العام 2008 نسبة 5296%. وفي الوقت نفسه توضح التقارير والدراسات العالميّة ضعف استخدام اللّغة العربية على شبكة الإنترنت وتدنّيه قياساً إلى باقي اللّغات، فوفقاً لـ"تقرير الإحصائيّات العالمية للإنترنت" Internet World Stats للعام (2017)، بلغت نسبة مُستخدمي العربيّة حوالى 4.7% من المجموع العالَمي لمُستخدمي الإنترنت في العالَم، وكشفت دراسة لجنة الأُمم المتّحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا "الإسكوا" (2012) بعنوان "صناعة المحتوى الرقميّ العربيّ على الإنترنت" أنّ المحتوى العربي على الشبكة لا يتعدّى نسبة 3 % من إجمالي المحتوى العالَمي؛ وهذه النسبة الضعيفة تمثّل تناقضاً صارخاً مع إسهامات الحضارة العربية وإنجازاتها عبر التاريخ؛ لذا دعت الأُمم المتّحدة إلى ضرورة الأخذ بمُبادرة إنشاء بوّابة المحتوى العربي الرقميّ، بغية تعزيز استخدام التكنولوجيا الرقمية في مجالات الثقافة والأدب والتاريخ والاجتماع. وهذا ما أكّدته موسوعة "موضوع" العربية الإلكترونية (2014) بإشارتها إلى تدهور حال المحتوى العربي على الإنترنت، وإلى أنّ عدد صفحات المحتوى العربي على الإنترنت يقارب 660 مليون صفحة فقط منذ إنشاء شبكة الإنترنت، أي ما يُعادل نسبة 0.89% من شبكة الإنترنت، والتي يبلغ متوسّط مجموعها ما يقارب 74.5 مليار صفحة .ولا يزال استخدام هذه اللّغة ووجودها في العالَم الافتراضي ضعيفاً وضئيلا مقارنةً بالوزن الذي تستحقّه من حيث وزنها السكّاني وقدراتها التواصليّة وقيمتها الثقافية والجمالية.

وتقوم منظّمة الأُمم المتّحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) بالاحتفال خلال السنوات الأخيرة باليوم الدولي للّغة الأمّ، وذلك في 21 شباط (فبراير) من كلّ عام، ويُحتفل باليوم العالَميّ للّغة العربية  في 18 كانون الأوّل (ديسمبر) من كلّ سنة. تقرَّر الاحتفال باللّغة العربية في هذا التاريخ لكونه اليوم الذي أصدرت فيه الجمعيّة العامّة للأُمم المتّحدة قرارها رقم 3190 في كانون الأوّل (ديسمبر) عام 1973، والذي يقرّ بإدخال اللّغة العربية من ضمن اللّغات الرسمية ولغات العمل في الأُمم المتّحدة.

في السياق نفسه، جعلت المنظّمة العربية للتربية والثقافة والعلوم الأوّل من آذار (مارس) من كلّ عام يوماً للاحتفال باللّغة العربية. وفي ذلك إشارة إلى أهمّية الخصوصية اللّغوية للأُمم، وتقديراً لقيمة التنوّع اللّغوي على مستوى العالَم. ففي عالَمٍ مُعَوْلَمٍ ضاقت فيه المسافة بين الجماعات البشرية وتعدّدت فيه وسائل التبادُل الثقافيّ وأشكاله، أصبح من المهمّ تفعيل دَور اللّغة في أيّ مجتمع لتُسهِم في التعبير عن مَشاغل الناس، وفي تقديم نتاجاتهم وإبداعاتهم للآخر. فاللّغة باعتبارها نظاماً لسانيّاً يتكوَّن من مجموعة من الوحدات اللّغوية الدالّة التي تؤمِّن التواصل بين جمهور المتكلّمين هي أداة ضرورية فى مجال التواصل الثقافي. كما أنّ اللّغة هي تعبير عن الكيان الثقافيّ للأُمم ومُنجزاتها الحضارية.

ويُلاحظ تزايد الاهتمام باللّغة العربية في العشريّة الأخيرة؛ فبعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الدامية، تزايدت الرغبة في مُساءلة العقل العربيّ، وفي فهم الخلفية الثقافية للعرب. وفي هذا الإطار، زادت مراكز الاستشراق والدراسات، وعُقدت العديد من الاتّفاقيات بين العرب والغرب للتعاون في المجالَين الثقافي واللّغوي، ولا تكاد تخلو أيّ جامعة أميركية اليوم من قسمٍ لتعليم اللّغة العربية، وكذلك الأمر نفسه في الجامعات الأوروبية؛ وهو أمر يشير إلى تزايد الاهتمام باللّغة العربية فى عصرنا الرّاهن.

التحدّي الأبرز: حَوْسَبَة اللّغة العربيّة

تُعدّ حَوْسَبَة اللّغة العربية التحدّي الأبرز في عالَم يتميّز بوفرة المعلومات وسيولتها وسهولة تداولها، والاعتماد على التقنيّات الرقمية. فالباحث عبر الشبكة العنكبوتية يُلاحِظ ضحالة المحتوى المعرفي العربي المعروض على شبكة الإنترنت، إذ لا يتعدّى حجم المحتوى الرقمي العربي على الإنترنت نسبة 3% على أفضل الأحوال من المحتوى المعرفي العالَمي، وهو ما يزيد الحاجة إلى الخروج باللّغة العربية من صفحات الكُتب والمجلّدات إلى صفحات الويب والتواصل الاجتماعي الرقمي. فحَوْسَبَة اللّغة العربية مطلبٌ ملحّ يُمكن ترسيخه بتكوين فرق بحث من أهل التخصّص، مؤلَّفة من لغويّين وإعلاميّين ومُترجمين يسهرون على نقل المعرفة وتوليد المصطلحات الجديدة، وحَوْسَبَة المحتوى المعرفي باللّغة العربية. وعلى الرّغم من ظهور بعض البرامج الحاسوبية لتعليم العربية في السنوات الماضية، فإنّها لم تصمد طويلاً، بل سُحبت من التداول التربوي، بمعنى أنّها لم تقدِّم الحلول المنشودة. وإذ تعجز المؤسّسات العربية عن توفير مَوارد لغوية رقمية تحوز من الكفاءة ما يكفي لإدراجها في مناهجها التعليمية للعربية، تظهر صورة مُعاكِسة في كثير من اللّغات الأخرى التي أدّى تفاعلها مع التقنيّة المعلوماتية إلى فَورة في مواردها التعليمية الرقميّة.

وقد أصبح عِلم حَوْسَبَة اللّغة أحد مقاييس التقدّم والرقيّ العِلميّ للدول. كذلك أصبح أحد أسلحة الحروب، بحيث ارتبطت بداياته بأغراض التجسُّس، وهو أهمّ طُرق التواصل مع الآخرين. فالدول المتقدّمة، حكوماتٍ وقطاعاً خاصّاً، تدعم هذه النوعية من الأبحاث بالمال والجهد وبآليّات العِلم. ذلك أنّ اللّغة هي أساس التواصل الزماني والمكاني. والتواصل أساس العلاقات بين الكائنات جميعها.

ثمّة تعاريف كثيرة لحَوْسَبَة اللّغة تختلف باختلاف المرجعيّات، لكنّها تتّفق جميعها في كون هذه الحَوْسَبَة تعني تلك الدراسة الدقيقة لمشكلات التوليد والفهم الآليّ للّغات الإنسانية الطبيعية، أي تحويل عيّنات اللّغات الإنسانية ونماذجها إلى تمثيلٍ شكليّ صُوريّ يسهِّل على برامج الحاسب الآلي تطويعه والتعامل معه. ويرتكز هذا المجال البحثيّ الدقيق على نظريّات الذكاء الاصطناعيّ وعِلم اللّغة الحاسوبيّ وعِلم اللّغة العامّ والإعلاميّات والرياضيّات والمنطق والعلوم المعرفيّة.

ومن المهمّ في السياق نفسه إصدار وسائط رقمية متعدّدة لتعلّم اللّغة العربية وتعليمها في إطار صناعة البرمجيّات التفاعلية والمَعاجم الإلكترونية، وبنوك المصطلحات، وإنشاء المكتبات الرقمية وقواعد البيانات والفهارس الإلكترونية على نحوٍ يُسهم في تيسير وصول المُستخدِم العربي عموماً، والمُواطِن الرقمي خصوصاً، إلى المعلومات، وتمكينه من مُتابَعة اللّغة العربية وفَهمها، والإحاطة بمضامينها الثقافية، وذلك صار أمراً ضروريّاً اليوم لتكون اللّغة العربية جزءاً من حياة الناس اليومية. وقد لجأت مراكز بحثية وجامعية عربية، من بينها "الجامعة العربية"، و"المنظّمة العربية للتربية والثقافة والفنون"(أليسكو) إلى دعم إنتاج مَوارد لغوية رقمية بهدف تحسين جودة التعليم عبر استخدام التقنية. وتَقاطَع ذلك مع تراجع مستوى تعليم اللّغة العربية في بلدان كثيرة كان بعضها يبحث أيضاً عن حوافز لتعزيز المَوارد اللّغوية الرقمية. وعلى الرّغم من النوايا الطيّبة، لم تتوصّل تلك المراكز البحثية حتّى الآن، إلى إصدار مَوردٍ معجميّ وتصريفيّ يُمكن الوثوق به في إنتاج برامج رقميّة تعليمية للّغة العربية.

كما يجب تشجيع خرّيجي الجامعات على الاشتغال بالتعليم الرقمي للّغة العربية؛ فلا بدّ من إنشاء جيلٍ من الشباب الأكفّاء القادرين على عَصْرَنة اللّغة، وتطويعها للصناعات الحاسوبية، وصياغة برمجيّات إلكترونية لتعليم اللّغة العربية للأطفال والأجانب والمُبتدئين، وإنشاء مُعاجَمة إلكترونية ثُنائيّة اللّغة، ومَواقع إلكترونيّة تفاعلية لتعليم اللّغة العربية. ولا بدّ كذلك من تنشيط حركة ترجمة محرّكات بحث عربية وتعريبها، وكذلك مواقع الإنترنت للترجمة الآليّة من العربية وإليها، وإنشاء قنوات عربية رقمية وتلفزيونية حتّى تصل اللّغة العربية إلى المكانة التي تستحقّها.

وهذا التحدّي القائم ليس مهمّة الأفراد أو الحكومات فقط، بل هو مشروع لا بدّ أن تُشارِك فيه مَجامِع اللّغة العربية ومجالسها والجمعيّات الثقافية وكلّ الغيورين على اللّغة العربية، لأنّ حياة اللّغة أهمّ من حياة أهلها.

*مدرِّس أصول التربية- جامعة الإسكندريّة

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف