من حياتنا اللّغويّة.. قراءة في الثروة اللّفظيّة

%d8%b1%d9%8a%d8%a7%d8%b6-%d9%82%d8%a7%d8%b3%d9%85

 

د. رياض قاسم*

-1-

اللّغة في وجود أيّ مجتمع، هي المكتنز فعل حياة هذا المجتمع في متغيّراته، سلباً وإيجاباً؛ فهي تحفظفي ما تحفظوجوده في ما يُكتب له أن يبقى في متنها، مُتمثّلاً في الرسائل اللّغويّة، والمُعجمات، والسِيـَر، والنصوص الأدبيّة، والأمثال والحـِكـَم، وحتّى الخرافة. نقول بمعنى آخر: إنّ كلَّ نبأة وهَمسة في حياة الجماعة التي تتكلّم لغة بعينها، تترك أثراً في هذه اللّغة المتكلـَّمة، وبالتالي تغيـِّر من حالها وفق تغيّرات تعتري حياة اللّاغين بها؛ فدين أهلها، ونُظـُمهم، وعلومهم، وفنونهم، وجدّهم ولَهوهمكلـّها تؤثِّر، وتفعل فعلها الثقافيّ في اللّغة، وفي مسارها.

ثمّ، إنّ هذا التأثير، أو ذلك التغيـّر الذي يعتري اللّغة، لا يتبدّى في اليوم الواحد، أو الزمن اليسير.  لكنّهبلا ريبيتبدّى تغيّراً ظاهراً بعد حين من تراكُم الزمن الذي يفعل فعله في اللّغة ببطءٍ مُستحكِم، كفعْل الماء في نماء الشجرة، فلا تلحظ العَين نموّها في اليوم، لكنّهابلا ريبتلحظ ذلك بجلاء بعد سنة من حياتها.

في المقابل، تستوجب الضرورة الحضاريّة رصْد مسار اللّغة عبر المُلاحظة والاستقراء، لتبيان أوجه الأداء اللّغوي وتوثيقها عند المتكلّمين في مجتمعات عدّة انضوت في الإسلام، وشكَّلت مع المجتمع العربيّ دولة تميَّز متكلّموها بتنوّع الأعراف اللّغويّة، وتعدُّد العادات النطقيّة، فضلاً عن الاختلاف في طُرق المعاش؛ ما يعني أنّ اللّغة العربيّة باتت أمام مشكلة مستجدّة، وعصيّة يجوز تسميتها "عدم مرعاة المعايير الواحدة" التي يتطلّبها الاستعمال اللّغوي، وبالتالي فإنّ خللاً ماثِلاً في وظيفة المتكلّم، وهو ما يستدعي تدّخل الدّارس اللّغوي ليبحث في أسباب ونتائج الاهتزاز الذي أصاب تطبيق استعمال اللّغة العربيّة، وفق قواعد تُراعى، ومُعالَجة خلل صحّة الاستعمال اللّغوي لدى المتكلّم، ولاسيّما في المجتمعات الجديدة التي لا عهد لمتكلّميها بالعربيّة.

-2-

شكّل ما سبق ذكره من واقع لغويّ جديد عاملَ تحفيزٍ لقيام درسٍ لغويّ، كان عماده عددٌ من عُلماء العربيّة، الذين نهضوا إلى جمْع المادّة اللّغويّة (= في العقد الثاني للقرن الثاني الهجريّ) عن طريق الأخذ المُباشر عن النّاطقين بها،وتحديداً في أماكن محدَّدة في قلب جزيرة العرب، جاعلين "السَّماع" و"المُشافَهة" مصدر التقاط الثروة اللّفظية من أبناء القبائل مُباشرةً، وفي مَواطن إقامتهم. ثمّ أضافوا إلى ذلك ما كانوا يسمعونه من وِفادة الكثير من الأعراب إلى الحاضرة، وألحقوا بذينك الحالَين من السّماع ما استطاعوا جمْعه ونسْخه ممـّا كان مدوّنـاً أصلاً لدى بعض القبائل. فلغة العرب، كما جرى تدوينها، ظلّت سليمة في البوادي حتّى نهاية القرن الرابع الهجريّ، وفي الحاضرة حتى نهاية القرن الثاني الهجريّ. ويُمكن القول إنّ ما ظهر من اللّحن والخطأ خلال تلك الفترة يُمكن التيسير بإغفاله، في جغرافيّة القبائل العربيّة، والحاضرة بالذّات. لكنّ هذا اللّحن أخذ يتعاظم في بيئات اختلط فيها اللّسان العربيّ بألسنة أخرى، ولاسيّما في الشام وفارس والشمال الأفريقيّ.

لقد أدّى ذلك الأطلس اللّغوي، القائم على أماكن محدَّدة، ومُختارة، لاستقاء السماع والتدوين منها، إلى ظهور موقفَين جديرَين بالنقد؛ أوّلهما: تمثـَّـل في الفصاحة في الأعراب الأشدّ بداوة، وثانيهما: تمثـّـل في اعتبار لغة قريش أرقى لغات العرب. وهذان الموقفان يفضيان إلى مناقشة المسألة من منظورَي الجنس والدّين؛ فالرابط بين اللّغة والجنس العربيّ ظاهرة عصبيّة، إذ رأوا أنّ الكلام بالعربيّة أمرٌ لا يقدر عليه إلّا العرب، دون سواهم من الشعوب؟! وهو يعني، أيضاً، أنّ النشاط اللّغوي في الجنس العربيّ لا يعود أمره إلى اكتساب اللّغة، أو الدُّربة والمـِران على تعلّمها والنّطق بها، وإنّما يمتدّ إلى الدمّ والجنس العربيّ تحديداً؛ وهو ما يجعل النحّاة واللّغويّين يذهبون إلى اعتبار اللّغة الفصحى سليقة لغويّة عند كلّ عربيّ، من دون أن يفطنوا إلى تعدّد مستويات التعبير اللّغوي واختلافه بين مستويات الأداء العادية التي تفي باحتياجات الحياة الاجتماعيّة للقبيلة، ومستوى آخر فوق هذا المستوى تتطلّبه ظروف اجتماعيّة مختلفة، ودوافع فنّية مُتغايرة، وهو ما يتطلّب، لذلك كلـّه، خصائص لغويّة متميّزة.

أمـّا الربط بين اللّغة والدّين فالرّاجح مردّه، عند الدّارس اللّغويّ قديمـاً، إلى اتّخاذ لغة قريش مقياساً ومعياراً للفصاحة، نتيجة الربط بين لغة قريش ولغة القرآن الكريم؛ بدعوى أنّ القرآن نزل في قريش، وسُمع من النبيّ العربيّ (ص)، وهو من قريش. ثمّ اعتـُمد،من حيث المكان، القرب أو البُعد القَبليّ عن منطقة الحجاز ، معياراً للفصاحة. وعلى هذا، فالفصاحةهناتعني ما بلغته قريش من رقيّ، وليس ما حفظته لغة قريش من خصائص البداوة. لكنّ هذا يحتاج إلى سند، وإلّا انتفى قبوله؛ فالنبيّ العربيّ (ص) لم يكُن يرى في لهجة قريش أنّها لهجة العرب جميعاً، وهو كان يُخاطب أبناء القبائل بلهجات قبائلهم. ثمّ إنّ النُّحاة حين حدّدوا قبائل الفصاحة، وجعلوا لهجاتها مَصادر للنحو العربيّ، لم يقصروا الأخذ عن قريش، عدا أنّ النصوص الأدبيّة الجاهليّة المتوافِرة تكاد تكون خالصة لقبائل غير قريش.

-3-

ما يُمكن تسجيله من نتيجة أفضت إليها حركة جمع اللّغة في القرن الثاني هجريّ، هو أنّها استطاعت أن تحدِّد النظريّة العامّة للعمل اللّغويّ في القرون التالية. وهذا يستوجِب التنبيه إلى ما نقرأه من ملاحظات لغويّة سجّلها ابن منظور (ت 711 هـ) في "مُعجم لسان العرب"، أو الزبيدي (ت 1205 هـ) في مُعجم " تاج العروس"، حول دلالات الألفاظ، فإنّ هذه الملاحظات لم تصدر عن المؤلّفَيْن، أو عمّن كان في مدرستهما المُعجميّة، عن الاستخدام اللّغويّ في القرن السابع، أو الثاني عشر للهجرة، بل جرى النقل من كُتب تعود بدَورها إلى مدوّنات قام أكثرها على أساس ما جمعه اللّغويّون في القرن الثاني وبداية القرن الثالث للهجرة.

وما يؤكِّد هذا ظهور اتّجاه يرمي إلى تعليم العربيّة بوساطة الكُتب تعلّماً، لا بمُخالَطة الأعراب. وهذا الاتّجاه سرعان ما قوي واشتدّ في القرن الرابع الهجريّ، بدليل ظهور مجموعة من الكُتب التعليميّة؛ من أبرزها كِتاب "الألفاظ الكتابيّة" للهمذاني (ت 327 هـ)، وكِتاب "جواهر الألفاظ" لقدامة بن جعفر (ت 337 هـ).

والعربيّة في القرن الرابع تميّزت باستقرارها كلغةِ ثقافة، ما استدعىبالضرورةمتناً لغويّاً متنوّعاً جديداً؛ فلغة البدو بمعجمها البدويّ، لم تعُد بأفقها الصحراويّ كافية، أو تستجيب للتعبير عن هموم الفيلسوف والمنطقيّ والرياضيّ بمئة اسم للجَمل، أو للأسَد. فالعربيّة في هذا القرن غدت لغة كتابة تتنامى باطـّراد على المستوى الثقافيّ، حافلةً بمستجدات الحضارة عبر المصطلحات والتعبيرات المختلفة؛ فمثقّف هذا القرن لم يعُد يلتفت إلى اللّفظ الغريب والنادر، بل راح يشتقّ المصطلحات والتعبيرات المعبِّرة عن فكره وتخصّصه؛ وهو ما يعني أنّ نموّاً نوعيّاً ميـّز العربيّة، فهي من جهة آخذة بالنموّ بتأثير عامل الكسب الخارجيّ، أي ما يتسرّب إليها من لغات أخرى، ثمّ راح يتأصّل فيها حتّى غدا جزءاً ثابتاً منها، وهي من جهة ثانية آخذة بالنموّ بفضل ما توافـر لها من تولـّد ذاتيّ، نشأ في داخلها من ألفاظٍ استـُحدثت عفواً، أو قصداً، لأغراضٍ ومَعان ٍ جديدة، إمـّا عن طريق التحوّل المعنويّ، إذ تكتسب اللّفظة معنىً جديداً غير معناها الأصليّ، وإمـّا عن طريق الوضع اللّفظيّ عبر وضْع ألفاظ جديدة لمختلف المعاني والأغراض، وإمـّا عن طريق الوضع المجازيّ القائِم على توليد اصطلاحات مجازيّة للتعبير عن معان ٍ خاصّة، وإمّـا عن طريق اشتقاق صيغ من أسماء خاصّة.

هذا التوليد في اللّغة أحدَث حركة نموّ خصبة ومتّصلة الأسباب لم تنقطع في مسار العربيّة، مع مُلاحَظة أنّها كانت تختلف قوّة واتّساعـاً من عصر إلى عصر. ولعلّ عصر العربيّة الذهبيّ أيّام العبّاسيّين وعصر النهضة الحديثة هُما أكثر العصور إنتاجاً في هذه المسألة اللّغويّة.

لكنّ موقفَين من التوليد بدا أنّهما على افتراق، على الرّغم من أنّ التوليد ظاهرة نشأت عن حاجات اجتماعيّة وفكريّة؛ فالقدماء المُحافظون اعتبروا أنّ اللّفظ المولـّد، كما يقول السيوطي (ت 911 هـ) " ناتج ممـّا أحدثه المولـّدون الذين لا يـُحتجّ بألفاظهم"، ويذهب الفارابي إلى أبعد من هذا فيصنـِّف الألفاظ بقوله: "هذه عربيّة وهذه مُولـّدة". وقد ذهب كثيرون إلى محاولة وقف هذا التيّار التنمويّ في اللّغة، فوضعوا الكُتب في إصلاح ما خرج عن الأصول، كما فعل ابن قتيبة (ت 276 هـ) في "أدب الكاتِب"، والحريري (ت 516 هـ) في "درّة الغوّاص"، والجواليقي (ت 540 هـ) في "التكملة". فقد تبدّل الموقف من المولـّد؛ فشهاب الدّين الخفاجي (ت 1069 هـ) قد أبان بدقّة طبيعة التطوّر اللّغويّ، وبخاصّة في ما يتّصل باستعمال الألفاظ التي وُجدت في حياة العربيّة، إذ قال: " لو اقتصرنا في الألفاظ على ما استعمله العرب العارِبة والمُستعرِبة لحجّرنا الواسع، وعسر التكلـّم بالعربيّة على مَن بعدهم"، وقد قدّم في كِتابه أكبر مجموعة من الألفاظ المولـّدة دوّنت في مؤلّف عربيّ حتّى عصره. وعلى الرّغم من اضطّراب الشهابي في تحديد المولّد، فإنّهبلا ريبقد خطا خطوة مهمّة مهدّت لمَن جاء بعده من المُحدثين، ممَّن اعتبر التوليد صورة من صُور التطوّر الدلاليّ الذي يطرأ على الألفاظ، جاعلين هذا التطوّر في ثلاثة قوانين أساسيّة؛ أوّلها تخصيص الدلالة، فكلمة "الحريم" مثلاً حصراً بالنساء، بعد أن كانت تُطلق على كلّ محرّم؛ وثانيها: تعميم الدلالة، فكلمة "البأس" غدت تدلّ على كلّ شدّة، وهي في الأصل بمعنى الحرب؛ وثالثها: تغيّر مجال استعمال الكلمة، وذلك بانتقال الكلمة من مجالها الحسـّي إلى المجال المجرّد؛ فكلمة "العقل" الدالة أصلاً على الربط والمـَسـك انتقلت إلى الدلالة على القوّة المفكـّرة في الإنسان.

وفي عصر النهضة العربيّة شهد الدفاع عن حقّ المُحدثين بتوليد الألفاظ خطوة نوعيّة، إذ شرّعت دخول المولـَّد إلى المَعاجِم، ورفْعه إلى درجة الاستشهاد به، وهو متّجهٌ عَمل على فكّ انحباس العربيّة أو حصرها في قوائم المُحافظين؛ فقد كان في إعراض هؤلاء عن أغلب الألفاظ التي جَدّت في اللّغة، ولاسيّما عهد العبّاسيّين، بليّة كبرى حالت دون اندفاع العربيّة إلى مجالات خصبة في الثروة اللّفظيّة. وفي هذا الصدد يقول الباحث الخوري بطرس البستاني (مجلّة المشرق 1931، مج 29، ص 683):" فإذا تمثّلت عصر العباسيين بجميع مجاليه الحضرية، وعرفت أنّ أبناءه لم يعجزوا عن استنباط كلمات لجميع المعاني والأغراض التي تولـّدت عندهم، أكبرتَ الخطب الذي أنزله باللّغة أرباب المَعاجم لإسقاطهم منها تلك الكلمات المولـّدة التي لو بقيت لكانت أنفس قلّادة في جيد هذا اللّسان الشريف".

-4-

ونحن لو استعرضنا المتن اللّغويّ في عصر النهضة، وامتداداً إلى يومنا هذا، لتبيَّن لنا أنّ الباحث اللّغويّ (لغويّاً فرداً، أو مَجمعاً لغويّاً، أو مؤسّسةً تُعنى بشؤون العربيّة وتطوّرهاإلخ) في رصده ما يلفظه الناس في حياتهم اليوميّة، أخذ يتوسّع في نقده، مبيّناً الحاجة إلى إصلاح هذا المتن بما تستوجبه متطلّبات الحياة المتجدّدة، لكنّه خطا خطوات محددوة في وضْع منهج وصفيّ، يستغرق ألفاظ الحياة، ملتَقَطةً من أفواه الناس في حياتهم اليوميّة.

لكنّ عملاً مميّزاً في هذا الخصوص، بدا مُستوفياً شروطاً أساسيّة في المَنهج، وتحقيق الغاية، وإن كان من حيث الأطلس اللّغويّ مَعنيّاً بقُطرٍ عربيّ واحد؛ عنيتُ به "مُعجم ألفاظ الحياة العامّة في الأردن" الصادر عن مَجمع اللّغة العربيّة الأردنيّ، في العام 2006 (طبع مكتبة لبنانناشرونبيروت، طـ 1/2006)، وهو في صدوره يُشكـّل استجابةً لقرار مجلس اتّحاد المَجامع اللّغويّة العِلميّة العربيّة، القاضي بوضْع " المُعجم العربيّ الموحّد لألفاظ الحياة العامّة". وهو متَّجَهٌ يحقِّق، في حال إنجازه على صعيد الأقطار العربيّة، مشروعاً قوميّاً لغويّاً مهمّاً، يـُغني العربيّة في العصر الحديث، ويـُرسي لـَبـِنات مهمّة وأساسيّة في قواعد إنشاء الوحدة اللّغويّة بين شعوب الأمّة العربيّة، في مختلف أقطارها، وهو ما يعزِّز التفاهم بين مُواطنيها.

ما تجدر الإشارة إليه، أنّ هذا التدوين لا يـُعنى بالتعابير والتراكيب العامّة، ولا باللّهجات المحلّية، وإنّما يقتصر على وضْع معجم لألفاظ الأشياء والأدوات والأجهزة المحسوسة، من حيث المبدأ، وهي التي يستعملها الناس وخاصّتهم في حياتهم العمليّة واليوميّة في الوقت الحاضر، في مختلف مَناحي الحياة، في البيت والشارع والمِهن والمؤسّساتإلخ، وتفصيح ما يُمكن تفصيحه، ولاسيّما الألفاظ الدّارِجة التي تعود إلى أصول لغويّة فصيحة.

ولهذا، أعدّت لجنة مشروع هذا المُعجم، وأقرّت النموذج المُراد استعماله (أو بطاقة الجمع) بين الباحث اللّغويّ والمتكلِّم في حياته اليوميّة. وقد اشتملت هذه "البطاقة" على اسم الموقّع، والبيئة، والمِهنة، والمجال (يُقصد به المكان الذي يُستعمل فيه اللّفظ)، والموضوع، والتسميات، وأجزاء المكان، والمُصطلَح (مضبوطاً بالشكل) كما يلفظه الشخص الذي يستعمله، ضبْطاً تامّاً، وتعريف المُصطلَح (وهو وظيفة الباحث الذي يقوم بتعريف المصطلح تعريفا ً دقيقاً حسب مدلوله لدى المستعمل)، وأصل المُصطلَح وتوضيحه، فضلاً عن اسم الباحث وتوقيعه. ثمّ رُقـّمت جميع بنود الاستمارة بأرقامٍ مُسلسلة، استجابةً لمَطلب وحدة الحاسوب التي ضمـّت قاعدة بيانات حاسوبيّة خاصّة بالمشروع.

أمـّا الموضوعات فقد بلغت أربعة وأربعين (44) موضوعاً، ما يكفل تغطية مناحي علاقة المُتكلّم ببيئته الخاصّة، أو العامّة، وما يندرج في العلاقات مع ذويه والآخرين، ومجالات العمل، وما له صلة بثقافته. وقد جاء عدد ألفاظ الحياة في هذا المُعجم بحدود 19000 لفظة.

-5-

ما يُذكر، هنا،عن الجهود الرامية إلى إغناء المتن اللّغويّ العربيّ وإثرائه، هو دَور مؤسّسات عربيّة مميّزة، في تنمية المُصطلَح في النصّ العِلميّ، ليردف ما تمتلكه المكتبة العربيّة حاليّاً ،ويحظى المُصطلَح العِلميّ منها بقسط كبير. والفضل في هذا الإنتاج المطـّرد يعود إلى جهود الأفراد في صنْع المُصطلحات، وإلى جهود المؤسّسات، ولاسيّما جهود مكتب تنسيق التعريب في توحيد المصطلحات العِلميّة، وجهود مشروع "راب" لتَرجَمة مُصطلحات الاتّصالات، وجهود المعهد القوميّ للمُواصفات والملكيّة الصناعيّة في تونس، وجهود البنك الآلي السعوديّ للمُصطلحات العِلميّة ( باسم BASM ).

ونُشير في هذا الصدد إلى البيان الختامي لمؤتمر القمّة العربيّ (المُنعقد في الرياض 1428هـ-2007 م) الذي يؤكِّد ضرورة الاهتمام باللّغة العربية، وأن تكون هي لغة البحث العِلميّ والمُعاملات، حيث نصّ على :"وجوب حضور اللّغة العربيّة في جميع المَيادين، بما في ذلك الاتّصال، والإعلام، والإنترنت، وغيرها".

واستجابةً لما جاء في البيان، سجّل المغفور له الملك عبد الله مُبادرةً تهدف إلى إثراء المحتوى العربيّ عبر مشاريع عدّة تنفّذها مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنيّة بالتعاون مع جهات مختلفة داخل المَملكة وخارجها. ومن هذه المشاريع ما يتعلـّق برَقْمَنة المحتوى العربيّ، ومنها ما يتعلـّق بتَرْجَمة الكُتب المهمّة، وبخاصّة العِلميّة، ممّا يُساعِد على إثراء المحتوى العِلميّ بالترجمة من اللّغات الأخرى إلى اللّغة العربيّة.

فعسى أن تتضافر جهود الباحثين اللّغويّين العرب، وتتعاون المؤسّسات التي تُعنى بقضايا اللّغة العربيّة، بالتآزر مع المَعنيّين الحكوميّين في الوطن العربيّ، في السَّير باللّغة، بدءاً بمَتنها، إلى ما يليق بمكانة اللّغة العربيّة، ومتكلـّميها؛ إذ ذاك نخطو خطوتَين حضاريّتَين، الأولى تحقِّق استثمار ما بدأه لغويّونا في تدوين اللّغة، والثانية إرساء حجر الزاوية في انتظام ثروتنا اللّفظيّة المُعاصِرة، ما يجعل لغتنا حاضرة في سجلّ اللّغات الحيّة.

*باحث ولغوي من لبنان

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف