عن اليوم الدوليّ للمرأة في مجال العلوم

%d8%b1%d9%81%d9%8a%d9%81-%d8%b5%d9%8a%d8%af%d8%a7%d9%88%d9%8a

 

د. رفيف رضا صيداوي*

من بين الأهداف العالميّة للتنمية المُستدامة بحلول العام 2030، والتي اعتمدها زعماء العالَم في العام 2015، إشراك النساء في مجال العلوم إسوة بالرجال وتحقيقاً للمساواة الكاملة بين الجنسَين؛ بحيث اعتمدت الجمعيّة العامّة للأُمم المتّحدة يوم 11 شباط (فبراير) يوماً دوليّاً للمرأة في مجال العلوم. فأين هنّ النساء من مثل هذه الإنجازات؟

تتناقَل مواقع الإنترنت المختلفة معلومةً مفادها أنّه "بحسب دراسة أجريت في 14 بلداً، فإنّ إمكانيّة تخرّج فتاة بدرجة بكالوريوس أو ماجستير أو دكتوراه في مجالٍ من مجالات العلوم هي احتماليّة تقلّ عن 18% و8% و2% بالتتابع، في حين أنّ نسبة تخرّج الذكور في تلك المجالات بتلك الدرجات العلميّة هي 37% و18% و6% بالتتابع كذلك". المعلومة المستقاة أساساً من موقع هيئة الأُمم المتّحدة للمرأة لا تشير إلى البلدان الأربعة عشر، ولا إلى تاريخ الدراسة. غير أنّ ما تفيد به لا تكذّبه الشواهد، ليس في المنطقة العربيّة فحسب، بل في بلدان العالَم كافّة، بما في ذلك البلدان المتقدّمة، وذلك على الرّغم من مرور أكثر من  عقود ستّة على انطلاق الحركات النسائية في العالَم، فضلاً عن مرور 23 سنة على "إعلان بكين بشأن المرأة" في العام 1995. إذ تندرج هذه الشواهد من ضمن المعطيات النوعيّة التي يصعب في بعض الأحيان تكميمها، وإنّ كانت على حدّ تعبير شاعرنا العربي أبي تمّام "أصدق إنباءً من الكُتب". فاللّامساواة بين الرجال والنسـاء لا تزال ضخمة بحسب أســتاذة عِلم الاجتماع في جامعة باريس- ديـدرو جول فالكــيه، في دراستها "الفوارق تتعمّق بين النســاء والرجال" (واردة في كِتاب أوضاع العالم 2016: عالَم اللّامساواة)، في المجـالات كافّة. "وهي تطاول بعض النسـاء (والرجال) على نحـوٍ أقسى وأعظم من سواهم، بسبب موقعهم الطبقي أو "العرقي" و/ أو القومي. مصادر هذه اللّامساواة كثيرة متعدّدة قديمة وعميقة الرسوخ في غالبيّة المجتمعات؛ غير أنّ النمط  الاقتصادي النيوليبرالي الغالِب  المُسيطر، يفاقمها على نحـوٍ منهجيّ منتظم. ولهذا، فإنّـه على الرّغم من التحوّلات والاسـتحالات المهمّة التي حدثت، ولاسيّما على صعيد "العادات"، فإنّ اللّامساواة بين الجنسَين، كمـا هي بين الطبقات و"الأعـراق"، لا تني تزداد"؛ بمعنى أنّ ما قد يكشف عنه من غير المرئيّ على مستوى أنواع اللّامساواة ربّما يكون أشدّ إيلاماً، ولاسيّما إذا ما توغّلنا في الدراسات النوعيّة ذات الأبعاد السوسيوأنتروبولوجيّة والسوسيوثقافيّة التي تكشف الاختلافات بين المجتمعات عموماً، وبين المجتمعات العربيّة خصوصاً، المتجذّرة في البُنى الثقافية – الاجتماعية.

بين حصول النساء على التعليم واسـتخداماته أو مردوديّته

في موازاة ذلك، من المُلاحظ إذا ما توقّفنا عند "التعليم"، أنّ جودته التي كثر الكلام عليها منذ نهاية سبعينيّات القرن الفائت، وتحديداً منذ رواج أدبيّات التنمية البشريّة والإنسانيّة، تنطوي على أواليّات إعادة إنتاج اللّامساواة الجندرية؛ إذ لا تكفي الإحصاءات أو المعطيات الكمّية لقياس التفاوتات العالميّة في ميدان التربية مثلاً ( بحسب ما لاحظت آن- كاترين واغنر في دراستها: "أشكال جديدة من القهر والسيطرة"، من كِتاب أوضاع العالَم 2016، الصادر عن "مؤسّسة الفكر العربي")  بل لا بدّ من لحظ الاختلافات داخل البلد الواحد على صعيد نَوع المدارس التي يرتادها كلا الجنسَين، والوسط الاجتماعي الذي ينتمي إليه السكّان بعمر الدراسة، وأعراقهم…إلخ، بوصفها مؤشّرات تحيل ليس على الالتحاق بالتعليم فحسب، بل على نوع التعليم الذي يتمّ الحصول عليه، وما يوفّره من كفاءات ورأسمال ثقافي إضافي للطلّاب؛ حيث تتكرّس الفوارق بين أبناء الفئات الميسورة وذات الامتيازات والفئات الفقيرة والمهمَّشة، بقدر ما تتكرّس هذه التفاوتات على أساس الجنس.

أمّا على صعيد التعليم الجامعي، ومع اتّخاذ تراتبيّة نُظم التعليم العالي وهرميّتها أشكالاً جديدة منذ بدايات القرن الفائت، لا بدّ بحسب آن- كاترين واغنر  من التسـاؤل "حول إعادة هيكلة التفاوتات العالَمية تبعاً، ليس لإمكانية الوصول والحصول على التربية، وإنّمـا تبعاً لاسـتخدامها ومردوديّتها أيضاً"، ولاسيّما مع المعدّلات المرتفعة من البطالة في صفوف حَمَلة الديبلومات الجامعيّة في البلدان النامية، وبخاصّة الدول العربيّة، مقارنةً بالبلدان المتقدّمة.

أمّا على صعيد الفَوارِق بين الجنسَين في معدّل المُشاركة في القوى العاملة، فقد أظهر"تقرير التنمية البشريّة لعام 2016" أنّ هذا الفارق يتراوح في البلدان النفطيّة بين 20 % للإناث مقابل 79% للذكور في السعوديّة، وبين 8 .16 % للإناث و70.4 للذكور في الجزائر. ويتراوح في البلدان العربيّة غير النفطيّة، والتي تشهد حروباً، بين 14.20 % للإناث و64.4 % للذكور في الأردنّ، وبين 22.8 % للإناث و76.1 % للذكور في مصر، وبين 25.3 % للإناث و74.3 % للذكور في المغرب.

ليست الغاية من إيراد بعض الإحصاءات هنا إلّا تأكيد المؤكَّد، والذي أفضى بـ "تقرير التنمية البشرية 2016 – التنمية للجميع) إلى خلاصة من بين خلاصات أخرى تفيد بالآتي: "تحتاج النساء أيضاً إلى الدعم لمُواصَلة التعليم العالي، ولاسيّما في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيّات، حيث سيتركّز الكثير من الطلب على التعليم في المستقبل"؛ ذلك أنّ قراءتنا للّامساواة الجندريّة المسؤولة عن أنواع مختلفة من اللّامساواة بين الجنسَين، بما في ذلك عدم المساواة بينهما في الالتحاق بالفروع العلميّة، درساً وعملاً، تستند أساساً إلى المعطيات غير المرئيّة المُشار إليها آنفاً؛ بحيث تتوارى أشكال التمييز الجنسيّ خلف مظاهر حداثيّة فرضها العصر، فتُقاوِم التغيير لكونها تستنهض ميكانيزماتها العصيّة أحياناً على التكميم (الأرقام). فلا عجب أن يكون المِخيال الأدبي والثقافي زاخراً بمثل تلك المعطيات التي تعبّر عن هذا التمييز وتفضحه بأشكاله المتغيّرة بين الماضي السحيق والماضي القريب والحاضر. ألَم تصبح النساءُ ضحايا العِلم مواد مُغرية للكتّاب والفنّانين ومصادر إلهامهم؟

هكذا خلَّد  كِتاب "هيباتيا والحبّ الذي كان" ( لداود روفائيل خشبة) عالِمة الرياضيّات والفلك والفيلسوفة الإسكندرانيّة هيباتيا (370 – 415 م) التي كانت من أبرز شهيدات العِلم في التاريخ، فعرض فيلم "أغورا" الروائي حياتها في العام 2009، واستوحى يوسف زيدان من حياتها شخصيّته الأساسيّة "هيباتيا " في رواية "عزازيل"(2008) مركّزاً على مشهد سحلها من قبل الرهبان في الإسكندرية. أمّا شخصيّة "سليمة" ذات الفكر العقلاني، والتي، وبسبب تفرّغها شبه الكامل للقراءة والبحث في كتابات العلماء والفلاسفة العرب، ولتركيب العقاقير ومداواة الأهل والأصدقاء، فقد دفعت حياتها ثمناً لذلك في رواية "غرناطة"(1994-1995) لرضوى عاشور، إذ حكم القشتاليّون عليها بالموت حرقاً بحجّة أنّها تمارس السحر والشعوذة وبحجّة أنّها كافِرة. لكأنّ هذا الموروث الثقافي الذي يُشيْطِن المرأة العاقلة والعالِمة، لا يزال يحفر في اللّاوعي الجمعي للبشريّة، ويكرِّس النظرة الدونيّة إليها؛ فقد بيّن استطلاعٌ للرأي بعنوان: " Opinion Way "، جرى لمصلحة "مؤسّسة لوريال للنساء والعِلم (La Fondation L’Oréal Femmes et Science) أنّ 90 % من الأوروبيّين يعتبرون " النساء موهوبات في كلّ شيء، باستثناء البحث العلميّ"؛ و" أنّهنّ يفتقرن إلى التفكير العقلاني، ولكنْ أيضاً إلى المُثابرة" (مُتاح على موقع: NouvelObs.com،  نُشر بتاريخ 16 / 9 / 2015). فلا غرابة في ما كشفته المُعطيات التي أطلقتها الصحيفة اليومية الإسبانية "إلموندو" El Mundo في 27 أيلول (سبتمبر) 2017، والتي تفيد( نقلاً عن دوريّة كورييه إنترناسيونال عدد 1409 من 2 إلى 8 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017) بأنّ " النساء يحصلن على شهاداتهنّ العليا بدرجات عالية، وأنّهنّ يشكّلن الأغلبيّة من بين الباحثين الشباب في الجامعة، إلّا أن عددهنّ سرعان ما يتراجع مع كلّ تقدّم في سلّم التراتبيّة الجامعيّة"؛ وبأنّ" كرسيّاً جامعيّاً واحداً من بين خمسة كراسٍ جامعيّة تشغله امرأة. وهذا ما يشي بأنّ الرجال في أسبانيا ما زالوا يحكمون المراكز الجامعية المرموقة أو الاعتباريّة"؛ وهو الأمر الذي تبيّنه النِّسب الشاسعة بين الرجال والنساء في ما يخصّ تولّي كرسي جامعي في أغلبيّة الجامعات الإسبانية، والمائلة لمصلحة الرجال.

ففي جامعة هويلفا (Huelva) تبلغ نسبة الرجال الذين يشغلون كرسيّاً جامعيّاً 93.22 % مقابل 6,78 % للنساء، والأمر نفسه ينسحب على سائر الجامعات: جامعة البوليتكنيك Polytechnique في كاتالونيا( 91,63 % للرجال و8,37 % للنساء)، جامعة البوليتكنيك Polytechnique في قرطاجة (89,13 % للرجال و10,87 % للنساء)، جامعة كنتابري Cantabrie (88,05 % للرجال و11,95 % للنساء)، جامعة الملك خوان كارلوس (87,93 % للرجال و12,07 %  للنساء)، جامعة فالنسيا  Valence (73,06 % للرجال و26,94 % للنساء)، جامعة كومبلوتنس Complutense في مدريد (72,55 % للرجال و27,45 % للنساء)، جامعة روفيرا 1 فيرجيلي Rovira I Virgili (71,13 % للرجال و28,87% للنساء)، جامعة يونيد Uned (69,44 % للرجال و30,56 % للنساء)، جامعة دو برغوس De Burgos (66,67 % للرجال و33,33 % للنساء).

هذا في ما يخصّ بلداناً أوروبية، يُفترض أنها تجاوزت التقاليد التي تميّز بين المرأة والرجل، فماذا عسانا نقول عن المرأة والعلوم في مجتمعاتنا، ولاسيّما أنّنا بلدان ما زلنا نَستورد فيها العلوم؟

*مؤسّسة الفكر العربي

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف