شاعر ”غوانتاناميرا“ المُحِبّ للعَرَب

%d8%a7%d9%94%d8%ad%d9%85%d8%af-%d9%81%d8%b1%d8%ad%d8%a7%d8%aa

 

أحمد فرحات*

بين شعراء أميركا اللّاتينيّة المُعاصرين قاطبة، هو الأكثر "حبّاً حضاريّاً" للعرب، وجهراً بهذا الحبّ، وتنويهاً بمضامينه، هكذا دونما أيّ مُقابلٍ مادّي أو رمزيّ يسعى إليه؛ مع العِلم أنّ الشاعر والفيلسوف والإعلاميّ الكوبيّ خوسيه مارتي بيريث (1853 – 1895)، لم يزر بلداً عربيّاً واحداً في حياته، ولم يختلط بجماعة عربيّة بعينها، فكلّ ما عرفه عن العرب، استيعاباً واقتناعاً، كان نتيجة الثقاقة والتثقّف والكِتاب التاريخيّ والأدبيّ والفلسفيّ والعِلمي والقيَميّ الخاصّ بهم.

فهذا الشاعر الذي وُلد في هافانا من أبوَين إسبانيَّين، عاش حياةً قصيرة (42 عاماً)، لكنّها حافلة بالقراءة والكتابة والكِفاح السياسي الصلب ضدّ الاستعمار الإسباني لبلاده كوبا، حيث اعتُقل وهو في سنّ السادسة عشرة على خَلفيّة قصيدة أنشدها تنديداً بالمُستعمرين ووكلائهم المحلّيين، وأدّت لنفيه إلى خارج البلاد، إلى إسبانيا نفسها، البلد المُستعمِر لوطنه؛ فتابع من هناك كِفاحه السياسي والإعلامي بلا هوادة.

وبعدما درس القانون والفلسفة في جامعة سرقسطة، الحاضرة الأندلسيّة الزاهرة، وتخرَّج فيها، غادر الشاعر مارتي إلى فرنساثمّ إلى المكسيك فغواتيمالا….. وانتهى به المَطاف في نيويورك التي عاش فيها 15 عاماً، مؤسِّساً حِزباً سياسيّاً سمّاه "الحزب الثوري الكوبي". كما أنشأ صحيفة سمّاها "الوطن"، كرَّس عبرهما استئناف نشاطه النضالي الوطني والاستقلالي.. فجَمْهَر من حوله أتباعاً كوبيّين ومن سائر دول أميركا اللّاتينيّة المُقيمين في الولايات المتّحدة، فضلاً عن مواطنين أميركيّين من الحزبَين الجمهوري والديمقراطي، فعظُم شأنه وزادت شهرته، وعُومل كبطلِ تحريرٍ، ورفعوا نَصباً له في قلب مدينة نيويورك لاحقاً.

في شباط (فبراير) من العام 1895، ترك الشاعر جوزيه مارتي نيويورك إلى سانتو دومينغو، عاصمة جمهوريّة الدومينيكان اليوم، ليُطلِق من هناك بيانَ إعلانِ حرب استقلال كوبا عن إسبانيا، والذي سُمّي "بيان مونت كريستي" الشهير. واختيار سانتو دومينغو، كان له رمزيّته العالية لدى الشاعر خوسيه مارتي وقتها، أوّلاً، لأنّها المدينة الأولى التي أنشأها كريستوف كولومبس في العالَم الجديد سنة 1492، وثانياً، باعتبارها بوّابة الكاريبي الاستراتيجيّة على كوبا الكاريبيّة.

ومن فرط حماسته وجدّيته لخَوض"حرب الضرورة التحرّرية القصوى"، دَلَفَ الشاعر خوسيه مارتي من سانتو دومينغو إلى كوبا، بهدف الالتحاق المُباشر في صفوف المُقاتلين الكوبّيين هناك. وبُعيد وصوله إلى منطقة دوس ريوس، انخرط في معركة شرسة ضدّ القوّات المحتلّة، انتهت بمقتله على الفور، نتيجة ثلاث رصاصات عاجَلَهُ بها قنّاص مُحترِف.

ومثلما كرّمه الأميركيّون بِوضْع نَصْبٍ له في "سنترال بارك" في نيويورك، كرّمته بدَورها دولة كوبا الكاستروية، بأن سمّت مطار هافانا الدوليّ باسمه. كما رفعت نَصباً تذكاريّاً شاهقاً له في قلب "ميدان الثورة" في العاصمة هافانا.

الإشادة بالعرب ومآثرهم

احتار دارسو الشاعرخوسيه مارتي في العوامل والمؤثّرات التي دفعته إلى إعلان حبّه للعرب، وإعجابه المُطلق بهم،وانعكاس ذلك في مرايا الكثير من أعماله الشعريّة والأدبيّة،التي بلغ مجموعها 28 مجلّداً؛ بخاصّة أنّه كَتَب مسرحيّته الشعريّة الأولى التي سمّاها "عبدالله"، ولم يكُد يتجاوز السادسة عشرة من عمره. والمسرحيّة  تتحدّث عن دراميّات بطلٍ مصريّ من قوم النوبة، الذين هُم أصل الحضارة الفرعونيّة التي هي أيضاً من "عوائل العروبيّات القديمة"، بحسب الباحِث والعالِم اللّغوي اللّيبي الكبير د. علي فهمي خشيم. وجميع أبطال المسرحيّة  المذكورة، هُم من العرب المُعاصرين الذين يشاطرون الشعب الكوبيّ كفاحه ضدّ الاحتلال الإسباني لبلده، وبعضهم كان سبّاقاً، حتّى على الكوبيّين أنفسهم في تحمّل تَبعات التحرير هذه.

غير أنّ بعض النقّاد والمطّلعين على خارِطة الأدب والشعر في أميركا اللّاتينية يرون أنّ إقامة الشاعر مارتي في المنفى الإسباني، وتحديداً في سرقسطة الأندلسيّة، هي التي مكَّنته من الاطّلاع الواسع على الثقافة العربيّةالإسلاميّة، بوجهَيها القديم والحديث، ومن ثمّ الانخطاف بالشخصيّة العربيّة، وإلى حدود وصف العرب مرّة " بأنّهم كائنات رشيقة جذّابة، تكوِّن شعباً، هو الأكثر نُبلاً وأناقةً على وجه الأرض".

وحتّى على المستوى الشعبيّ العربيّ العامّ، له وصف بالغ العُمق والفذاذة لعلاقة العربيّ البسيط بجواده،إذ يقول: " إنّ العربيّ البسيط حين يتحسّس جواده بيديه، كأنّه يتحّسس أعماق نفسه".

كما اطّلع الشاعر خوسيه مارتي أيضاً على سِيَر وبطولات وإبداعات رموزٍ فكريّة ودينيّة وتاريخيّة وفلسفيّة ووطنيّة عربيّةإسلاميّة خلبت لبّه: عمرو بن العاص، المتنبّي، ابن خلدون، ابن رشد، محي الدّين بن عربي، الأمير عبد القادر الجزائريّ، أحمد عرابي، محمّد علي باشا، السلطان الحسن سلطان المغرب.. إلخ. وقد خلّف عدداً من الكُتب تحت عناوين وموضوعات محض عربيّة، مثل كتابه السابق الذكر: "عبدالله"، ثمّ كِتابه "إسماعيل الصغير"، والمقصود بإسماعيل هنا، هو أبو العرب، ابن النبيّ إبراهيم عليه السلام. على هذا الكِتاب، تعلِّق الناشطة الثقافيّة الأرجنتينيّة الصديقة ليونور غونزاليس بالقول " إنّ مَن يقرأ كِتاب "إسماعيل الصغير" للشاعر الكوبيّ خوسيه مارتي، لا يصدّق أن مؤلّفه ليس ّعربيّاً أو مُسلماً.. لا يصدِّق أنّه مسيحيّ ومؤمِن بمسيحيّته حتّى آخر الإيمان. غير أنّ هذا كلّه ليس بمُستغرَب على شاعرٍ ذي نزعة إنسانيّة عالية ومنزّهة، يعرف في عمق الاجتماع البشري، وفي ما وراء الأمور في السياسة التي تشوّه مَن تريد وكيفما تريد. إنّ الشاعر خوسيه مارتي، وأمام العرب وثقافتهم القديمة والوسيطة والمُعاصرة، يعرف كيف يتمثّل الأمور في النتيجة، وبعيداً من مفهوم الـ "نحن"  والـ"هم".

من هنا، وبالاستناد إلى ما قالتها لناشطة الثقافيّة غونزاليس،نعرف على مايبدو كيف استوعبت كلام الشاعر خوسيه نفسه في السياسة الأوروبيّة المُناوِئة للعرب: " ذلك هو منطقهم، أن يُعلي قيمة بلطجيّ إيرلنديّ أو مُرتزقٍ هنديّ، ممَّن خَدَم الدول الأوروبيّة على حساب عربيّ من المتبصّرين في الأمور، المترفّعين عن الدنايا، والذين لا تُثبط عزيمتهم هزيمة، ولا يعرفون التّخاذل حيال الفارِق العدديّ بينهم وبين أعدائهم، بل يدافعون عن أرضهم ورجاؤهم على الله القدير".

وكلّ مَن يقرأ ديوان شاعرنا الكوبي الكبير:"الأشعار البسيطة"، تفاجِئُه رباعيّات شعريّة ضمّنها أسماء وعناوين وعناصر عربيّة، ذات معانٍ إبداعيّة بمنظورٍ مُقارن ذي استقصاء تعاقبيّوكلّها خَزَنَتها ذاكرته العجيبة والغزيرة بحبّها للعرب والانحياز لهم.

وللشاعرخوسيه مارتي عبارة أثيرة باللّغة الإسبانيّة،علّقتها الناشطة الأرجنتينيّة على سبيل لوحة على جدارصالون بيتها الباريسيّ،تقول: " ليس من المنطق أن تتباهى بالحرّية والآخرون في العالَم مكبّلون بالقيود".

رائد الحداثة الشعريّة باللّغة الإسبانيّة

شعريّاً، يُعتبر الشاعر خوسيه مارتي، مع الشاعر روبن داريو والشاعر جوليان دل كاسال، في طليعة روّاد الحداثة الشعرية في العالَم الناطق بالإسبانيّة، أولئك الذين نسفوا التقليد الموروث للقصيدة التي كانت سائدة في ذلكم الفضاء الشعريّ الكبير والحميم؛ بل إنّ الشاعر المكسيكيّ الكبير أوكتافيو باث (نوبل 1990) يَعتبر خوسيه مارتي " أستاذه العظيم في فنّ الشعر"، بخاصّة لجهة تعلّمه إدخال خلايا الضوء في قلب ثنيّات كلمات قصائده. كما يعتبره المدماك المؤسّس لـ"جيل 1927 الشعريّ" في عموم إسبانيا والبلاد البوليفاريّة، والذي أَنتج شعراء كباراً في ما بعد، من طراز فريدريكو غارسيا لوركا، وبيثنتي ألكسندري، ورامون خيمينيث، وخورخي غيين، وبابلو نيرودا.. وغيرهم.. وغيرهمإلخ.

ونستدرك فنقولفي المناسبةإنّ الشاعر الكوبيّ خوسيه مارتي، هو صاحب كلمات الأغنية الأشهر، ليس في العالَم الناطق بالإسبانيّة فحسب، وإنّما في القارّات بأكملها، أقصد أغنية "غوانتاناميرا"، التي باتت تُغنّى في فنادق الخمس نجوم، كما في سائر الفنادق الرخيصة، والأزقّة الفقيرة، وفي محطّات المترو، وعلى أرصفة الشوارع المكتظّة بالمارّة في مختلف مُدن الأرض تقريباً.. باتت هذه الأغنية، وبلا منازع، أغنية سائر الشعوب وسائر الطبقات منذ الستينيّات من القرن الفائت وحتّى اليوم.

والأغنية تتحدّث عن امرأة ريفيّة كوبيّة ساحرة الجمال،آتية من غوانتا نامو ليلتقطها خيال الشاعر مُخاطباً إيّاها:

"غوانتاناميرا.. أنا رجل صادق/ جئتُ من حيث تتكاثر أشجار النخيل/ وقبل أن أغادر هذي الدنيا/ أهفو إلى أن أجدل من روحي الأشعار/ أزرع وردة بيضاء كالثلج اليَقِق/ لصديق متفتّح القلب/ يمدّ يد العون لي/ أوّاه، كم هي قرمزيّة ومشعّة/ تلكم الكلمات التي أسجِّلها/ وكم تبدو مثل زمرّدٍ متوهّج أيضاً/ أشعاري هي غزال جريح/ يبحث عن مأوى في أعالي الجبال".

تَجدر الإشارة إلى أنّ لفظة "غوانتاناميرا" تعني "المرأة الغوانتانامويّة"، أي تلك التي تنتمي إلى مُقاطعة غوانتانامو على الساحل الشرقي لكوبا، والتي احتلّتها الولايات المتّحدة في العام 1911 واستخدمتها قاعدةً بحريّة لجنودها، ثمّ في ما بعد كسجنٍ كبير للمُعتقلين الذين جاءت بهم من أفغانستان، الأمر الذي شوَّه ذاكرة المكان والزمان الكوبيّين، وأساء بالطبع إلى مخيّلة العُشّاق والحالِمين الذين طربوا، وما زالوا يطربون بتلك الأغنية/ العلامة.

* مؤسّسة الفكر العربي

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف