مصر في بؤرة الإرهاب: الأهداف والمُواجَهة الصعبة

%d8%ad%d8%b3%d9%86-%d8%b4%d8%a7%d9%85%d9%8a

 

حسن شامي*

في الوقت الذي باتت فيه داعش وغيرها من التنظيمات الإرهابيّة على وشك الهزيمة الماحقة في المشرق العربيّ، أصبحت المنطقة على أبواب تسويات لم تتبيّن بعد مَعالِمها الواضحة.

المرحلة تتطلّب حضوراً فاعلاً من الدول ذات الوزن، كي لا تأتي التسويات على حسابها، حيث البارز اليوم أنّ بين دول المنطقة الساعية في هذا الاتّجاه، إيران وتركيا، ولكلّ منهما حساباتها ومصالحها الخاصّة.

في هذا السياق لا بدّ من حضورٍ عربيّ وازِن، تمثِّل مصر كفّةً راجحة فيه، لكنّ مصر عليها وهي تواجه هذه المهمّة أن تتصدّى اليوم لتحدّيات كبيرة من الداخل، يفرضها تنامي الإرهاب على أراضيها، وقد نوَّع أساليبه وزاد في التوزّع الجغرافي لعمليّاته، من دون التخلّي عن "مركز ثقله" في سيناء.

المجزرة التي ارتكبها الإرهابيّون في المصلّين داخل مسجد الروضة في العريش وخارجه (شمال سيناء) ظهر يوم الجمعة في 24 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، شكّلت بضحاياها الثلاثمئة وخمسة ذروة وسابقة في مستوى عمليّات التنظيمات الإرهابيّة، حيث لم يسبق أن سقط مثل هذا العدد من الضحايا البريئة في موقعة إجراميّة على الأرض المصرية، ولم يتمّ من قَبل استهداف المساجد بهذا الشكل.

تأتي هذه المجزرة بمثابة نذير باستراتيجيّة التنظيمات الإرهابية في المستقبل،إذ هي تكشف تطوّراً كبيراً في أساليب الإجرام، ربّما تكون سبيلها لاستعادة "حيويّتها" التي فقدت اندفاعاتها بعد الهزيمة في سوريا والعراق، إذ إنّ هذه الهزيمة ربّما لم تصل إلى حدّ تعطيل قدرتها على الانتظام في استراتيجية وتكتيك جديدَين، أينما سنحت لها الفرصة

لماذا مصر؟

ما الذي يجعل مصر اليوم الهدف الأوّل للإرهاب، الذي يبدو أنّه وجَد في أرض الكنانة خاصرة ضعيفة؟

ثمّة أسباب كثيرة، لعلّ من أبرزها الظروف المواتية للتنظيمات الإرهابية التي تتّخذ من سيناء موقع تمركز لها، تمتَّنت عندما كانت تستفيد من الثغرة المفتوحة في غزّة إبّان الانقسام الفلسطينيالفلسطيني. وتشكِّل المجموعات المنظَّمة والمُنتشِرة في شبه الجزيرة مشكلةً، يسعى الجيش المصري، ومعه الأجهزة الأمنيّة المصرية الأخرى في البحث عن أنجع السبل لحلّها، من أجل مُحاصرة هذه التنظيمات والحدّ من خطورتها.

يجري استخدام الإرهاب في هذه العمليّات المُتصاعدة كمّاً ونَوعاً، والمتواتِرة زمنيّاً، شهراً بعد شهر، ليس من أجل زعْزَعة استقرار مصر وتخريب اقتصادها وضرْب السياحة فيها فقط، بل لمنْعها من استعادة دَورها المحوري في المنطقة، كأكبر كتلة عربية، في تعداد السكّان والقوى العسكرية والخبرة في السياسة.

لا يخفى أنّ وراء تصعيد العمليّات الإرهابية استهداف الدَّور المصري الذي عاد إلى البروز في مُعالَجة أزمات المنطقة، وخصوصاً بعد النجاح في تحقيق المُصالَحة الفلسطينيةالفلسطينية، التي تمضي قدماً نحو انتخابات عامّة خلال الشهرَين المُقبلَين. وكذلك الجهود التي تبذلها القاهرة على خطّ معالجة الوضع السائب في ليبيا.

لعلّ هدفاً آخر أوسع مدى يضعه المحرّكون للإرهاب في مصر، وهو التنسيق المصريالخليجي، وخصوصاً السعودي، في وقت تشهد المنطقة مساراً متقدّماً على صعيد البحث عن حلول للأزمة السورية ومُعالَجة الوضع العراقي وسط تجاذبات حادّة بين القوى الإقليمية والدولية المؤثِّرة، وتسعى إيران لتحقيق مكاسب نوعيّة، بينما تستعيد تركيا حضورها، وتبدو طهران وأنقرة أبرز الساعين لاستثمار الشرخ الذي أحدثته المسألة القَطَريّة في نسيج وحدة مجلس التعاون الخليجي.

لا بدّ من الإشارة إلى أنّه، على الرّغم من ضخامة الجريمة المتمثّلة في استهداف مسجد الروضة، يبقى الجيش وقوى الأمن المصرية، الهدف الأوّل للإرهاب. فمنذ العام 2013 سقط ما يربو على 1600 شهيد من العسكريّين المصريّين، وكان بعض العمليّات نوعيّاً في استهدافه مراكز عسكرية وأمنية ونجاحها في النيل الغادر من ضبّاطٍ كبار.

ليس عشوائيّاً

بناءً على هذه المعطيات، يتّضح أنّ الإرهاب في مصر ليس عنفاً عشوائيّاً، وأنّ غاياته معروفة، وإن كانت كثيرة ويختلف بعض منها عن غيره، وقد لا تلتقي جميعاً. وهي كذلك، لأنّ مصر، أوّلاً، تعاني من مصدرَين حدوديَّين مُباشرَين للإرهاب: ليبيا وقطاع غزّة. وإذ لم يعُد المصدر الغزّاوي بالخطورة التي كان عليها قبل المُصالَحة الفلسطينية الفلسطينية الأخيرة، فإنّ سيناء لا تزال قلعة يتحصّن داخلها الإرهابيّون، وخصوصاً أنّ الإرهاب استوطَن شبه الجزيرة منذ ما يقارب العقدَين من الزمن، حين أطلق الدكتور خالد مساعد، في أثناء دراسته في كلّية طبّ الأسنان في جامعة الزقازيق، تنظيم "التوحيد والجهاد"، بمساعدة صديقه نصر خميس الملاحي، ليقوما مع بداية القرن الحالي بتجنيد عدد كبير من الشباب، وتدريبهم على استخدام الأسلحة وصناعة المواد المتفجّرة في صحراء مدينة العريش ومنطقة وسط سيناء. وقام التنظيم بأولى عمليّاته الإرهابية في 7 تشرين الأوّل (أكتوبر) من العام 2004.

وعقب ثورة 25 يناير، أعلن عدد من التنظيمات الإرهابية عن أسمائه، ومن أبرزها "أنصار بيت المقدس" و"مجلس شورى المجاهدينأكناف بيت المقدس". ثمّ اندمجت هذه التنظيمات عقب ثورة 30 يونيو تحت لواء تنظيم "أنصار بيت المقدس"، وتوسّع التنظيم بانضمام عناصر محليّة وأخرى من المحافظات، وعناصر فلسطينية، نقلت معها خبرتها في استخدام الأسلحة وصناعة المتفجّرات. وقد وقع ما يزيد على 1071 عمليّة إرهابيّة خلال السنوات الثلاث الماضية (2014-2015-2016) ما يقرب من 89% منها نفّذها تنظيم ولاية سيناء التابع لـداعش، وذلك بحسب دراسة لمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.

أمّا الحدود اللّيبية المُترامية على مسافة 1200 كيلومتر، فتبقى الفضاء غير الخاضع للرقابة إلى حدٍّ كبيرٍ، وهي تقع على حافّة أوروبا، ما يعطي للتنظيمات الإرهابية دافعاً أكبر كي تكون عمليّاتها ذات وقع كبير.

معضلة سيناء

في الواقع الجيش المصري مصنّف في مرتبة متقدّمة إقليميّاً وعالميّاً، ويمتلك إمكانات تسليحيّة هائلة جدّاً. الظهور المتطوّر لتنظيم داعش في سيناء، استدعى أن تنفق مصر نحو 20 مليار دولار على السلاح، منذ العام 2015، ولا يزال عليها إنفاق المزيد لامتلاك نوعيّات متقدّمة من الأسلحة تتناسب مع هذه المَهام، في الوقت الذي تعمل على بلورة رؤية واستراتيجية وخطط مُبتكَرة قابلة للتنفيذ، تشمل تطوير نُظم الاشتباك التي تنظِّم عمل الجيش والقوى الأمنية وقواعدها، في مُواجهات أقرب ما تكون إلى حرب العصابات ولعبة الكرّ والفرّ فيها. وإلى ذلك تبرز الحاجة إلى وضع تصوّر واضح لنَوعيّة الإعداد والتدريب والتسليح التي تحتاجها القوى العسكرية في الحرب على الإرهاب، وتمكين قوّات الأمن من القدرة على اختراق المجموعات الإرهابيّة معلوماتيّاً، في وقت تكشف العمليّات الأخيرة أنّ الإرهابيّين يملكون أجهزة ومعدّات وأسلحة حديثة جدّاً.

في مُواجَهة الإرهاب، وفضلاً عن تأثير العامل الإقليمي، وربّما الدولي المساعد على انتشار التنظيمات الإرهابية، تشكّل الصعوبات التي تعانيها الوقائع المالية والاقتصادية في مصر، عوائق تعترض الدولة المصرية في حربها على الإرهاب، أبرزها البيئة المحليّة للبؤر والمناطق التي يتمركز فيها الإرهابيّون كسيناء، التي تتداخل في تشكيلاتها المجتمعية عوامل عدّة. فمن جهة، يتردّد كثيراً أنّ تردّي الوضع الاقتصادي للسيناويّين بسبب الإرهاب نفسه، والذي يضرب حركة السياحة والتنمية في شبه الجزيرة، يُسهم في الفوضى وعدم الاستقرار. وهو أمر أتاح للقبائل هناك فرصة تشكيل قوى مسلّحة منظَّمة تستغلّ انخراطها في مؤازرة الجيش في مُحارَبة التنظيمات الإرهابية، لبناء كيانات خاصّة بها تخدم مصالحها التجارية غير المشروعة، في وقت تعيش هذه القبائل حالة من الصراع على النفوذ والمصالح.

الحاجة إلى تعزيز الثقة

لتحصين مَهام مُواجَهة الإرهاب، تبرز الحاجة إلى تثبيت أركان دعائم الدولة وتقويتها، وتعزيز ثقة الشعب فيها، السياسية والاقتصادية والاجتماعية المختلفة، ناهيك بقضايا تعزيز ثقافة مُواجَهة الإرهاب وتعزيز مسألة الحرّيات وحقوق الإنسان، التي تحظى جميعها بموافقة العديد من القوى والأحزاب السياسية والمنظّمات المدنيّة التي يُمكن أن تكون داعماً ورصيداً كبيراً في هذه المعركة.

أيضاً، ثمّة حاجة ملحّة إلى خطابٍ ديني عقلاني يُواجِه التطرّف في تفسير الدّين الذي يشكّل الأداة العقائدية للإرهاب، كما هي الحاجة إلى خطاب إعلامي يتعامل بمهنيّة ومسؤوليّة عالية ومُتواصِلة مع الإرهاب، فيكشف استهدافاته ويفضح غاياته، وينزِّهه عن تعاليم الدّين الحنيف، ولا يعمد إلى التهوين من مدى خطره أو التهويل به، وخصوصاً لجهة زجّه بالسياسة وتوظيفاتها وسائر أفانينها المتقلّبة.

*إعلامي وكاتب من لبنان

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف