مشكلات تعليم اللغة العربية في الهند

 

أحمد فرحات

عهد اللغة العربية مع الهند قديم جداً.. يعود إلى ما يزيد على 15 قرنًا، لكن تبلور ظهورها هناك، لم يتشكّل عميقاً إلا بعد الفتح الإسلامي على يد القائد العربي الشاب محمد بن القاسم في 712 م، موجهاً من عمّه، حاكم العراق الأشهر والأكثر حزماً وقتذاك، الحجاج بن يوسف الثقفي.

ومع انتشار الإسلام، انتشرت اللغة العربية، وترسّخت في بلاد الهند والسند.. كيف لا وهي لغة القرآن الكريم، ولسان الدعوة الإسلامية، ولولاهما لما تعزّز شأنها، وبقيت حيّة مستمرة على كرّ الأيام والحقب.. وذلك نتيجة لما هو فرض، أو فريضة على كلّ مسلم مؤمن، وذلك بأن يتلو في صلاته آيات القرآن المباركة خمس مرّات يومياً، فضلاً عن ضرورة ترداده الأحاديث النبوية، وما يشتق عنها من شروح وتفاسير وتلقين لمن هم حوله إلخ..

وحالياً، ثمة أكثر من 25 جامعة كبرى في الهند تدرّس اللغة العربية، وبعضها يخرج طلاباً في الماجيستير والدكتوراه، وفي طليعتها جامعة دلهي، والتي كان زارها قبل سنة كاتب هذه السطور، وتزوّد بالعديد من الكتب والدراسات والدوريات المختصّة بموضوع لغة الضاد في الهند، وتاريخها ومسائل تعلمها، ومن بينها دورية فصلية بعنوان: "ثقافة الهند"، التي يصدرها "المجلس الهندي للعلاقات الثقافية".. ويرأس التحرير فيها البروفسور نثار أحمد الفاروقي، رئيس قسم اللغة العربية وآدابها (سابقاً) في جامعة دلهي.

وفي العدد عينه، الذي يحمل الرقم 4، المجلد 41– 1990، ينشر البروفسور الفاروقي مقالة مطولة بعنوان: "مشكلات تعليم العربية في الهند.. استعراض واقتراحات"، جاء فيها (بتصرف اختزالي طبعاً) أنه حتى النصف الأول من القرن التاسع عشر، لم يكن يدرس اللغة العربية في الهند، إلا من كان يعقد نيّته على دراسة العلوم الدينية، ونظام المسلمين الاقتصادي. ولذلك لم يكن يقصد المدارس الدينية، إلا أولئك الذين كادوا يكونون أمناء على تقاليد العلم المتينة المحكمة في أسرهم، ثم لم يلبث أن أخذ هذا الوضع يتغيّر بالتدريج، وتوجّهت غالبية الطلبة المجيدين إلى الكليات المختصّة بتعليم العربية، طمعاً في الرزق، وتلبيةً لوظائف جديدة مغرية في غالبيتها، إن في السلك الخارجي، أو في الشركات الخاصة، التي تتقاطع مصالحها مع العالم العربي، ولاسيّما منطقة الخليج منه بخاصة.

ولم يك ممكناً أن يتمّ تدارك النقص في هذا المضمار، ما لم تربط المقررات الدراسية للمدارس بالوظائف، كما يقولون اليوم. ولم يكن العلماء راضين عن هذا التغيير في جانب، وفي جانب آخر لم تكن هناك طريقة واضحة يمكن اتخاذها كضمان للرزق.

والآن، ومع ولوجنا النصف الأخير من القرن العشرين، تلقت اللغة العربية جرعات اهتمام جديدة ومميّزة، إذ أصبح من الممكن وضع مقرر دراسي يؤدي إلى الوظائف في البلاد التي كانت تدرس فيها هذه اللغة كلغة دينية فحسب. إن تعليم العربية سينقسم  الآن، وبصورة واضحة، إلى قسمين: التعليم الديني والتعليم المؤدّي إلى الوظائف.

ولسنا هنا، وفق وجهة نظر د. الفاروقي، بصدد البحث في ما هي التعديلات والتغييرات التي لا بدّ منها في المقرر الدراسي الديني طبقاً لإلحاحات الساعة. ويكفي هنا أن نشير إلى أن خريجي المدارس الدينية، يمكن أن يسدّوا الاحتياجات الداخلية والمحلية فحسب. ونخال أنهم لن يكونوا في خلو من الذنب، أننا تركنا المستشرقين، وحبلهم على غاربه، ليقدموا صورة مشوهة للإسلام والمسلمين أمام شعوب العالم.

من الجاهلية الى أحمد شوقي

إن المدارس الدينية لا تولي الأدب واللغة عنايتها البالغة، إلا قلة قليلة منها. ويعني ذلك أنه لا يدرس فيها الأدب، كشيء نابض بالحياة والحركة. ولذلك إن طالباً دينياً يستطيع أن يدرس الشعر الجاهلي، ونثر  العصر العباسي، أو الشعراء الكلاسيكيين، مثل المتنبي وأبي نواس، وأن ينقل ذلك إلى لغته. ولكن هذه المطالعة، لا تخلق فيه مؤهلة النقد في أغلب الأحوال. وقد كنّا في ما مضى نطوي سجل الأدب العربي مع نهاية الخلافة العباسية.. والآن نقفز إلى عهد غزوة نابليون، وتنتهي دراستنا بحافظ إبراهيم وأحمد شوقي فقط، ولا نلم بالاتجاهات الشعرية الحديثة، والحركات الأدبية بعامة.

وإذا كان الأدب مرآة أحاسيس قوم، أو شعب ومشاعرهم، ويكون مقياس صوت ضمائرهم، فلا يمكننا أن نرى صورة العرب الأصيلة إلا إذا درسنا آدابهم مع البصيرة النقدية من وجهات مختلفة.

هذه هي حال الأدب.. أما حال اللغة، فجوانب عدّة منها كذلك، جديرة بأن نعمل الفكر فيها. إننا أيضاً، ندرس اللغة كشيء جامد، ونغفل اتجاهها الطبيعي. فاللغة مثل الكائن البشري الحي.. يولد وينشأ ويشبّ ويسود عالماً، ثم يفتقد بعد ذلك كلّ جدوى في ذاته، ويسلم نفسه إلى بارئها حتى ينساه الناس..تماماً كما الكلمات والأمثال، خصوصاً إذا لم يتعرف إليها النشء الجديد، فنعود إذ ذاك إلى ما يشبه الحكي في الأسطورة أو المستحاثة…

هكذا، إنه ليس بوسع المقررات الدراسية السائدة، أن تجعل اللغوي المختصّ يقف على اتجاه اللغة وبنيتها الفطرية. وما يعاب على المقررات أيضاً، هي أنها تجعل تعليم لغة ما  أمراً"مقصوداً بعينه".. وبات (والحال هو على ما هو عليه) منتهى مفخرة الطلاب الهنود هي أن يصيروا مترجمين، أو ترجمانيين، لا يتوجهون البتة إلى الأدب، ولا يجدون في أنفسهم ما يدعوهم إلى قول الشعر في هذه اللغة، ولا تتوالد فيهم تلك الكفاية النقدية التي تؤهلهم لوزن الأدب العربي في ميزان معاييرهم.. ومن دون ذلك لا تنتهي مطالعة الأدب واللغة ودراستهما إلى هدف، وتصيران ناقصتين وميكانيكيّتين فحسب.

إن اللغة وسيلة من الوسائل. وفائدتها الأصيلة تبتدىء من حيث تنتهي إليه. إذا كنت تملك سلماً من السلالم المحكمة الجيدة، وليس هناك مرتقى تصعد إليه، فما المفخرة في امتلاك ذلك السلم الجيد إذاً؟

إن معظم طلبة اللغة العربية في الهند، مع دراستهم الجدّية للغة الضاد، لا ينتفعون بهذا الخزين العلمي الكبير، الذي كان بوسعهم أن يتوصلوا إليه، فيما لو كانت الأمور معهم مختلفة.. وقديماً قيل "إذا أردت تعلّم لغة وإتقانها في الصميم، فلن يتأتّى لك ذلك من غير إبداعك فيها".

ثمة حاجة ماسة إذاً لإدخال تعديلات ثورية على مقررات اللغة العربية وآدابها في المعاهد والجامعات الهندية، تجعل الطالب يشعر معها بأنه يستطيع أن يكتشف عوالم جديدة للعلم من طريق هذه اللغة، وسيصله ذلك بهواجس خواطر العالم العربي. لكن ليست هذه هي فائدة التعليم غير الديني للغة العربية لوحدها. إنه يجب علينا هنا مراعاة المتطلبات العلمية والتقنية الحديثة في منهاجنا الدراسي المؤدي إلى الوظائف. إنّا لا نعلم ما تخفيه لنا الأعوام المقبلة في طياتها.. هل سيزداد مثلاً، معدل احتياج العالم العربي إلى مهاراتنا وخبراتنا أو سينقص معدله؟ ويتوقف الأمر بدوره على وضع مقرراتنا الدراسية المؤدية إلى الوظائف. إن العالم العربي يورّد اليوم عدداً هائلاً من المهندسين والعلماء والصناعيين. ومن البديهي أن اللغة ليست لمهندس أو طبيب إلا ذريعة من الذرائع، وليست مقصودة بعينها. ومن يمتلك هذه الذريعة، يحرز أيضاً نجاحاً أكثر. ونظراً للمتطلبات التكنولوجية والعلوم الملحة الأخرى، تقتضي الأمور منّا وضع مقرر دراسي خصوصي لخبراء هذه العلوم لمدة سنة واحدة، يعرّفهم بالمصطلحات الفنية المطلوبة، التي يبرزون فيها، وتلك التي يفتقرون إليها في التعامل مع الفنيين وغير الفنيين على السواء. وهذا سوف لن يستوفي كامل المتطلبات الكبرى المهمة، بل سيزداد الطلب على أولئك الخبراء، وتتحسن تأديتهم أيضاً. وههنا ستتلقى العربية قبولاً أكثر في الجامعات العصرية، وستتغير كذلك بعض أمور المدارس التقليدية.

إنجازاً لهذه المقترحات، نحتاج إلى إدخال تعديل جوهري آخر في المقررات الدراسية. إن اللغة العربية تدرس اليوم بطريقتين، تتفاوتان في ما بينهما تفاوت الأرض والسماء، ولا يوجد أي اتساق بينهما. ثمة منهج دراسي قديم في أسلوبه وأدواته، يلقى رواجاً في أغلب المدارس الدينية، يتأسس أسلوب التدريس فيه على تقاليد امتلاك ناصية اللغة من خلال التضلع بالنحو والصرف… إن كتب "بنج كنج"، و"ميزان متشعب"، و"كافيه"، و"ملا جامي" وأمثالها، هي ولا شك كتب جامعة للغاية، لكنها باتت غير عملية بالنسبة إلى طلبة كثيرين في الجامعات العصرية، خصوصاً في المدن.. وعليه فإن أسلوب التدريس الحديث والسهل جداً اليوم، والذي بات يتجاوز فيه الطالب الجامعي أشياء كثيرة، تتعلق ببعض تفاصيل الصرف والنحو، جعل ما سلف ذكره من كتب مهجور للغاية، وبات طلاب الجامعات العصرية، لا يستطيعون الإفادة منها حق الإفادة.

إذن، ولأمر ما، يتراءى ثمة فارق كبير بين طلبة المدارس الدينية وطلبة الجامعات العصرية. وإننا نعترف بأن بعض طلبة المدارس الدينية يمتلكون مؤهلات كبرى، ويكونون راسخين في عملهم، ولو قليلاً، ولكننا نتساءل في المقابل، لماذا نعقد الأمور، ونجعلها صعبة المنال، ما دمنا قادرين أن نجني أشياء نتعلمها في وقت قصير، وبأسلوب مباشر لا يعقد مسائل تعلم اللغة وتلقنها؟

إن التعاون بين الجامعات العصرية والمدارس الدينية، في ما يخصّ اللغة العربية، سيظل، ولا شك، ضرورياً للغاية، ولكن هذه المرة من خلال تشكيل لجنة محورية كبرى تتألف من ممثلي كلّ منهما، تقوم هي وحدها بتسوية قضايا التعليم ومناهجه عبر تفاصيل واضحة المتطلبات والشروط.

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف