قمّة الكويت وحفظ الانتظام الخليجيّ العامّ

%d8%b9%d8%af%d9%86%d8%a7%d9%86-%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85%d8%a9

 

عدنان كريمة*

لأوّل مرّة منذ نحو 37 عاماً، تنعقد قمّة خليجيّة لدول مجلس التعاون الستّ، بغياب ثلاثة قادة، حيث تمثّلت المَملكة العربيّة السعوديّة بوزير خارجيّتها عادل الجبير، ودولة الإمارات بوزير الدولة للشؤون الخارجيّة الدكتور أنور قرقاش، ومَملكة البحرين بنائب رئيس مجلس الوزراء الشيخ محمّد بن مبارك آل خليفة. ويعود سبب خفض التمثيل إلى مُقاطَعة الدول الثلاث لدولة قطر، وفشل مساعي المُصالَحة التي استمرّت نحو ستّة أشهر. ولكن حرصاً من قادة هذه الدول على أهمّية مكانة الكويت التي استضافت القمّة، وتقديراً لجهود أميرها الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، حضرت القمّة بتمثيلٍ منخفض، بدلاً من مقاطعتها، وحتّى لا تكون أوّل قمّة خليجيّة في تاريخ المجلس، يتمّ تأجيلها.

لذلك أثبتت القمّة بانعقادها في الخامس من كانون الأوّل (ديسمبر) الماضي أنّ المجلس لا تزال تنبض فيه الحياة، مؤكّدةً قدرة هذا الكيان على الصمود أمام التحدّيات، وأنّ قادة دوله متمسّكون بمُواصَلة العمل لتحقيق التكامل الاقتصاديّ بجميع بنوده ومراحل تنفيذها، وصولاً إلى "الوحدة الاقتصادية" بحلول العام 2025 ، وفق برامج عمليّة محدَّدة.

في الواقع، لم تتحقّق الأهداف المُبتغاة كاملة، ولكن يرى بعض المُراقبين، أنّ عقد القمّة في دَورتها 38 بحدّ ذاته وفي موعده، نجاح لمجلس التعاون، حتّى أنّ امير الكويت قال في اختتام الدَّورة إنّ " القمّة أثبتت مجدّداً صلابة كياننا الخليجي وقدرته على الصمود أمام التحدّيات، عبر تمسّكنا بآليّة عقد هذه الاجتماعات، وما توصَّلنا إليه خلالها من قرارات، ستُسهم من دون شكّ في إثراء تجربتنا المُباركة، وتعزيز مسيرة عملنا الخليجي المُشترَك، بما يحقِّق آمال شعوبنا وتطلّعاتها".

وبما أنّ تأسيس هذا الصرح الخليجيّ في أيّار (مايو) 1981، قد نصَّ في نظامه الأساسيّ على أنّ هدفه الأسمى هو تحقيق التنسيق والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين، وصولاً إلى وحدتها وتعميق الروابط والصلات وأوجه التعاون الخليجي وتوثيقها في جميع المجالات، فقد أوصى "إعلان الكويت" في خِتام القمّة "بضرورة إدراك التحدّيات التي تهدّدِ أمن المنطقة واستقرارها، وأهمّية التمسّك بمسيرة مجلس التعاون، وتعزيز العمل الجماعي، وحشد الطاقات المُشترَكة، لمواجَهة جميع التحدّيات، وتحصين دوله عن تداعياتها، بما يلبّي تطلّعات مواطنيها، للحفاظ عل مكتسبات التكامل الخليجي"، مشيراً إلى أنّ المجلس" قطع خطوات مهمّة منذ تأسيسه نحو تحقيق هذا الهدف، وهو ماضٍ في جهوده لاستكمال خطوات التكامل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والأمني والعسكري وبرامجه ومشاريعه، من خلال التنفيذ الكامل للخطط التي تمّ إقرارها، ورؤى الدول الأعضاء في تعميق المواطَنة الخليجية الكاملة".

مراحل التنفيذ

حدَّدت قمّة الكويت التطبيق الشامل لبنود الوحدة الاقتصادية، وضرورة تذليل العقبات في طريق السوق الخليجية المُشترَكة، واستكمال متطلّبات الاتّحاد الجمركي، وصولاً إلى تحقيق هذا الهدف بحلول العام 2025، هل يُمكن تحقيق ذلك؟

تتركّز جهود الأمانة العامّة لدول المجلس على تنفيذ قرارات القمم الخليجية المتعلّقة بإنهاء المرحلة الانتقالية للاتّحاد الجمركي الخليجي الموحّد، باستكمال ما تبقّى من متطلّبات هذا الاتّحاد التي نصّت عليها المادّة الأولى من الاتّفاقية الاقتصادية، وتشمل اتّخاذ إجراءات حازمة لتسهيل إجراءات المنافذ الجمركية وتسريعها وتبسيطها، تمهيداً لإلغائها، واستكمال المُعامَلة المميّزة لدول المجلس وأسرِهم من دون استثناء.
ومن هنا، يُعَدّ الاتّحاد الجمركي الذي انطلق في كانون الثاني (يناير) 2003، إحدى أهمّ خطوات التكامل الاقتصادي الخليجي، ويشكِّل تحوّلاً نوعيّاً في العمل المُشترَك، لكونه يقوم أساساً على توحيد التعرفة الجمركية وإزالة معوّقات التبادُل التجاري، وتوحيد إجراءات الاستيراد والتصدير، ومُعاملة المنطقة الجغرافية للدول الأعضاء كمنطقة جمركية واحدة.

ولوحظ أنّ دخول الاتّحاد الجمركي مرحلة النفاذ الفعلي مبكراً، اعتُبر خطوة كبيرة في سبيل تنمية الاقتصادات الخليجية للاستفادة من اقتصادات الحجم الكبير. وتشير الإحصاءات إلى أنّ حجم التجارة الخارجية لدُول المجلس تقدَّر بنحو 1,3 تريليون دولار سنويّاً، منها 950 مليار دولار للصادرات، ونحو 450 مليار دولار للوارِدات، أمّا التجارة البَيْنيّة فهي ضئيلة جدّاً، وكانت في العام 2005 لا تزيد على 32 مليار دولار سنويّاً، ولكنّها تضاعفت ثلاث مرّات حتّى تجاوزت 100 مليار دولار، وذلك نتيجة تفعيل اتّفاقية الاتّحاد الجمركيّ وبدء العمل بالسوق الخليجيّة المُشترَكة عام 2008، فضلاً عن زيادة وتيرة التنوّع الإقتصادي والتنمية الصناعية الخليجية. ولكن لا بدّ من الإشارة إلى أنّ تراكُم المعوّقات الجمركية وغير الجمركية، عرقلَت أداء الاتّحاد وفعاليّته، ما أدّى إلى تأجيل موعد تدشينه نحو 13 سنة، وهي فترة طويلة لم تكُن متوقَّعة.

لا شكّ في أنّ السنوات الأخيرة تميّزت بالعديد من الإنجازات التي يعيشها المواطن الخليجي، سواء لجهة الانتقال والإقامة والعمل، بالبطاقة بين الدول الأعضاء، أم لجهة مُمارَسة النشاط الاقتصادي والتجاري وانسيابيّة رؤوس الأموال، وحقّ المساهمة في الشركات التي تؤسَّس في دول المجلس، أو شراء أسهم الشركات المُساهِمة من الأسواق المالية، ثمّ تملُّك العقار لأغراض السكن أو الاستثمار. ولكنْ على الرّغم من ذلك تبقى هناك صعوبات كثيرة تواجِه تطبيق بنود الاتّحاد الجمركي، وتسهيل عبور البضائع على الحدود بين الدول، مع الإشارة إلى أنّه تمّ الاتّفاق في أيّار ( مايو ) 2014 على حلّ آخر الخلافات التي تتعلّق بتقاسُم الإيرادات الجمركية، على أن يبدأ التطبيق الفعلي في مطلع العام 2015، ثمّ تأجَّل إلى أن يشهد المرحلة الانتقالية.

وعلى الرّغم من الصعوبات المختلفة والمتنوّعة التي واجَهت مجلس التعاون، وما نتج عنها من خلافات واختلافات بين حكومات الدول الأعضاء، أدّت إلى تأخير تطبيق المراحل التنفيذية للتكامل الخليجي، فإنّ هذه الدول تمكّنت خلال تلك الفترة من مُواجَهة الأزمات والحروب والمؤامرات كلّها التي شنَّت ضدّها.

قوّة الاقتصاد

أثبت الاقتصاد الخليجي قدرته على تجاوُز الأزمات المالية الإقليمية والعالَمية، حتّى أصبح قوّة تُسهم في نموّ مسيرة الاقتصاد العالَمي، وقد احتفَظ بموقِع متقدّم من ضمن قائمة 12 اقتصاداً عالميّاً. وحرصاً من دول المجلس على استمرار الإنجازات التي حقّقها في السنوات الماضية، وحماية مسيرته ونموّها، قرَّر الانتقال من "مرحلة التعاون" إلى "مرحلة الاتّحاد"، كونه ضرورة داخلية وإقليمية، وضرورة أمنية واقتصادية، على أن يكون عنصر استقرار للمنطقة يحفظ لكلّ دولة خليجية سيادتها ونظامها، وينهض بالعلاقات في ما بينها، بتحويلها من إطار التنسيق والتعاون المحدود إلى تكتّل اقتصادي، سياسي، أمني، قادر على أن يصمد أمام التحدّيات وتحقيق الأهداف والطموحات، وخصوصاً في ظلّ الأخطار التي تعصف بالمنطقة، والتي قد تُحدث متغيّرات سريعة وتحالفات سياسية وأمنية، فضلاً عن بروز تكتّلات اقتصادية مهمّة وفاعِلة في العالَم.

لكن يبدو أنّ اعتماد دُول المجلس على النفط، وعلى الرّغم من وفرة التدفّقات المالية على مدار عقود ماضية، جعلها تخفق في بناء اقتصاد قويّ، ولم تُسهِم في إنجاز إصلاحات إقتصادية ومالية واجتماعية، الأمر الذي أسهم بدَوره في عجز الحكومات عن التخلّص من نمط "الاقتصاد الريعي".

واذا كان لتراجُع أسعار النفط تداعيات ومؤشّرات سلبية، مع تراكُم الخسائر وبالتالي العجز المالي للدول المُنتِجة، فإنّه في الوقت نفسه وفَّر فرصة كبيرة وملحّة، دفعت دُول المجلس إلى تكثيف جهودها، واستعجال خطواتها في مسيرة التنوّع الاقتصادي وتعدُّد مصادر الدخل بدلاً من الاعتماد كلّياً على عائدات النفط. وهنا تبرز أهمّية الهدف الرئيس المُشترَك في تحقيق "رؤية المَملَكة العربية السعودية 2030" التي تهدف إلى إحداث تحوّل جذريّ في الاقتصاد الخليجي عن طريق زيادة معدّلات النموّ، وتنويع القاعدة الإنتاجية، ودعم مصادر الدخل الحكومي، فضلاً عن تمكين القطاع الخاصّ من القيام بدَور أكبر في النشاط الاقتصادي، مع التركيز على رفع قدرة المُواطن وزيادة إنتاجيّته ومساهمته في سوق العمل. وبما أنّ معظم هذه الدول تمرّ بظروفٍ مشابهة لظروف المَملكة التي يشكّل اقتصادها نصف الاقتصاد الخليجي، فهي تتطلّب إصلاحات جذريّة تستند إلى أُسس صلبة، لتتحوَّل من الاقتصاد النفطي (الريعي عموماً) إلى اقتصاد طبيعي متنوّع في الصناعة والزراعة والتجارة والخدمات بمختلف أنواعها، وتحقيق ذلك يُمكن أن يتمّ في خلال فترة زمنية أقصر بكثير ممّا لو سَعَت كلّ دولة إلى التحوّل الاقتصادي بمفردها.

تبقى الإشارة إلى أنّ الأرقام تدلّ على أنّ دول المجلس بدأت خطواتها في هذا الاتّجاه. ووفق صندوق النقد الدولي، بلغ النموّ الاقتصادي الخليجي 2.2 في المئة في العام 2016، وسجَّل في العام 2017 أدنى مستوياته على الإطلاق عند 0.5 في المئة، لكنّه يتوقَّع أن يرتفع إلى 2.2 في المئة في العام 2018. واللّافت في هذا المجال أنّ تقرير الصندوق أشار إلى تعافي النموّ غير النفطي من 1.8 في المئة 2016 إلى 2.6 في المئة 2017، وتوقَّع 2.4 في المئة للعام 2018، مع العلم أنّ ضريبة القيمة المُضافة ستنفَّذ في بداية هذا العام.

*كاتب ومُحلِّل اقتصادي من لبنان

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف