القدس.. حتّى لا يكون التضامن معها سحابة عابرة

%d8%a7%d9%94%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%ac%d8%a7%d8%a8%d8%b1

 

أحمد جابر*

تأخّرت الدول العربيّة عن نجدة القدس، وتخلَّفت المجموعة الإسلاميّة عن المُبادَرة إلى تقديم العَون لها. عُمر التأخّر والتخلّي من عُمر النكبة الفلسطينيّة التي هي نكبة عربيّة شاملة من منظورٍ قوميّ عربيّ، وهي في الوقت ذاته صفعة لكلّ "الإسلاميّة" الرسميّة التي ما زالت ترى في مدينة القدس الفلسطينيّة أولى القبلتَين.

لنُسقِط سلفاً عنصر الفجاءة عن الفعل الصهيوني الاقتلاعي والاستيطاني في فلسطين، ولنَستبعِد عنصر المُباغَتة عن الخطوة السياسية التي أعلنها رئيس الولايات المتّحدة الأميركية، دونالد ترامب، فما دار فوق التراب الفلسطيني وحول عاصمة الفلسطينيّين قديم، وكان جليّاً وواضِحاً للعيان، وما دار في الأروقة الدوليّة، وعلى امتداد الجغرافيا الدوليّة، كان هو الآخر ظاهر الخطوط العريضة والرفيعة والدقيقة، وكان بيِّن القسمات.

في الداخل كان المشروع الصهيوني، وفي الخارج كان الغرب عموماً، وفي صفوفه الأماميّة القوّة الأميركيّة ودبلوماسيّة البيت الأبيض، ومنطق التفوّق والتعالي الذي قاد نظرة الولايات المتّحدة الأميركية حيال "العالَم الثالث" الذي تقع في قلبه كلّ البلدان العربية.

العرض السريع أعلاه، ليس تأريخيّاً، بل هو قول ماضٍ وراهن، معروف بالأمس، ومعروف اليوم، ومعه بات مألوفاً نمط الردود الإسلامية والعربية التي سلكت منحى تراجعيّاً على الصعيد العَملي، ولم تفقد الكثير من زخمها على الصعيد اللّفظي التعبوي ذي النبرة العالية.

مُعايَنة ردود الفعل على الخطوة السياسية الأميركية التي قضت بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، تقدِّم الصورة الحاليّة التي صار إليها مجمل الوضع الأميركي، أيّ أنّها تقدِّم السياق العامّ الذي جَعَل الخطوة السياسية الأخيرة خطوة مُمكنة من قبل الإدارة الأميركية. لقد انتقلت السياسات الأميركية إلى منطق التخفّف من التدّخل المُباشر الكثيف في النزاعات الخارجية، مع إدارة الرئيس السابق أوباما، وجرى الاحتفاظ بمنطق السيطرة من "فوق"، والإمساك بإدارة الصراعات من خلال سلوك التدخّل المقنَّن المحدّد والضروري، والسماح بناء على ذلك، لمتدخّلين آخرين بالقيام بالمهمّات غير الإنسانية، التي تريد السياسة الأميركية اجتنابها. ورث دونالد ترامب سياسة سلفه، وأكمل في سياسة دعاها "العرب" سياسة التخلّي، وقطَف خصوم العرب من هذه السياسة عناقيد نفوذ، مثلما قطف عدوّهم، الذي كان صهيونيّاً، فصار إسرائيليّاً، عنب الاستيطان وتغيير البنية الديموغرافية، وفرض أمر واقع جديد في فلسطين. تلخيصاً، جاء إعلان دونالد ترامب في سياق التدمير الذي أصاب كلّ عناصر القوّة العربية، وفي سياق انفراط عقد التضامن العربي بانفراط سياساته وبعض كياناته، وعندما صار "الحليف الأميركي" داعماً وحيداً للحلفاء، الذين ما كانوا في حسابات المخطّط الأميركي حلفاء.

من ضمن هذا السياق الدولي جرت روافد السياق الإقليمي، وإذ برز في هذا السياق إسمان، تركيا وإيران، فإنّ الصفة الإسلامية للاثنَين كانت باهتة في فلسطين، وبديلاً من دَور المُساندة والمُساعدة، وبديلاً من الدعم والمؤازرة، اعتمدت سياسات هذَين الاسمَين، التدخّلات في دول "الطوق العربي" أوّلاً، فأصابت مناعتها ومكانتها وموقعها ومصادر قوّتها، ولم تتردّد عن التدّخل في الداخل الفلسطيني، فكانت جزءاً من تغذية نزاعاته الانقسامية، على غرار ما حصل في قطاع غزّة، وكانت عنصر تشويش وتخريب على السياسة الرسمية الفلسطينية، ممثَّلةً بالسلطة الوطنية.

يتيح ذلك لنا القول إنّ العرب في فلسطين ليسوا واحداً، بل هُم عَرَبان وثلاثة وأربعة، والإسلام السياسي الذي يتحرّك مناسباتيّاً ليس إسلاماً واحداً في فلسطين، بل هو اسم لدُول كثيرة، غير متجانسة في السياسات، وغير مُتقارِبة في التوجّهات، ويضمر "إسلامُ" بعضها الشرَّ "لإسلامِ" الآخر، ولا يتوانى عن مناصبته الخصومة والعداء. في إزاء ذلك، يكون لفلسطين النصيب الأوّل من نتائج عدم استقامة الأوضاع في ديار العرب وفي ديار المسلمين؛ ولعلّ السنوات الأخيرة، بخاصّة سنوات ما توهَّم البعض أنّه ربيع عربي، تقدّم الدليل الأبرز على أنّ هموم فلسطين والاهتمام بها، كانت مقصيَّة إلى السطر الأخير من جداول الأعمال العربية والإسلامية، وأنّها كانت ملغاة لدى كثيرين من أبناء "العُمق" العربي والإسلامي إلغاءً جوهريّاً، وحاضرة في مواسم المُزايدة اللّفظية فقط.

يبقى السياق الفلسطيني الذي ما زال وحيداً منذ عقود، وفي هذا المضمار لا بدَّ من الإشارة التي لا تُخطئها عَين، إلى الاستعداد النضالي العالي للشعب الفلسطيني، وإلى قدرته على التضحية والعطاء، على الرّغم من كلّ ما أشير إليه من أوضاع موضوعيّة مُعاندة.

وكي يظلّ الكلام على الجادّة، يجب القول إنّ شعارات القومية العربية كلّها ما زالت شعارات فلسطينية، لأنّ الفلسطيني يجد فيها ملاذاً مستبقليّاً آمناً، ويرى فيها وسائل لتعزيز صموده، ولرفد معركته، ولحشد الطاقات من أجل انبعاث الشخصيّة الوطنية الفلسطينية المستقلّة. الوحدة العربية، والتحرّر والتحرير والتقدّم، شعارات قومية لا يتركها الفلسطيني، لأنّ في تركها ترك له لمصيره، ويعلم الفلسطيني أنّ الجزء الأهمّ من معاناته، هو في مغادرة "أبناء القوميّة" لمَيادين مهمّاتهم ومسؤوليّاتهم القومية.

اليوم، بادر البعض فدعا إلى عدم تعليم الفلسطينيّين نضاليّاً، وإلى إعطائهم الحرّية في تقرير الخطوات السياسية التي يرونها مناسبة. كذلك بادر بعض آخر، فدعا إلى الاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة لفلسطين، وندَّد بأشدّ العبارات بالخطوة السياسية الأميركية، لكنّ أيّاً من الداعمين لم ينتبه إلى تقديم اقتراحات حول سُبل الدعم اللّازمة لفلسطين، وأيّاً من أولئك لم ينتبه إلى أنّه لا يجوز اختصار العالَم بالكلمة الأميركية، مثلما لا يجوز التسليم المتأخّر، ومن موقع الأسف، بأنّ الراعي الأميركي لعمليّة السلام، لم يكُن راعياً نزيهاً. لعلّ من الخطوات التي لا بديل منها في معرض الدفاع عن القدس، المُبادَرة إلى الاعتراف الإسلامي والعربي باستقلاليّة السلطة الفلسطينية في اقتراح سياساتها وإدارتها، اعترافاً عمليّاً وليس لفظيّاً، كذلك المُبادَرة إلى وقف التدخّلات المستمرّة في الداخل الفلسطيني، والدعوة الفوريّة إلى إنهاء حال الانقسام الذي عصف بغزّة، فأصابَ كلّ الجسم الفلسطيني، ومع المُبادرتَين إعلان الاستعداد لتقديم كلّ الدعم المالي والسياسي والمعنوي والمادّي للفلسطينيين، داخل الأرض المحتلّة وفي العواصم العالمية. هذا فلسطينيّاً، أمّا عربيّاً فيجب إطلاق نداء وقف الحروب الأهليّة الداخليّة، والمُسارَعة إلى إطفاء نيرانها، إذ ليس بالاستمرار بالفتك بالنسيج الاجتماعي العربي وبعناصر القوّة العربية، وبالنزاعات المُنفلِتة على غاربها، يجري دعم فلسطين، أو إعداد "ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل…".

لتكُن القدس قبلة المسلمين إذا ما كان أولئك فلسطينيّي الهوى والسياسة، ولتظلّ القدس قبلة العرب، إذا عملوا على أساس نسبهم العربي الأصيل… وإلاَّ فالخشية من أن تكون الغضبة "القدسيّة" سحابة تضامن عابرة… ثمّ تكمل قافلة الاحتلال مسيرتها الهادئة.

 

*كاتب من لبنان

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف