دروس التحوّل الدّيمقراطي في دول آسيا

%d8%a5%d8%af%d8%b1%d9%8a%d8%b3-%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%86%d9%8a

 

د. إدريس لكريني*

لم تستطع الكثير من دول آسيا أن تطوي مراحل الاستبداد بسهولة، بسبب الأنظمة التسلّطية التي ظلّت تحكم هذه الأقطار بقبضة من حديد ونار؛ فيما لا زالت مَظاهر التسلّط سائدة في عددٍ من دُول المنطقة، كما هو الشأن بالنسبة إلى كوريا الشمالية وبنغلاديش وباكستان..

وباستحضار تجارب العديد من البلدان الآسيويّة، تبدو محدوديّة النظريّات التي تربط التحوّل الديمقراطيّ بتحقيق التنمية الاقتصادية.

على الرّغم من الإنجازات الاقتصاديّة المهمّة التي حقّقها العديد من دول جنوب شرق آسيا، إلّا أنّ المشهد السياسي ظلَّ مُنغلِقاً وجامداً لعقودٍ عدّة، كما أنّ الانفتاح الاقتصاديّ الذي نهجته هذه الدول لم يمنعها من تعزيز تدخّلها في الاقتصاد.

أسهم التوافُق السياسي، الذي شهدته الهند بعد الاستقلال عن التاج البريطاني، في تأمين التحوّل الديمقراطي بصورة بنّاءة، وبأقلّ الأضرار في هذا البلد المعروف بتنوّعه الديني والعرقي، حيث تمّ اعتماد دستورٍ ديمقراطي.

راكمت الهند تجربة ديمقراطية واعدة، تحقَّق فيها الكثير من الإنجازات والمكتسبات؛ وهي تجربة مفيدة، بالنظر إلى أنّ مسارها المتميِّز زَعزَع النظريّات التقليدية التي طالما ربطت بين تحقيق التنمية وحدوث التحوّل نحو الديمقراطية.

وتقدِّم الهند درساً مهمّاً يُبرز أنّ التنوّع العرقيّ وانتشار الإكراهات الاجتماعية لا يُمكن أن يعوِّقا مسار التحوّل الديمقراطي. فعلى الرّغم من الإكراهات الاجتماعية الكبرى التي عاشتها البلاد على مستوى ضعف البنيات التحتية وانتشار البطالة والأمّية والفقر في مجتمعٍ يتميّز بكثافة سكّانية كبيرة وبتنوّعٍ عرقي وثقافي هائل، استطاعت هذه الدولة منذ استقلالها عن بريطانيا في العام 1947 أن تتجاوز الصعوبات كلّها، وأن تُراكِم تجربة ديمقراطية واعدة مبنيَّة على تدبير الاختلاف وتداوُل السلطة بشكلٍ سلميّ؛ بحيث سمح ذلك بتحقيق مجموعة من الإنجازات الاقتصادية التي دَعمت التنمية في هذا البلد. وهو ما يجعل تجربتها الرائدة غنيّة ومفيدة في دروسها لكثيرٍ من الدول العربية التي ترزح تحت نير الفقر والإكراهات الاجتماعية والسياسية.

أمّا في ماليزيا، فقد حدث توافقٌ بين التيّارات السياسية المختلفة لدعم التحوّل الديمقراطي؛ حيث تميّزت التجربة أساساً بالقدرة على تدبير التنوّع المجتمعي، مع اعتماد إصلاحات اقتصادية مهمّة.

ويربط العديد من الباحثين بين الأزمة المالية (1997- 1998) التي عصفت باقتصاديّات مجموعة من الدول في شرق آسيا وما خلّفته من معضلات اجتماعية خطرة في علاقة ذلك بتزايد نسبة البطالة والفقر وتنامي التدخّل الأجنبي… من جهة، وعمليّة التّحول التي شهدتها هذه الأقطار من جهة أخرى. فيعتبر هؤلاء الباحثون أنّ تداعيات الأزمة كانت هي الدافع إلى التصويت بكثافة على المعارضة في مجمل الاستحقاقات الانتخابيّة التي شهدتها دول المنطقة، ما أسهم في تآكل شرعية النُّظم السياسية التقليدية وتراجعها، فضلاً عن إعداد الأجواء لإقرار دساتير أكثر انفتاحاً.

ففي تايلاند تميّز المشهد السياسي على امتداد عقودٍ عدّة بهَيمنة المؤسّسة العسكرية؛ الأمر الذي أثر بالسّلب على مجمل المُبادرات الإصلاحية التي عرفتها البلاد؛ وهو ما عكسته بعض الانقلابات التي تمخّضت عنها ارتباكات واضطرابات وصراعات داخل هذه الدولة.

وفي العام 1997، وفي ظلّ الأزمة المالية التي أحاطت بالبلاد ودول المنطقة، تمّ إصدار دستور جديد حمل مجموعة من المستجدّات دعمت الحقوق السياسية والاجتماعية والحرّيات، ورسَّخت ضمانات تدعم تخليق الحياة السياسية عبر التأكيد على مبدأ المسؤولية.

أمّا الفلبّين التي حصلت على استقلالها في منتصف الأربعينيّات من القرن المنصرم، فقد توافرت فيها مجموعة من العوامل أدّت إلى تراجع حدّة الاستبداد، ودخول البلاد مناخاً ديمقراطيّاً؛ من ذلك تجاوُز قانون الطوارئ، واندلاع الكثير من الاحتجاجات التي قادتها قوى المُعارَضة مطالبةً بالتغيير، فضلاً عن بروز حالة من التصدّع والتشظّي داخل صفوف السلطة الحاكِمة.

أسهمت عوامل داخلية وأخرى خارجية في نجاح التحوّل في الفلبّين الذي اتَّخذ في مجمله طابعاً سلميّاً. فعلاوة عن الحراك الداخلي ووجود معارضة على قدر كبير من القوّة والتأييد الشعبي، مع وجود زعيمة تحظى بشعبيّة ومقبوليّة في أوساط الجماهير(كورازون أكينو)، وكذلك الدَّور الذي قامت به الكنيسة الكاثوليكية بدعوتها إلى التظاهر السلميّ لمُواجَهة تزوير الانتخابات، وتمرّد بعض وحدات الجيش، كان للعامل الخارجيّ الضاغط أثرٌ في تسريع وتيرة هذا التحوّل، ما أفضى إلى سقوط الديكتاتور "فردناند ماركوس" وتولّي زعيمة المُعارَضة "أكينو" رئاسة الدولة بتاريخ 25 شباط (فبراير) من سنة 1986.

أمّا في أندونيسيا، فقد تمّ إسقاط نظام الرئيس "سوهارتو" تحت ضغط الشارع بعد حُكم طال لأكثر من ثلاثة عقود، وهو ما سمح ببروز نظامٍ انتقاليّ في العام 1999، وذلك قبل تنظيم انتخابات برلمانية، وإعمال تدابير صارِمة في مُواجهة الفساد واحتكار السلطة واستغلالها، وبروز نقاشات سياسية دعمت هذا التحوّل.

استطاعت أندونيسيا بإمكانيّات بشرية هائلة سِمتها التنوّع أن تُراكِم تجربة ديمقراطية متميّزة. وعلى الرّغم من الصعوبات التي واجهتها على مستوى تفشّي البطالة وتدهور الأوضاع الاقتصادية، إلّا أنّها تمكّنت من بناء مؤسّسات ديمقراطية من أحزابٍ سياسية ومنظّمات مدنية؛ وتحقيق معدّلات متقدّمة من النموّ الاقتصادي.

ويُمكن إجمال العوامل الدّاعمة للتحوّل داخل هذا البلد، في وجود شخصية عسكرية مُنفتحة على رأس السلطة (سوسيلو بانبانغ يوديونو 2004- 2014)، التي لعبت دَوراً كبيراً في تدبير التنوّع المجتمعي في البلاد، وسَعَت لإنعاش الاقتصاد المتدهور حينها، واعتماد التدرّج في الإصلاح ودعم الحقوق والحرّيات، وتعزيز المُشارَكة السياسية، فضلاً عن إعادة الاعتبار للتعدّدية والتنافسية الحزبية والسياسية، والتركيز على الديمقراطية المحلّية كمدخل لدعم الديمقراطية وطنيّاً؛ فيما تمّ تقنين مدّة ولاية رئاسة الدولة تفادياً لاحتكار السلطة. وهي العوامل التي كان لها الفضل الكبير في توليد ديناميّة سياسية وانفتاح اقتصاديّ في البلاد.

أمّا كوريا الجنوبية، التي كانت غارقة في مشكلات عسكرية وسياسية واقتصادية خلال فترة الخمسينيّات من القرن الماضي، فهي لم تكُن أحسن حالاً من نظيرتها الشمالية في أعقاب الحرب بين الطرفَين على مستوى هَيمنة المؤسّسة العسكرية على المشهد السياسي. فقد سادت في البلاد حالة من الحُكم المُطلَق والشمولية من حيث مُصادَرة الحقوق والحرّيات والتحكّم في الإعلام ومنْع التعدّدية الحزبية.

وبعدما أولَت كوريا الجنوبية أهمّية كبرى للجوانب التنموية والاقتصادية، ومع الإنجازات الاقتصادية الكبرى التي بدأت تظهر في سنوات الثمانينيّات من القرن المنصرم، وتطوّر المنظومة التعليمية ومخرجاتها، تعزّز وضع الطبقة الوسطى، وتنامى الوعي السياسي في البلاد، وبَرَز فاعلون اقتصاديّون وسياسيّون جُدد. كما حدث حراك شاركت فيه القوى المختلفة داخل المجتمع من عمّال وطلّاب ومثقّفين. وهذه كلّها عوامل أسهمت في خَلْخَلَة المُفارَقة القائمة بين نظامٍ اقتصاديّ متطوّر ونظامٍ سياسيّ تقليديّ ومتخلّف.

في أواخر الثمانينيّات من القرن الماضي، بدأت مَلامِح التحوّل تتّضح بصورة كبيرة في هذا البلد، على الرّغم من بعض الارتدادات الحاصلة في هذا الشأن، بعدما تمّ إعمال مجموعة من الإصلاحات السياسية استجابةً لضغط الشارع، سواء على مستوى إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية حملت المُعارَضة إلى الحُكم، أم على مستوى إقرار دستور أكثر تطوّراً، ما أسهم في ترسيخ التّداول السّلمي على السلطة وتبادُل المواقع بين الأطياف السياسية بقدر من المرونة والسّلاسة، وهو ما أتاح لهذا البلد أن يصبح من ضمن القوى الاقتصادية الدولية الكبرى في الآونة الأخيرة.

ثمّة مجموعة من المقوّمات والعوامل وفّرت الأجواء المُناسِبة لحصول تحوّل ديمقراطي في هذا البلد، يُمكن إجمالها في تزايد الاحتجاجات الطلّابية في البلاد، والتي كان لها أثر كبير في ترسيخ وعي سياسي داخل المجتمع، ووجود نظام سياسي مُهيمِن وغير شرعي تعبّأت لمواجهته القوى المختلفة داخل المجتمع.

كما لا تخفى تأثيرات المحيط في هذا الشأن، في علاقة ذلك بالتحوّلات السياسية التي عرفتها الفلبّين، والاستفادة من مساعدات اقتصادية مهمّة من الولايات المتّحدة وعدد من المؤسّسات المالية والاقتصادية الدولية، والانفتاح على العالَم الخارجي والتفاعل مع متغيّراته، وذلك على عكس كوريا الشمالية التي ظلّت مُحافِظة ومُنكفئة على ذاتها، فضلاً عن حدوث تطوّر اقتصادي أسهم في ظهور قوى مُطالِبة بالإصلاح السياسي وترسيخ الحرّية والتنافسية والشفافية، وبروز مُفارَقة بين اقتصادٍ متطوّر ونظامٍ سياسي شمولي ومتخلّف، وتنامي الوعي بفعل السياسات الداعمة لحقلَيْ التعليم والبحث العلمي.

يُمكن استخلاص مجموعة من العِبر والدروس بصدد هذه التجارب الآسيوية، فالتحوّل الاقتصادي وما رافقه من تحديث للمجتمع كان له أثر كبير في دعم التحوّل الديمقراطي في عدد من هذه البلدان، كما هو الشأن بالنسبة إلى كوريا الجنوبية وتايوان. فيما لم يكُن انتشار الفقر عائقاً أمام تعزيز مسار التحوّل في الهند، وفي أندونيسيا كان لتطوير الاقتصاد أثرٌ كبير في ذلك. وقد حدث توافق بين مختلف القوى السياسية في الهند التي تحتضن عدداً كبيراً من الأعراق والأديان والطوائف، تمخَّض عنه بلْورة دستور ديمقراطيّ بعد الاستقلال.. والأمر نفسه بالنسبة إلى ماليزيا التي سعت إلى تدبير تنوّعها بصورة ديمقراطية، وشهدت تطوّراً اقتصادياً ملحوظاً.

لكن، في مقابل هذه التجارب الآسيوية الواعدة، ما زالت الكثير من دول المنطقة تعيش أجواءً من التسلّط والشمولية بصور مختلفة، كما هو الشأن بالنسبة إلى كوريا الشمالية وفيتنام.

* مدير مختبر الدراسات الدولية حول تدبير الأزمات

 جامعة القاضي عياض – مراكش

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف