المسرحيّ العربيّ الهنديّ الذي غيّر نمط المسرح الهنديّ

%d8%b5%d9%87%d9%8a%d8%a8-%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85

 

د. صهيب عالِم*

اعتُبرَت الهند ملجأً آمنا،ً ومركزاً تجاريّاً واقتصاديّاً، ونقطة تلاقٍ لثقافات متعدّدة؛ وهي تتمتَّع بعلاقات تجاريّة وثقافيّة مع دُول الخليج والجزيرة العربيّة بشكل خاصّ، والعالَم العربيّ بشكل عامّ. لذلك التفتَ تجّار الجزيرة العربيّة وأهاليها إلى الهند لمُمارسة الأنشطة التجاريّة. ولكونها اشتهرت بتعليم فنون التجارة والاستيراد وكيفيّة الاشتغال بها، كان أهالي نجد والخليج يرسلون أبناءهم إليها في القرون الماضية.

في أثناء توافُد تُجّار الخليج العربي إلى الهند، استوطن بعض التجّار القادمين من منطقتَيْ نجد والحجاز مدينتَيْ سورت ومومباي (بومباي) للبحث عن أعمال تجاريّة، فيما استوطن بعضهم مُدن الهند المختلفة، مخلِّفين فيها بصمات واضحة، ما زالت تُذكِّرنا بحضورهم الاجتماعي والثقافي والاقتصادي القوي جدّاً هناك. ومن بين تُجّار الخليج العربي، بَرَز التّاجر حمد بن علي القاضي، المولود في منطقة القصيم في القرن التاسع عشر. وكان أعمامه قد أرسلوه إلى مومباي (بومباي) حيث بدأ حياته بالعمل لدى أحد أقاربه من عائلة البسّام في تجارة الشاي قبل أن يشقّ طريقه في تجارة الأقمشة والحرير والتوابل والبهارات وغيرها، إلى جانب تجارة الشاي. قضى التّاجر حمد جزءاً من حياته متنقِّلاً بين الهند وتركيا والكويت والبحرين ولبنان مُمارِساً التجارة، وعند زواجه من إحدى بنات عائلة "النصّار" الكويتيّة، التي كانت تجيد اللّغات الماراثية والغوجراتية والعربية والإنكليزية، استقرّ في مدينة "بونا" التي تبعد عن "بومباي" نحو148 كيلو متراً، وأنجب تسعة أطفال من بينهم "إبراهيم "الذي وُلد عام 1925.

تعلَّم إبراهيم القاضي رقصات التشارلستون  Charleston والتشاتورتي  Chaturthi في بيتٍ اشتهر بأنّ البطريرك كان يدرِّس فيه اللّغة الإنكليزية، فيما يدرِّس العالمُ الدينيّ العلوم القرآنية، وحيث لم تكن الفتيات يخرجن من البيت، بل يتلقّين العِلم فيه. كان "إبراهيم القاضي" مولعاً بالموسيقى وبأغاني أمّ كلثوم وباربر سيفيلي Seville، فضلاً عن ولعه بالأغاني الهندية. وقد تعلَّم كذلك العزف على البيانو من الباندت (الكاهن الهندوسي)، وتلقَّى تربية دينية إسلامية مُنفتحة على محيطٍ غير إسلامي.

يوصَف إبراهيم القاضي بأنّه حامل لواء التقاليد المسرحية، وبأنّه مخرج أعاد تعريف واقعية المسرحية الهندية وأهدافها بطريقة جديدة، ليصبح رائداً من روّاد الإخراج المسرحي وتدريس فنّ الدراما في الهند، فضلاً عن كونه مؤسِّس ومدير المدرسة الوطنية للدراما، ومُطلِق "مؤسّسة القاضي للفنون" في نيودلهي.

تلقّى تعليمه الثانوي في مدرسة بيون سانت فنسنت، ودراسته الجامعية في كلّية سانت زيفير، مومباي. سافر إلى لندن للالتحاق بالتعليم العالي، فدخل الأكاديمية الملكية للفنون المسرحية وكان يبلغ من العمر آنذاك نحو 21 سنة، وذلك بعد أن اقترض مبلغاً وقدره 25000 روبية، ثمّ التحق بمنتدى الدراما البريطاني.

إبراهيم القاضي ونهرو

خلال إقامته في لندن، عكف على كُتب الفنون اليونانية والمصرية والآشورية والسومرية والفنون الحديثة والجميلة والرسوم وحياة الرجال العباقرة في عالَم المسرح. كما حصل على عرض من شركة المسرحيات اللّندنية،  لكنّه رفض العمل فيها وعاد إلى بيته في مومباي عام 1954 قائلاً: "كنتُ أرغب بجدّية في العمل في المجال المسرحي الهندي واتّخاذه مهنة للهند والهنود". وكان قد اتّخذ هذا القرار بعد لقائه الزعيم الهندي ورئيس وزراء الهند الأوّل آنذاك، البانديت جواهر لال نهرو، في زيارة رسمية إلى بريطانيا؛ إذ أُعجب نهرو بإبراهيم القاضي لما رأى فيه من حماسٍ وجدّية، وطلب منه أن يعود بعد إكمال دراسته إلى العاصمة دلهي لتأسيس فرقة مسرحية، تاركاً له الحرّية المطلقة في اختيار الأعمال والأشخاص الذين يرغب بالعمل معهم، وواعداً إياه بإعفائه من الرسوم والضرائب، وبمساعدته في إنشاء مكتبة مسرحية من أجل انطلاق مسرحٍ جادّ، مبنيّ على أُسس علمية وتقنيات متطوّرة، يليق بريادة الهند الحضارية.

أوفى نهرو بوعده، إذ بمجرّد عودة إبراهيم إلى دلهي وجد مَن يستقبله بحفاوة، ثمّ تلقّى دعوة من وزارة التعليم الهندية لإنشاء الكلّية الوطنية للدراما، التي أصبحت في ما بعد تقدِّم شهادات وتدريباً لمدّة ثلاث سنوات على مختلف فنون العمل المسرحي، وجذبت طلّاباً من مختلف أنحاء العالَم، وأسهمت في إحداث ثورة ثقافية في دلهي. وكان نهرو، المهتمّ بالثقافة، يحرص على اصطحاب ضيوف البلاد (من رؤساء حكومات وعلّية القوم ومشاهير العالَم) لحضور أعمال إبراهيم القاضي المسرحية والافتخار بها أمامهم. وهو ما أكسب القاضي شهرة واسعة.

تأسَّست مدرسة المسرحية الوطنية عام1959  لتكون على غرار الأكاديمية الملكية للفنون المسرحية في لندن. وطُلب من إبراهيم القاضي إدارتها عند افتتاحها لكنّه لم يقبل في البداية، مُعلِّلاً ذلك بنقص خبرته الإدارية. لكنّه بعد سنتَيْن غيَّر رأيه، وتسلَّم منصب الإدارة لخمسة عشر عاماً (1962 -1977)، وارتبط بمجموعة الفنّانين التقدميّين في مومباي. كما شغل منصب مدير الأكاديمية الوطنية المسرحية، ودرَّب  الفنّانين المسرحيّين المعروفين مثل "أوم شيفوري"، و"أوم بوري"، و"نصير الدّين شاه"، و"مانوهار سينغ" وغيرهم.

سُئل إبراهيم القاضي عن إنشاء المسرحية في الهند فأجاب: "هدفي هو إنشاء مجموعة مسرحية لتعزيز جذور المسرح في الهند والهنود، لذلك بدأتُ وحدة المسرح. كما كنتُ أودّ اكتشاف الموهبة والعبقريات والجهابذة من خلال العمل، فاكتشفت أمثال جيف باتيل، وفيروز كوبر، وحامد سياني، وديريك جيفريز، وأوشا أمين، وجيرسون ديكون، ومانوهار باتيل. كما مثّلتُ أشهر مسرحيات في العالَم من خلال مجموعة المسرح مثل كربس لاست تيب، قتل تي. إيس إليوت في الكاتدرائية. وخلال تمثيل المسرحيّات العالميّة، اكتسبتُ مهارات إدارية، وتمرّستُ على الأدوات الهندية القديمة لتوظيفها في المسرحيات مثل إينجار اليوغا  Iyengar yoga، كاثاكالي Kathakali…".

حاز إبراهيم القاضي على الجوائز الهنديّة الحكوميّة المتميّزة التي تكرِّم الفنّانين والمجتمع المدني الهندي اعترافاً بخدماتهم الجليلة مثل بادام شري، بادام بوشان، بادام فيبوشان (ثاني أعلى وسام هندي تقدِّمه الحكومة الهندية)، فضلاً عن جائزة الأكاديمية من قبل أكاديميّة الرقص والموسيقى، والدكتوراه الفخرية من جامعة رابندراناث طاغور، كولكاتا، وجائزة كاليداس من حكومة مدهيا براديش، وجائزة الثروة الحيّة من منتدى تايمز وتيلينت، مومباي، وجائزة الإنجازات على مدى الحياة من قبل حكومة دلهي في عام 2008.

القاضي المؤمِن بجذوره العربيّة

اعترف إبراهيم القاضي بكلّ فخر بجذوره الأصلية، وذلك خلال أشهر برنامج حواري هندي ("كفتكو") تبثّه "قناةRSTV" البرلمانيّة الهنديّة. قال: "جذوري تمتد إلى المملكة العربيّة السعوديّة، ولكنّ أغنى سنوات حياتي كانت تلك التي قضيتها في بونا، حيث ولدتُ وترعرعتُ؛ إذ أسهم ما تعلّمته هناك من والدي، ومن المدرسة اليسوعية، إلى جانب الحياة الغنيّة للمنطقة، في تشكيل شخصيّتي التي أنا عليها اليوم. والدي رجلٌ علَّم نفسه بنفسه، وأنشأ، أينما ذهب، مكتبات تشمل موسوعات وكتباً باللّغتين العربية والإنكليزية. كما كان يشترك في اقتناء أحدث الصحف والمجلّات في العالَم العربي، فكنّا نقرأ عن نجيب محفوظ قبل وقت طويل من فوزه بجائزة نوبل".

خلال البرنامج، تحدَّث أيضاً عن أسرته، وعن حنينه إلى الوطن قائلاً: "عمل والدي في البداية مع أسرة بسّام، التي كان أفرادها من الروّاد العرب في تجارة الشاي. وتطوّر والدي بعد ذلك ليصبح رجل أعمال مستقلّاً، يُتاجِر بالمنسوجات والشاي والأقمشة وبضائع أخرى.."؛ وأضاف:” كان والدي يؤمِن إيماناً راسخاً بجذورنا الثقافيّة العربيّة التي تعود إلى المملكة العربيّة السعوديّة، وكنّا نتكلّم في المنزل باللّغة العربية فقط، وكان لدينا مدرِّس للّغة العربية وللدراسات الإسلامية من المملكة العربيّة السعوديّة عاش معنا كأنّه جزء من عائلتنا".

في بونا، التي وصل إليها والدُه عام 1905، حيث كانت سباقات الخيول العراقية الشهيرة قد استقطبت التجّار العرب، تمكّن والده من عقد الكثير من الصداقات مع عرب وغير عرب، مكّنته من الاستقرار، ومن تأسيس هويّة جديدة من دون الانسلاخ عن جذوره الأصلية.

انضمّ إبراهيم القاضي إلى مجموعة سلطان بادامسي المسرحية في بومباي، رائد حركة المسرح الإنكليزي في الهند، كما شارك أيضاً، في ثلاثينيّات القرن العشرين وأربعينيّاته، في الحركة الشعبية المُعادية لبريطانيا والمُدافعة من أجل استقلال الهند، جنباً إلى جنب مع الهنود وأهالي بونا.

لقد أقام القاضي أكثر من 150 معرضاً، ونشر مطبوعات عديدة، ودعم الكثير من المواهب الشابّة وشجّعها، ونشر أعمالها. وكذلك أنشأ مؤسّسة القاضي للفنون في نيودلهي بغية الحفاظ على التراث والصُّور النادرة التي يزيد عددها على 90 ألفاً، والتي كان قد اقتناها على مدى ثلاثين عاماً لخدمة الباحثين والمهتمّين، مُعترِفاً بالأهمّية التاريخية للأجيال الناشئة. وأهمّ المسرحيات التي أنتجها إبراهيم القاضي وأشهرها: مسرحيّة "أندها يوغ" (عهد أعمى)، و"دن كيه أندهيري مين" (في ظلامات يوم)، و"أساره كيه إيك دن" (يوم من أيام المطر) و"تغلق" وغيرها. وقد أحدثت مسرحية "أندها يوغ" ثورة كبيرة في تاريخ المسرحية الهندية وأثارت ضجّة كبيرة بين أوساط المثقّفين.

لقد أصبح اسم إبراهيم القاضي مُرادِفاً للمسرح الهندي الجادّ. وتميَّزت شخصيّته بمزجها بين الثقافة الهندية والثقافة العربية والإسلامية التي تشرّبها على يد معلّمه العربي، ووالده الذي وفّر له مكتبة كاملة من الكُتب العربية النادرة في الهند، ومن أمّهات كُتب الأدب العربي؛ ثمّ إنّ انفتاحه الثقافي لم يتوقّف عند هذا الحدّ، ذلك أنّ نشأته في بيئة تعدّدية مُتسامِحة كسرت حواجز الاختلاف الثقافي والعِرقي، فكان شخصية ذات كاريزما، أحدثت ثورة في المسرح الهندي، إنتاجاً وتدريساً ومنهجاً؛ شخصيّة  ألهمَت الشبّان الهنود، ودرَّبت الأجيال الناشئة على إيصال المسرحية الهندية إلى ذروة كمالها، باثّةً فيها روح الثقافة الهندية العربية.

*الجامعة الملّية الإسلاميّة، نيودلهي، الهند

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف