عن مُدنٍ وناسها ورِجالاتها

%d8%b1%d9%81%d9%8a%d9%81-%d8%b5%d9%8a%d8%af%d8%a7%d9%88%d9%8a

 

د. رفيف رضا صيداوي*

نَشرت دوريّة كورييه أنترناسيونال (العدد 1399 – 24 /8 إلى 30 / 8 /2017)، ملفّاً خاصّاً حول المُدن الذكيّة وأحوال ناسها بعنوان "عن المُدن والبشر"؛ بحيث تمحورت الإشكاليّة الأساسيّة كالآتي: "إنّ مُدناً عدّة تأمل بالإفادة من أدوات عمالقة الأبجديّة الأميركيّة (إكس غوغل EX- Google) أو الصينيّة (علي بابا Alibaba)، لكي تغدو مُدناً "ذكيّة"، أي مُدناً أكثر نظافة وأكثر تنظيماً. لكنّ التكنولوجيّات الجديدة وما يرافقها من معطيات/ بيانات لا تكفي لقيام مُدن مثاليّة".

في ضوء تلك الإشكاليّة المُثارَة، وبعنوان "المدينة ليست حاسوباً"، طَرَحت مُعدّة الملفّ شانون ماتّرنShannon Mattern بدايةً السؤال التالي: "ماذا ننتظر من المدينة المثاليّة؟"، زاعمةً أنّنا في هذا العصر الذي يسود فيه مهندسو وادي السيليكون بوصفهم أسياداً، بدا طرْح سؤالٍ كهذا صعباً للغاية، إلى حدّ يتعذّر حمله على محمل الجدّ؛ فقد شهدت وسائل التواصل الاجتماعي، ولاسيّما تويتر، مقادير من التهكّم والسخرية التي يُستشفّ من ورائها جوانب أو ملامح من "إيديولوجيّة جديدة صاعدة"؛ ذلك أنّ هذا السؤال كان قد طُرح في العام 2016 من حاضنة الشركات الناشئة "واي كومبيناتور"  Y Combinator التي يعود إليها فضل "تفريخ" آلاف البرامج وخدمات تطبيق ويب مثل " إير بي إن بي"، ودروب بوكس Airbnb,Dropbox، وغيرها، في الوقت الذي كان فيه ممثّلو هذه البرامج والخدمات يكشفون النقاب عن آخر برنامج بحثيّ لديهم وهو "مفهوم المدينة  من صفر". وهي فكرة "ليست بمجنونة جدّاً"  بحسب ما ورد في مجلّة "وايرد" Wired  الأميركيّة المختصّة بالتكنولوجيّات الجديدة والمقروءة بكثرة في وادي السيليكون.

المدينة من صفر

هل إنّ فكرة " المدينة من صفر" هي فكرة حكيمة، وما هو مقدار الحكمة فيها؟ إنّه السؤال الأساس الذي يطرحه الملفّ، بادّعائه أنّ الفكرة وإن كانت "غير مجنونة"، إلّا أنّها حُكماً "غير حكيمة" لسببٍ بسيط، هو أنّ "حاضن مثل هذا المشروع أو هذه الفكرة، حتّى ولو طرح أسئلة صائبة مثل كيف يُمكن للمدينة أن تُسهم أكثر في سعادة سكّانها وفي مساعدتهم على تحقيق إمكانيّاتهم، إلّا أنّه يُلائِم للأسف بينها وبين أسئلة سخيفة مثل: كيف يتمّ قياس فعاليّة مدينة ما؟ ما هي مؤشّرات/ مفاتيح الأداء الخاصّة بها (…). فهو بالكاد يتلطّف أو يتنازل للإشارة  إلى وجود مُخطّطي مُدن، ومهندسين، وباحثين آخرين، طرحوا على أنفسهم هذه الأسئلة منذ قرون: كيف تشتغل مدينةٌ ما؟ وكيف نحسّنها؟".

عمالقة وادي السيليكون

تُتابع معدّة التقرير شانون ماتّرن استفتاءَ آراء أباطرة الشركات الإلكترونية العالميّة وعمالقتها، المدافعين بشدّة عن المُدن الذكيّة، فتنقل كلام بِن هوه Ben Huh، مؤسّس أكبر إمبراطوريّة إلكترونيّة من خلال شبكة شيز برغرCheezburger Network، والقائل إنّ "ليس المكان هو الذي ينقصنا لبناء مُدن جديدة"، وإنّ "التكنولوجيّات قادرة على الإسهام في خلق محيط مُلائم لتشكيل مُدنٍ مثاليّة في العالَم بأسره"، إذ يتركّز هدفه على "تحقيق عمليّة إبداعٍ مدينيّ مفتوحة وقابلة للتكاثر، وتسمح بتعظيم الطّاقة البشرية إلى أقصى حدّ".

أمّا تكتلّ ألفبت Alphabet (سُمّي كذلك لأنّه يعتمد على مجموعة من الحروف المكوِّنة للغةٍ جديدة)، المولود من رحم غوغل، فيعمل بقوّة من أجل خلق مُدن مُثلى. وقد أَنشأت شركة "سايدووك لابز"  Sidewalk  Labs الخاصّة به، والتي أُطلقت في العام 2015، منافذَ على الواي فاي WiFi العموميّ في شوارع نيويورك، فضلاً عن شبكات البنى التحتيّة التي تسمح ذات يوم بتبادُل المعلومات مع سيّارات من دون سائق أو ذاتيّة القيادة، أو بالتواصل مع شبكة النقل العامّة أو مع أيّ نظام مدينيّ آخر. لكنْ، ولئن كانت عمليّات النقل هي المُستهدفة من خلال هذه الابتكارات، فإنّ الثورة تتّجه إلى أبعد من ذلك، بحسب معدّة التقرير شانون ماتّرن. فقد تساءل دان دوكتوروف Dan Doctoroff، مؤسِّس "سايدووك لابز"، والذي أنشأ أفرقاءُ عمله في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2016 أربعة مختبرات جديدة مُكرَّسة للسكن، والصحّة والخدمات الاجتماعيّة، والإدارة، والمُشارَكة في ما بين الجماعات، "ماذا ستُشبه المدينة المُصمَّمة بالكامل من خلال  الإنترنت ومن أجلها؟"، واستحضَر من ثمّة "ثورات" تكنولوجيّة مدينيّة سابقة قائلاً: "يُظهر التاريخ على ما يبدو أنّ الفترات الأساسيّة من النموّ الاقتصادي ومن ارتفاع الإنتاجيّة نجمت عن اندماج الابتكارات في محيطنا الفيزيقيّ، ولاسيّما المحيط الحضريّ. فقد حوَّلت العربةُ والكهرباءُ والسيّارةُ، وبعمق، المعيشَ اليوميّ للمُدن، وذلك على الرّغم من أنّ هذه المُدن لم تتغيّر إلى حدّ بعيد منذ الحرب العالمية الثانية. وبالتالي، ليس من المفاجئ أن نشهد، على الرّغم من ظهور الحواسيب والإنترنت، تباطؤاً في إيقاع النموّ والإنتاجية. إنّ هدفنا هو تسريع الابتكار المدينيّ" ليس إلّا.

أمّا الكاتِب في مجال المعلوماتيّة والمُبرمِج بول ماك فدريز Paul McFedries، فيشرح مسيرة هذا الانتقال إلى المُدن الذكيّة بالآتي: "المدينة عبارة عن حاسوب تشكِّل الطُرق واجهته، وتشكّلون أنتم دالّته، فيما يشكّل هاتفكم جهاز إدخال المعلومات. هكذا تتجلّى رؤية المدينة- الحاسوب بحسب تصوّر المُستخدِم. لكنْ هناك رواية أخرى، تمليها الأنظمة المدينيّة مثل النقل، تجميع النفايات أو توزيع المياه، حيث يتمثّل التحدّي في معرفة ما إذا كانت هذه الأنظمة، التي أصبحت ذكيّة، تسمح بجعْل المدينة أكثر فعاليّة وأفضل تنظيماً".

هكذا، تعلّق معدّة التقرير بالقول "إنّ الحداثة تعشق الاستعارات. فبعد استعارات مثل المدينة- الآلة، والمدينة- الجهاز أو الهيئة، والمدينة السيبرنيتيكية العضوية، ها نحن في عصر المدينة- الحاسوب. وللمفهوم هذا من القدرة على الإغراء، بحيث يبشِّر بتنظيم فوضى الحياة المدينيّة بغية إخضاعها لدقّة المتطلّبات العقلانيّة وصرامتها. لكنّ هذه الرؤية تترسّخ أيضاً في مخيال سلفيّ، لأنّ المُدن كانت على الدوام مراكزَ لتسجيل المَعارف ومُعالجة المعطيات. فعندما تركّز الملوك المتنقّلون للقرون الوسطى في مُدنهم أخيراً، أنشأوا جهاز كتّاب وممثّلين دائمين(…). لقد ابتكروا أنواع السياسات والإجراءات كلّها (عقود، سجلّات ضرائب، جوازات سفر، غرامات، قوانين) التي تتطلّب هي نفسها خلق أجهزة مدينيّة جديدة- المباني الإدارية- من أجل إيواء البيروقراطية الناشئة". فالمدينة "بوصفها نظام مُعالجة المعلومة" تعود تاريخيّاً بنظامها هذا إلى أبعد من ذلك، إلى العصور القديمة، لذا تستشهد شانون ماتّرن بمقولةٍ للمؤرّخ المختصّ بتخطيط المُدن لويس ممفورد (Lewis Mumford (1895-1990، يقول فيها إنّ "المدن في جوهرها هي مكان أو فضاء لتواصلٍ غنيّ بالمعلومات"، لتعود وتنقض مقولة أنّ المدينة يُمكنها أن تكون امتداداً للحاسوب، مشدّدةً على أنّ "المدينة ليست بحاسوبٍ"، حيث يسعى ممجّدو التكنولوجيا والفاعلون السياسيّون إلى اختزال التخطيط المدنيّ إلى "حَفنة من الخوارزميّات". وتسأل شانون ماتّرن "لماذا يغدو من الضروري شجب صورة المدينة- الحاسوب هذه؟" وتجيب "لأنّ الاستعارات تولِّد نماذج تقنيّة تُلهم طُرق الفهم أو الإدراك، والتي تؤثّر بدورها على المعرفة والسياسة، هذا إذا ما لم نأت على الكلام على الحالة الفيزيقيّة للمُدن". فثمّة برأيها أنماطٌ كثيرة من "المعطيات/ البيانات" التي "لا يُمكنها أن تُعالَج أو تُجمَّع أو تُنقَل من خلال الألياف البصريّة، والتي لا تقلّ عن كونها معطيات مدينيّة تحيا وتعيش في الأجساد، والأرواح، والجماعات".

قرارات أخلاقيّة

من ضمن هذا العنوان الفرعيّ تسأل الكاتِبة: "ماذا يُمكننا أن نتعلّم من المعلومات غير السيمنطيقيّة، التي تنفرش في الظلام، وفي الصدأ، وفي استهلاكٍ مألوفٍ جدّاً لدرجٍ، وفي شقوق جسر، باختصار ماذا يُمكننا أن نتعلّم من هذه الرسائل كلّها التي تحتويها بيئاتنا؟"، وتجيب بأنّ القيمة الفكرية لهذه المعلومات تتخطّى كونها مجرّد "قاعدة للتدفّقات الرقميّة للمدينة". لذا تدعو إلى استخلاص العِبَر من المنظّرين والخبراء في المعلوماتية وغيرها من العلوم أو الاختصاصات، كالمسؤولين عن الأرشيف، والمؤرّخين، والفلاسفة، وغيرهم من أصحاب الاختصاصات الذين يهتمّون بإدارة المعلومة وبإنتاج المعرفة، لكونهم هُم "القادرين على مُساعدتنا في فهْم تنوّع المعطيات التي تُشارك في حياة مُدننا بشكلٍ أفضل، تلك المُدن التي سيجري إفقارها بشكل دراماتيكيّ في حال تمّت إعادة بنائها بحسب المبادئ المُسيطرة للابستيمولوجيا المعلوماتيّة".

بهذا، تُنهي شانون ماتّرن ملفّها بجملة مؤثّرة وواقعيّة، تختزن مخاوفنا جميعاً من عصر راهن سُمّي بعصر المعلوماتيّة، ويكاد يجتاحنا باسم العِلم والتقنيّة، ويُخضعنا لقوانينه باسم الدّفاع عن رفاهيّتنا وسعادتنا. تُنهي ماتّرن كلامها إذن بجملة إنسانيّة- إذا ما جاز التعبير-، جملة لعلّها تدقّ ناقوس الخطر أمام هذا الاجتياح التقني للعالَم، هذا الإعصار الرقميّ الذي يكاد يجرّدنا من إنسانيّتنا نحن البشر. فتكتب قائلة: "نحن البشر نُنتج المعلومة المدنيّة بالوسائل المختلفة كلّها: بالتجربة الحسّية، تحت تأثير الزمن والعناصر..ونَعَم، باختيار المعطيات بصورة مستمرّة. نحن لا يسعنا بناء مدينة من دون معرفة المدينة؛ وهذا  المسعى لا يُمكن أن يكون متروكاً بين أيدي الحواسيب".

*مؤسّسة الفكر العربي

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف