كتالونيا.. استقلالٌ مُرتكَس حتّى ولو قام

%d8%a3%d8%ad%d9%85%d8%af-%d9%81%d8%b1%d8%ad%d8%a7%d8%aa

 

أحمد فرحات*

إذا أردتَ البحث عن دواعي أيّ أزمة كبرى أو مُستعصية  في أيّ بلدٍ في العالَم، فما عليك إلّا التفتيش عن الاقتصاد وأحواله فيه. ومأساة إسبانيا اليوم، المتجسّدة بمحاولات انفصال إقليم كتالونيا عنها، والذي حسمه كتالونيّون باستفتاءٍ جاءت نتائجه لمصلحة إعلان استقلالهم  بأغلبية 90 % من بين 40 % من الذين صوّتوا، إنّما سببه في المقام الأوّل الاقتصاد، ومن ثمّ عوامل أخرى كامنة استجرّها هذا الاقتصاد إلى دوائره الساخنة.

الحقيقة أنّ الفريق الكتالونيّ المؤيّد للانفصال، كان قد هيّأ لمعركته باسم الاقتصاد منذ سنوات طويلة، عندما روَّج لخطابٍ يقول إنّ الكتالونيّين يخسرون أكثر من عشرين مليار دولار سنويّاً بسبب انتمائهم إلى إسبانيا، يدفعونها على سبيل ضرائب شرعيّة للحكومة المركزيّة، ولا يحصلون في المقابل إلّا على عوائد ماليّة وخدماتيّة تكاد لا تذكر.

في الواقع، وبحسب تقارير اقتصادية أوروبية ودولية أخرى، إنّ كتالونيا تمثّل 19 % من القدرة الإنتاجية العامّة للمَملكة الإسبانية، ولقد حقّق الإقليم لوحده أكثر من 251 مليار دولار من الناتج المحلّي الإسباني في العام  2016 فقط. وهكذا، فإنّ دعاة الاستقلال باتوا يُردِّدون جهاراً نهاراً لازمةَ أنّنا نضخّ أموالاً هائلة من اقتصادنا في الإقليم لدعم اقتصادٍ مركزيّ عاجز وفاشل يتأكّد عجزه وفشله عاماً بعد عام، وسوف لن نستمرّ في هذه اللّعبة الممجوجة الخاسرة على حسابنا وإلى ما لا نهاية.. والحلّ لا يكون إلّا بالانفصال وإعلان دولتنا: "دولة كاتالونيا المستقلّة".

لكنّ الاستقلال الكتالونيّ عن المَملكة الإسبانية الأمّ دونه، في المقابل، عقبات وأكلاف باهظة، تُسقط في النتيجة الأحلام الوردية للكتالونيّين الذين تدافعوا نحو ما تبقّى من صناديق اقتراع، أقيمت بمعزل عن أعين الشرطة الاتّحادية التي استطاعت تحطيم الكثير من هذه الصناديق ومراكزها وإغلاقها في معظم مُدن الإقليم، وبخاصّة عاصمته برشلونة.

والحقيقة أنّ أولى الموانع لقيام "دولة كتالونيا المستقلّة"، يتأتّى من موقف الاتّحاد الأوروبيّ الرافض للاستفتاء أصلاً، فقد أعلن هذا الاتّحاد تضامنه مع وحدة إسبانيا أرضاً وشعباً، ورفض أيّ انفصال آنيّ أو لاحق عن مدريد، وجُلّ ما دعا إليه، ولا يزال، هو قيام  حوار بين الجانبَين لمنْع تدهور الأمور. ويعترف أحد دعاة الانفصال، ويدعى باولو ديفاغا ألفونسو (محام وخبير اقتصاديّ) بأنّ "عدم انخراط  دولتنا المُقبلة في الاتّحاد الأوروبيّ ونظامه النقديّ، سوف يؤدّي إلى تدهور اقتصادنا بمؤسّساته وموارده كافّة، وسوف تتفاقم الأزمات البنيويّة في وجه مصالحنا الاقتصادية أكثر فأكثر، عندما لا نكون في موضع ترحيب وتعاون من غالبيّة الدول الأوروبية التي لا تعترف بنا".

وجهة النظر القلقة مسبّقاّ هذه، تؤيّدها صحيفة "فايننشيال تايمز" البريطانية، وتضيف قائلة ما مفاده إنّ اقتصاد كتالونيا، في حال الانفصال، سيخسر من ناتجه الإجمالي الحالي ما بين 30 إلى 33 في المئة؛ وستشهد عاصمة الإقليم برشلونة (العاصمة الاقتصادية لإسبانيا كلّها) اضطراباً اقتصاديّاً خطيراً يؤثِّر بدوره على المُستثمرين الأجانب والتدفّقات المالية الخارجية. كما سيربك الانفصال بقاء المصارف والشركات العالميّة الكبرى وعملها فيها، مثل مجموعة "سيتي غروب"، إحدى أضخم شركات الخدمات المالية الأميركية في المعمورة؛ فضلاً عن مصرف "سانتا ندير"، وهو المصرف الأكبر في إسبانيا.. وهناك أيضاً المقارّ الرئيسة لشركات عالمية كبرى أخرى مثل "مانغو للمنسوجات" وشركة الغاز الطبيعي "غاز ناتوراك" وعملاق الطرق السريعة "أبرتيس" وشركة فولسفاغن الألمانية، فضلاً عن شركة بويج التي تملك "نينا ريتشي" و"باكو رابان" و"جان بول غوتييه"… إلخ.

ومن الموانع التي تحول دون انطلاقة مشروع دولة كتالونية مستقلّة، موقف الدول الكبرى التي سرعان ما عارضت، على طريقتها، الاستفتاء ونتائجه. وثمّة إجراءات عقابيّة صارمة تنتظر الإقليم، ستقوم بها بروكسل عاصمة الاتّحاد الأوروبي، ومن بعدها لندن وواشنطن وموسكو وبكين، عناوينها الكبرى طبعاً عدم الاعتراف بالكيان الانفصالي الجديد ومقاطعته سياسيّاً واقتصاديّاً وثقافيّاً ورياضيّاً، وذلك في حال ركب جماعة الانفصال الكتالوني رأسهم وقرّروا السير بمشروع استقلالهم المُرتكِس سلفاً، حتّى ولو قام.

ومن الموانع أيضاً أنّ 60 % من سكّان الإقليم الكتالونيّ، لم يُؤخذ برأيهم، على الرّغم من أنّهم يتحمّلون بأنفسهم مآلات ما يجري، نتيجة انكفائهم عن المشهد الاستفتائي، غير أنّ هذا لا يُسوِّغ – في المقابل – للأربعين بالمئة من المصوّتين بـ"نعم" حقّ التصرّف بشأنٍ مصيريّ خطير يمسّ الإقليم في الصميم، ومن بعده طبعاً مَملكة إسبانيا برمّتها.

وإقليم كتالونيا الذي تبلغ مساحته 32،106 كلم2 وعدد سكّانه 5،7 ملايين نسمة، يتمتّع بحُكمٍ ذاتيّ ناجز منذ العام 1979. وبعد الانقلاب العسكري الذي جرى في إسبانيا في العام 1981، وقاده المقدّم أنطونيو تيخيرو وأفشله الملك خوان كارلوس، أقرّت الحكومة الإسبانية بوجود 17 إقليماً في البلاد، مع خصوصيّة لافتة لإقليمَيْ الباسك ونافارا، واستثنت إقليم كتالونيا من هذه الخصوصيّة، انطلاقاً من أنّه إقليم اقتصادي تجاري ناجح ولا يهمّه بالتالي إثارة القلاقل والفوضى والمُعارَضة بالسلاح، كما كان ديدن إقليم الباسك على وجه الخصوص، والذي يصفه الكثيرون في إسبانيا وأوروبا بـ"الإقليم الشرس".

أمّا لماذا فاجأ إقليم كتالونيا الذي يقع في شمال شرق إسبانيا الجميع بإعلانه الاستفتاء بهدف الاستقلال التامّ عن مدريد، مع أنّه إقليم، كما قلنا، يتمتّع بحكمٍ ذاتيّ قويّ، وله برلمانه الخاصّ، وحكومته الخاصّة، فضلاً عن أنّ اللّغة الكتالونيّة هي لغة رسميّة إلى جانب اللّغة الإسبانية، معترف بها في مدريد ولكن في بعض التعاملات الإدارية داخل كتالونيا فقط؟

الجواب باختصار هو الاقتصاد.. والاقتصاد مرّة أخرى؛ فالآخر عندما يربح ويذهب ربحه كلّه ضريبة إلى الآخرين، يتزلزل فيه كلّ شيء ويفقد بصره وبصيرته، ولا يعود مُستغرباً عندها أن يُقدِم على خطوات غير مدروسة جيّداً، تحدّياً لنفسه وللآخرين على السواء.

ثمّة عوامل أخرى مشجِّعة تدفع بالمتطرّفين الكتالونيّين إلى إعلان انفصالهم عن الدولة الأمّ، أبرزها الهويّة وتعزيز كيانيّتها التاريخيّة، وتسييد الشخصية الكتالونيّة ذات التقاليد والعادات المختلفة، فضلاً عن الثقافة واللّغة. فالكتالونيّة لغةٌ لا يقتصر انتشارها على إقليم كتالونيا الإسبانيّ فحسب، وإنّما يمتدّ إلى مناطق أخرى في إسبانيا (بلنسية، جزر البليار، مرسية، الجزء الشرقي من أراغون)، وفرنسا (البرانيس الشرقية)، وإيطاليا (مدينة ألغيرو)، وإمارة أندورا، وهي دولة صغيرة تقع في جنوب غرب أوروبا.. وقي الإجمال، يتجاوز عدد الناطقين بالكتالونية الـ 13 مليون نسمة.

شاعر الأمّة الكتالونيّة وفيلسوفها

ولأنّ الكتالونيّين إجمالاً متعلّقون بلغتهم القومية، ويحرصون على تعليمها لأبنائهم وأحفادهم قبل شروعهم بتعلّم أيّ لغة أخرى، نراهم أيضاً – وهُم متحمّسون لشعار قيام دولتهم العتيدة – يرفعون شعار ضمّ جزر البليار ومنطقة بلنسية وإمارة أندورا وإقليم البرانيس ومدينة ألغيرو إلى هذه الدولة، بهدف استعادة "إمبراطوريّة كتالونيا العظمى"، التي كانت قائمة إبّان العصور الوسطى في أوروبا، وكان لها خصوصيّة سياديّة وحضاريّة يحنّ إليها وإلى ابتعاثها من جديد الشعراءُ والأدباءُ الكتالونيّون قبل غيرهم من السياسيّين وسائر الفئات والنخب الكتالونية الأخرى.

ومن الشعراء والفلاسفة الكتالونيّين الذين شكّلوا ضميراً عامّاً لأمّتهم، يقف رامون لول (1232 – 1315) في الطليعة، فإليه يعود الفضل في بلورة اللّغة الأدبيّة الكتالونية وصقلها، وذلك بعدما كان قبل ذلك في مقدّمة مُستخدمي اللّغات الرومانية الجديدة في كتابة قصائده ونصوصه السردية على أنواعها. وبفضل رياديّته الإبداعية واللّغوية الكتالونية هذه، ظهر في القرن الخامس عشر شعراء كتالونيّون كبار، ممَّن قَصَروا كتابة أشعارهم ونصوصهم الإبداعيّة على تلكم اللّغة الكتالونيّة التي كرّسها رامون لول، مثل الشعراء: جوردي دوسان، وأوزياش مارش، وبيري تورويلا، صاحب ظهور أوّل موشّحة كتالونيّة شائعة حتّى اليوم، وهي تتألّف من أربعة عشرة بيتاً، حاكى فيها الشاعر تورويلا تجارب شعراء إيطاليّين فحول في جزيرة صقلية، التي كانت هي في الأساس موطن هذا النوع من الشعر، الذي انتشر نمطه في عموم إيطاليا وجنوب غرب أوروبا، وخصوصاً بعدما زاوله عملاقان من عمالقة الشعر والأدب في إيطاليا والغرب والعالَم أجمع: دانتي أليغييري صاحب "الكوميديا الإلهيّة" وفرنشيسكو بترارك الملقَّب بـ"أبي الإنسانية".

وبالعودة إلى الشاعر والفيلسوف رامون لول (ضمير الأمّة الكتالونيّة)، تنبغي الإشارة إلى أنّه كان أحد المسحورين بظاهرة شعراء التروبادور في الأندلس، أولئك الذين كانوا ينشدون أشعارهم مع ألحانهم العربيّة الأندلسيّة وهُم يتنقّلون بين أحياء المُدن والبلدات الأندلسيّة، ويقال إنّه وضع أشعاراً تُحاكيها باللّغة الكتالونيّة.

ورامون لول كشاعرٍ متصوّف، وكهنوتيّ مسيحيّ من الطراز الأوّل، قام بدَوره باستلهام التجربة الصوفيّة الرائدة لأبي عبد الله الحسين بن منصور الحلّاج.. علاوة على غيره من أعلام التصوّف العربي والإسلامي، وذلك كما بيّن بالأدلّة والبراهين القاطعة الباحثُ والمُترجِمُ الفرنسيّ باتريك جيفرو حين ترجم لرامون "كِتاب الحبّ والمحبوب" من اللّغة الكتالونية إلى اللّغة الفرنسية.

ومعروف أنّ عرب الأندلس كانوا قد فتحوا كتالونيا في العام 718م. وبقيت في كنفهم حتّى العام 760م. عندما بدأت غزوات الفرنجة الآتية من الأراضي الفرنسية تفتك بشوكتهم شيئاً فشيئاً حتّى خسروها كليّاً في العام 801 م. لكنّ نفوذهم الثقافي والمعرفي والحضاري استمرّ مطوّلاً  في كاتالونيا، وربّما إلى اليوم على حدّ تعبير أنطوني غاودي (1852 – 1928)، أشهر المعماريّين الكتالونيّين والغربيّين الأفذاذ، حيث تحدّث عنه د. محمود علي مكّي، كبير علماء الأندلسيّات في مصر قائلاً "هذا المعماريّ الكاتالونيّ الكبير يدين للعرب والهندسة العربية حتّى في صنيعه المَبني على الفنّ القوطي". وقد تركّزت معظم إنجازات غاودي  المعمارية في مدينة برشلونة، وفي طليعتها كاتدرائية "ساغرادا فاميليا" (العائلة المقدّسة) التي باتت مَعلماً سياحياً يجذب ملايين الزوّار من أوروبا والعالَم سنويّاً.

ومن الأهمّية بمكان ذكر أنّ اسم كتالونيا، والذي لا يزال مجهول الأصل حتّى اليوم، لم يُعثر عليه بصيغته المصطلحيّة الحاليّة إلّا في ثنايا أشعارٍ لاتينيّة قديمة ظهرت في مدينة بيزا الإيطالية في العام 1117م؛ وهذه الأشعار تتغنّى بشجاعة جنود بيزا وجنود كتالونيا وإخلاصهم في أثناء فتحهم المُشترَك لجزيرة مايوركا في البحر المتوسّط.

هكذا إذاً، فإنّ خزين ذاكرة الشعر والشعراء يبقى الأوثق من خزين ذاكرة السياسيّين في ما خصّ الأوطان والمعاني العميقة والأثيرة لها. لكنّ هذا لا يلغي، في المقابل، أهمّية السياسة والسياسيّين الكبار في تقرير اللّحظة الوطنية التاريخية الحاسمة، والتي تتطلّب الكثير من الدقّة في التعيين والدرس وفحص الأمور قبل اتّخاذ القرار.. وعليه نسأل الساسة من قادة الانفصال الكتالونيّين هنا: هل القرار الذي اتّخذتموه بشأن انفصال إقليمكم، وبشكلٍ نهائي، عن الدولة الإسبانية الأمّ، هو في محلّه سياسياً ووطنياً بالمعنى الكاتالونيّ بخاصّة.. ومن ثمّ  بالمعنى الإسبانيّ والأوروبيّ بعامّة؟

سؤال يجيب عنه الكتالونيّون أنفسهم، ولاسيّما الأغلبية الصامتة من بينهم.

*مؤسّسة الفكر العربي

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف