أيّ دور للمنظومة التعليميّة في التصدّي للفكر الإرهابيّ؟

%d8%ad%d9%85%d8%a7%d8%af%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%b9%d9%88%d8%af%d9%8a

 

د. حمادي المسعودي
إنّ المتأمّل في ما يقع اليوم من أحداث مُدمّرة في أماكن عديدة من العالَم يُمكنه أن يتبيّن بكلّ يُسر تفشّي ظاهرة الإرهاب وانتشارها وتَوسُّعَ رُقعتها في الشرق والغرب وآثارها الكارثيّة في الأرواح والعمارة والفنّ والاقتصاد والأمن الفرديّ والجماعيّ. والملاحَظ أنّ ظاهرة الإرهاب لم تكُن في مَعْزَلٍ عن ظاهرة فكريّة مُمهِّدة ومُصاحِبة للإرهاب هي ظاهرة الفكر التكفيريّ التي قَوِيت شوكتُها في النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين. لكن ينبغي أن نُشير إلى أنّ هذه الظاهرة ضاربة بجذورها في عُمق التاريخ، وهي ليست مقصورة على حضارة أو ثقافة معيّنة ولا على دين مخصوص. ونرى أنّ معالجتها لا يُمكن أن تتمّ باعتماد بُعْدٍ واحد، وإنّما تتمّ بأبعادٍ متعدّدة لَعَلَّ أَهَمّهَا ما يجب أن تنهض به المؤسّسات التعليميّة في البلدان العربيّة والإسلامية بَدْءاً من رياض الأطفال وصولاً إلى الجامعة. أمّا الحلّ الأمنيّ فغير كافٍ وحده للقضاء على هذه الآفة المدمِّرة للحياة والوائدة للقيَم الإنسانيّة النبيلة.

 

إنّ على الجامعة في العالَم العربي والإسلامي بصفة خاصّة والمنظومة التعليميّة بمختلف مراحلها (الابتدائي والثانوي والعالي) بصفة عامّة أن تنهض بدَورٍ فعّال في صناعة عقول مُستنيرة تفكِّر وتنقد وتَبتكِر وتقبل الاختلاف في الرأي والجنس والعرق والدّين واللّون…

وهنا لا بُدّ من الإشارة إلى أهميّة نشر ثقافة الاختلاف لأنّ في الاختلاف تنوّعاً وثراءً وانفتاحاً على العالَم وإغناءً للزّاد المعرفيّ والعِلميّ والفنّي لدى الأفراد والجماعات، ولأنّنا متَى آمَنَّا بحقّ الاختلاف بين الأفراد والجماعات استطعنا أن نفهم الآخر بعُمقٍ ونستوعب قِيَمَهُ ومبادئه، واستطاع العالَم كذلك أن يعيش في أمْنٍ وسلام واحترامٍ مُتبادَلٍ، لأنّ الإيمان بالحقّ في الاختلاف ينشأ عنه ضرورة الإيمان باحترام المُختلِف أو المُخَالِف.

إنّ المتأمّل في ما يحدث اليوم في بقاعٍ متعدّدة من العالَم من قتلٍ وترويعٍ (الإرهاب بمختلف مظاهره –الحروب بشتّى أنواعها) يتبيّن أنّ الأمرَ راجعٌ في الغالب إلى فكرٍ دينيّ مُنغلق على ذاته وضيّقِ الأفق المعرفي والثقافي، مُتعصّبٍ للرأي الشخصي، رافضٍ للآخر المُختلِف أو المُخالِف في الملّة، يستمدّ مرجعيّاتِهِ من قراءةٍ متعسِّفة ومُسْقَطة على النصوص الإسلامية المؤسِّسة قرآناً وأحاديث نبويّة، ومن جزء من التراث الديني المُنغلِق ومن مراجع حديثة ومُعاصِرة شُدَّ تفكير أصحابها إلى الماضي، وقد جعلوا بينهم وبين الواقع الحاضر ومُمْكِنات المستقبل سَدّاً منيعاً متجاهلين أنّ قضايا الإنسان الحديث والمُعاصِر ومشكلاته لا يُمكن أن تجد حلولها في الماضي، لأنّ مشكلات الإنسانِ الحاضرِ ومشاغِلَه تختلف تماماً عن مشكلات إنسان الماضي ومشاغِلِه، وأنّ العالَمَ يتقدّم من دون أن يتراجع إلى الوراء، وأنّ من لا يُسايِرُ مسيرة الزّمن ضَلَّ الطريق.

لقد كانت للقدامى قضاياهم ومشكِلاتهم فاجترحوا لها حُلُولاً مُلائِمة، ونحن لنا في بداية القرن الحادي والعشرين مشكلاتنا ومشاغلُنا، فَلْنَجْتَرِحْ لها الحلول المناسبة لها والمُلائمة لزمن تخلُّقِها، ولْنَتَفَادَ الحلول المُسقَطَة أو المُستورَدة من الماضي حتّى لو كان هذا الماضي زمناً مجيداً وذهبيّاً، ولْيَكُفَّ أئمّتُنا وخطباؤنا عن التبجّح بالقول إنّنا خير أمّة أخرجت للناس، "فلكلّ أمّة فضائل ورذائل ولكلّ قوم محاسن ومساوئ، ولكلّ طائفة من الناس في صناعتها وحلّها وعقدها كمالٌ وتقصير؛ وهذا يقتضي بأنّ الخيرات والفضائل والشرور والنقائص مُفاضة على جميع الخَلْق، مفضوضة بين كلّهم"، بحسب عبارة أبي حيّان التوحيدي. ولنسأل أنفُسَنَا: ماذا قدّمنا إلى العالَم منذ ما يزيد على عشرة قرون في مجالات العِلم والاختراعات والصناعات والقيَم الإنسانية وحقوق الإنسان؟ وهل أسهمنا في بناء صرح الحضارة الكونية الحديثة والمُعاصِرة؟

من علامات الخطاب التكفيريّ

لقد مثَّل النصّ المقدَّس حلولاً ناجعة للعرب المسلمين في القرن السابع الميلادي لأنّه عرف مخاضه وميلاده في ذلك الظّرف التاريخي الذي كانت له مشكلاته المخصوصة، فنشأ استجابةً لتلك المشكلات المخصوصة وفي تلك الظروف الخاصّة بنشأته.

لقد كان العرب قبل الحدث الإسلامي يعيشون حياةً قبلية قائمة على ثقافة السطو والغزو، ولم يعرفوا مؤسّسات إدارية ولا نظام الدولة ولا قوانين تنظِّم حياة الأفراد، وكانوا يعبدون الأصنام، فجاء الإسلام، فأسّس نظام الدولة والاستقرار، واستنبط الفقهاء من القرآن والحديث النّبويّ مجموعة من القوانين تنظّم علاقة الفرد بالله وبأفراد المجتمع بحسب مقتضيات ذلك الزمن. لكن لمّا تقدّمت المجتمعات، وتطوّرت أساليب عيشها، نشأت مشكلات جديدة تطلّبت قوانين جديدة، فنشأت القوانين الوضعية المنظِّمة لحياة الناس والتي كانت هي الأخرى استجابةً وحلّاً لمشكلات المجتمع وحاجات أفراده، وهي مشكلات وحاجات اقتضتها حياة الناس في زمنهم الرّاهن. والملاحَظ أنّ القوانين على اختلاف مصادرها متحوّلة وغير ثابتة، فهي تتغيّر، وتتبدّل وَفْق تقدّم المجتمع وتطوّره، فيُنقَّح بعضها، ويسقط بعضها، وتنشأ قوانين جديدة لتُساير التغييرات الجديدة التي تحدث في أحوال المجتمع. وقد عرفت القوانين الحامية لحقوق الإنسان تطوّراً كبيراً منذ نهاية النصف الأوّل من القرن العشرين.

إنّ من علامات الخطاب التكفيري الوقوفَ عند القراءة الحرفية الواحدة للنصّ المقدّس وللأحاديث النّبويّة وآثار السلف، أي أنّ هذا الخطاب لا يؤمن بتعدّد الأبعاد في النصّ ولا بتعدّد المعاني ولا بالتأويل الذي يتجاوز السطح والبُنية الظاهرة الحاجبة للبُنية العميقة لذلك النصّ أو لتلك النصوص التي لا تُدرَكُ أعماقُها ما لم نتوسّل بالمناهج العلمية الحديثة في الإنسانيات، وما لم نقطع مع المناهج التلقينية التقليدية التي تُقصي العقل وتُقدّسُ النّقل، وما لم نؤمن بتجدّد دلالة النصّ المقدّس بتجدّد القراءة وتبدّل الزمان وتغيّر القارئ . إنّ النصوص المقدّسة تموت إذا لم تكُن منفتحة على مطلق المعاني في مطلق الزمان والمكان.

إنّ مثل هذا التفكير يجعل صاحبَه يؤمن بالحقيقة المطلقة وبالوثوقية وقداسة التراث، والأخطرُ من هذا أنّ صاحبَهُ يؤمن بامتلاكه وحده للحقيقة المطلقة؛ وفي هذه الحال يُصبح متعصّباً لرأيه، رافضاً للرأي المُخالف عدوّاً لأصحابه. إنّ أصحاب هذا الخطاب خياليّون وهوائيّون ماضويّون يطيرون صوب الماضي المجيد بلا أجنحة. وقد أشار محمّد أركون إلى هذه الوضعية المُزرية التي تعيشها المجتمعات العربية والإسلامية عندما قال: "ينبغي العِلم أنّ المجتمعات العربية والإسلامية أصبحت سجينة إسلام متخيّل ومقطوع كلّياً عن التاريخ الواقعي المحسوس وعن عِلم الاجتماع وعِلم الألسنيّات والأنثروبولوجيا النقدية. ولا نستطيع التفكير بالحداثة إلّا بعد أن نأخذ بعَين الاعتبار كلّ الإيديولوجيات الانغلاقية التي تكتسح مجتمعاتنا التي تعيش مثل هذه الحالة الصعبة".

إنّ الخطابَ التكفيري رافضٌ لهذه المناهج الحديثة لأنّه يراها آتية من "الآخر الكافر" بحسب رأيه. لكنّه في المقابل لا يرفض التمتّع بآخر المنتوج المادّي الغربي فيتبجّح باشتراء آخر ما ظهر من أنواع السيّارات والهواتف الجوّالة وقارورات العطر… وفي المقابل يحكم على صاحب هذا الإنتاج الصّناعي بالكفر ويُفتي بإهدار دمه باعتباره مُخالفاً للملّة. إنّ مثل هذا السلوك المتناقض يدلّ بوضوح على شخصيّة متأزّمة مريضة غير سويّة أو على نفْسٍ تعيش الاغتراب والاستلاب والنقص، ولكي تخفّف من وطأة هذا النّقص تعمَدُ إلى تضخيم الذّات من ناحية وإلى الهروب إلى الماضي المجيد للاحتماء به، من ناحية ثانية، وهذا دليل وجود فراغ مخيف تعانيه الذات في حاضرها.

لْنُؤمِنْ بأنّنا إخوة في الإنسانيّة

إنّ من العوامل الداعمة للخطاب التكفيري المولّد للإرهاب المناهج التعليمية العقيمة القائمة على التقليد والتلقين والتعويل على الذاكرة (التعويل على الحفظ)، وهي طُرق مازالت متفشّية في المؤسّسات التربوية في العالَم العربي، والمتعلّم الناجح هو الذي يكرِّر المادّة الغزيرة التي يقدّمها المعلّم إملاءً وتلقيناً، وفي هذه الحال يغيب النقد البنّاء وإسهام المتعلّم في إنتاج المعرفة، وتغيب شخصيّة المتعلّم بما أنّه يكتفي بالمادّة التي تقدَّم إليه. وقد أدّت هذه الطرق في التعلّم إلى التكرار والاجترار وعدم الإبداع والابتكار.

لقد انتبه طه حسين منذ ثلاثينيّات القرن الماضي إلى عُقم المناهج المتّبعة في التعليم في المؤسّسات التربوية في العالَم العربي وبيَّن رداءتها ونتائجها الوخيمة، وتهجَّم على أصحابها، فيقول في الأدب الجاهلي "وكيف يُرجى أن يتغيّر هذا المنهج، وقد أُغلقت أبواب هذه المدارس ونوافذها إغلاقاً مُحكماً، فحيل بينها وبين الهواء الطلق، وحيل بينها وبين الضوء الذي يبعث القوّة والحركة والحياة، وظلّت هي تُعيد ما تبدأ، وتبدأ ما تُعيد، وتكرِّر في كلّ سنة ما كانت تكرّره في السنة الماضية، والأساتذة مطمئنّون إلى هذا البدء والإعادة، والطلّاب مطمئنّون إلى هذه المذكّرات، يستظهرونها استظهاراً، وينقشونها نقشاً على أوراق الامتحان، ويكرّونها كرّاً أمام لجان الامتحان، حتّى إذا فرغوا من الامتحان أصبحوا أساتذة ومعلّمين، واختصروا لتلاميذهم مذكّرات أساتذتهم، وحفظ هؤلاء التلاميذ ونقشوا و"كرّوا" وظفروا آخر الأمر بالشهادات".

إنّ من شأن هذا المنهج في التدريس أن يُنشئ ببّغاوات تُعيد من دون تفكير في ما تُعيد، وهذا أمر لا يُشجِّع على المُساءلة وطرح نقاط الاستفهام، وهو مُناقِض للدور الذي ينبغي أن تقوم به المنظومة التعليمية، فتعلِّم أبناءها إعمال العقل والتفكير الرّصين في المسائل، وتساعدهم على الجرأة والإبداع و ولوج أبواب المسكوت عنه والبحث عن الطريف وعن الطرق غير المعبّدة في مجالات العلوم المختلفة ومجالات الآداب ومجالات الفنون التي تصقُل الذّهن وتُنمّي الذّوق وتهذّب الحسّ.

إنّ للمؤسّسات التعليمية رياضاً ومدارس ابتدائيّة ومعاهد ثانوية وجامعات في العالَم العربي والإسلامي بمنظوماتها التعليمية دَوراً على غاية كبيرة من الأهميّة، عليها أن تضطّلع به فتخطِّط للصورة التي يكون عليها الإنسانُ المواطنُ في المستقبل، هذا الإنسان الذي يجب أن يحبّ الوطن ويحترم الآخر المُختلِف في الرأي والعقيدة والجسد، وأن يؤمن بحقّ هذا الآخر في الحياة وفي الاختلاف.

إنّ النهوض بمثل هذا الدور ليس بالأمر الهيّن، وهو يقتضي من المؤسّسات التعليميّة أن تُعيد النظر في برامجها في مستوى المضامين والمناهج، فتكرِّس ثقافة الاختلاف والتسامح والانفتاح على الآخر في أديانه وحضاراته وفنونه ولغاته، وتُربّي النشء على نبذ التعصّب وعلى ثقافة الحوار العقلاني الرّصين وعلى القول بنسبية الحقيقة وإنّ لا أحد في العالَم يملك الحقيقة المطلقة، وإنّ ما يُمكن أن يكون حقيقة في مكان ما قد لا يكون كذلك في مكان آخر. وليحترم كلٌّ منّا هذا المبدأ، وليفهم أنّ حرّيته تنتهي عندما تبدأ حرّية غيره، ولْنُؤمِنْ جميعاً بأنّنا إخوة في الإنسانية قبل كلّ شيء…

 

*كاتب وأكاديمي من تونس              

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف