انزياح الطليعة نحو انفصامها السياسيّ

%d8%a3%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%ac%d8%a7%d8%a8%d8%b1

 

أحمد جابر*

في مُواجَهة الأزمات العامّة التي تحيط بالمجموع العربيّ، ثمّة سؤال عن دَور "الطليعة" في طرح سؤال الأزمة، وعن دَورها في التشخيص وفي اقتراح المُعالَجة، وفي المُبادرة العمليّة إلى تنفيذ البرنامج الذي تقترحه على ذاتها، وعلى الجمهور الشعبيّ الأوسع. لكن ما يقدّمه واقع الحال اليوم، هو غياب هذه الطليعة بأسمائها المختلفة عن ميدان الفعل، واستطراداً عن ميادين التأثير، فما كان صمتاً لا رجْعَ له، وما كان خرساً لا أصداء له تتردّد بين جنبات البنية المجتمعيّة، أياً تكن عليه أحوال هذه البنية.

اختيار كلمة طليعة نظنّها الأنسب في الظرف العربيّ الرّاهن، وتوزيع الكلمة على إضافات تحدّدها وتشرح معناها، من شأنه أن يستبعد حشد التعريف الأكاديمي الذي من ضمنه كلمات النّخبة الحاكِمة والنّخبة المُضادّة، والنّخبة الثقافية والنّخبة السياسية…، كذلك فإنّ من شأن إلحاق كلمة الطليعة بكلمة مضافة، أن يعيِّن المجالات النظرية والعملية التي تتطلّب مُعاينة وتفسيراً ومُعالَجة، مثلما تفترض تتمّة عمليّة مبادرة في كلّ مجال من مجالات المجموعة النظرية والسياسية والعملية المُتكاملة.

 

وكما سبق، يمكن القول إنّ الطليعة المذكورة ليست مجموعة منظّرين أكفّاء فقط، وليست مجموعة "مُناضلين" نشطاء فحسب، بل هي مجموعة مختلطة تجمع عمليّاً، بين المستويَيْن النّظري والعملي، لدى تصدّيها للأزمات الوطنية العامّة.

 

حين التقدّم إلى مُعايَنة المادّة الأوّلية التي تتكوّن من مجموعها اللّوحة الاجتماعية، سيكون في الحوزة طليعة ثقافية، وطليعة سياسية، وطليعة نسوية وشبابية وقطاعية وشعبية… أي تكوينٌ منظَّمٌ علنيٌّ، ممّا تعرفه الحياة السياسية العربية في بعض بلدانها، وتنظيمٌ، أو اعتراضٌ مكبوتٌ سرّيٌّ، ممّا تعرفه الحياة الشعبية في بلدان عربية بعينها.

 

الطليعة العربية هذه، لا تتشكّل من مجموع طلائع متفرّقةٍ تَفَرُّقَ بلدانها وظروفها، وقد غلب على نشأتها الحدث السياسي، وهذه سمة طبيعية في الحالة العربية التي عانت من بطش السلطنة العثمانية، وواجهت محاولات التتريك، فكانت للعرب نهضةٌ لغوية وسياسية، وكانت لهم محاولات تنظيمية وانتظامية خلف مفهوم القومية العربية.

 

الانتداب بعد الحرب العالمية الأولى، كان الحدث السياسي الأهمّ بعد تفكّك السلطنة العثمانية، وكَرَدٍّ على سيطرة القوى الكبرى يومها، انتظمت طلائع عربية في حركات استقلالية، بعضها كان ذا دعوة عربية استقلالية واسعة، وبعضها اكتفى باستقلاليّته المحلّية. لقد بات معلوماً أنّ صوت الطليعة العربية القومية خبا تباعاً بعد فشل "الثورة العربية"، وبعد فشل عدد من الثورات العربية الوطنية، التي حاولت أن تمدّ فضاءها ليشمل بلداناً أخرى، كما حاولت الثورة السورية العربية بقيادة سلطان باشا الأطرش.

 

ومن دون إسقاطٍ لما جرى ما بين الحربَين العالميّتَين الأولى والثانية، فإنّ احتلال فلسطين من قبل الحركة الصهيونية، تحت سمع الانتداب الإنكليزي وبصره، وبتسهيلٍ واسع منه، كان الزلزال الأهمّ الذي أطلق حركة طليعيّة عربية ذات مضمونٍ قوميّ واسع، وذات أهداف واضحة جمعها إطار التحرّر والتحرير والوحدة العربية، كممرّ لازم ولا مفرّ منه، إلى تحقيق النهضة الجديدة للأمّة العربية. لقد تعدّدت مشارب الطليعيّين الذين هالهم ما حصل في فلسطين، وهالهم أيضاً ما قرأوه من معانٍ ومن أخطار في كِتاب ضياع فلسطين، لذلك سارعوا إلى اختيار ردود من خلفيّات اشتراكية وماركسية وقومية وتراثية، وكان التنافس في ميدان الإقدام للتصدّي للنكبة العربية العامّة، وليس للنكوص عن مهمّة تحمّل تبعاتها.

 

الموازين الطليعية المتقدّمة هذه، تعرّضت لاختلالٍ وكسر بعد هزيمة العام 1967 أمام الكيان الصهيوني الغاصب الذي نهضت الطليعة لمحو آثار عدوانه، وكرَّت سبحة الهزائم المُتناسلة حتّى الراهن من الواقع السياسي، الذي يشهد لتبدّد الموضوعات العربية الجامعة، ويشهد لاستعادة "الحيثيّات" التكوينية الأولى للدولة العربية، لحيثيّاتها التأسيسية، ويقدِّم الدليل تلو الدليل، على انكفاء الإرث النخبويّ الطليعي عن التطلّع إلى طليعيّته، وعلى غياب البديل الطليعي الحديث، الذي يستطيع تمثّل ماضيه، ويقدر على فهم حاضره، ويتقدّم نحو إعادة صياغة المستقبل، القومي والوطني، فلا تبقى الأوطان والمجتمعات مساحات فراغ تاريخي، ولا تُترك التشكيلات الاجتماعية، التي أصابت مستويات متفاوتة من الحداثة، نهباً لقوى ورؤى تراثية مُتقادمة، لا دَور لها إلّا تأكيد الفراغ وإعادة إنتاج وجهته وحركته النكوصية.

 

الإلحاح على دَور الطليعة، وعلى ضرورة إعادة خلقه وتطويره، يحيل إلى ضرورة التوقّف قليلاً أمام بنية الطليعة التي عرفتها الحقبات السياسية العربية، هكذا يكون الفهم عامّاً للأنظمة التي تحكّمت بالخيارات السياسية ونتائجها، وللنّخب والثقافة والطلائع ومواقفها وخياراتها وخلاصاتها، من موقع المُشارَكة في هذا الحُكم العربي أو ذاك، أو من موقع معارضته أو مخاصمته، أو الخروج عليه.

 

سبق القول إنّ من سمات الطليعة العربية والوطنية، غلبة السياسي على الثقافي عندها، هذه الغلبة كانت عاملاً مساعداً للوصول الطليعي إلى صفوف جماهيرية واسعة، لكنّها كانت في الوقت ذاته عاملاً سلبيّاً جمع بين مُعطيَين: الأوّل هشاشة التعمّق النظري في قراءة الحدث السياسي، وحضور الشعاريّة بقوّة، كتتمّة مُناسِبة لمُخاطَبة الجمهور بما يرغب في الاستماع إليه، والثاني انحسار القاعدة الجماهيريّة للجاذبية الطليعية، بسرعة تُماثِل سرعة انتشارها. فما جرى تأسيسه على فَورة مشاعر، ينهار عندما تفقد تلك الفَورة عناصر استثارتها الحماسيّة. لقد أصاب غياب النظرية الثقافية الطليعية في بُنيانها، وعلى هذا الغياب قامت سماتٌ أخرى منها القبول بمُمارسات الاستبداد العربي القومي، ومشاركته التبرير الإيديولوجي والقمعي، والتسامح معه عندما أخفق في مجال التنمية العامّة، وفي مجال التقدّم على طريق إشاعة شيء من مستويات العدالة الاجتماعية. لقد فعلت الطليعة ذلك، عندما قبلت بأحاديّة السياسة، فجعلَتْ المسألة القومية "مُقدَّساً" لا يجوز المسّ به، أو المُشاغَبة عليه، باسم الحرّية أو العدالة، أو باسم اقتراح خيارات أخرى لذات المسألة القومية. فقدت الطليعة تقدّمها المجتمعي عندما صارت جزءاً من السلطة، وعندما تخلّت عن دَورها كقاطرة دفع اجتماعي وسياسي لمجموع الحياة السياسية، ولجملة الخيارات المجتمعيّة الحرّة والمفتوحة.

 

الطليعة غير المؤسَّسة على أسانيدها النظرية العميقة، انحازت وانزاحت، وبدَّلت خطابها وقاموسها، ونقلت تعريفاتها وأسلحتها من ميدان إلى آخر، ولم تلتفت إلى أنّها انتقلت من موقعها الأوّل إلى الموقع الذي كان نقيضاً لها. اتّسمت السلوكية هذه بانتهازية لم ينجُ منها مثقّف نقدي، أو مثقّف عضوي، أو قائد سياسي إلّا ما ندر، لذلك صار من الجائز السؤال عن: هل كانت الطليعة طليعةً ذات يوم؟ أكثر من واقعة تقدِّم مثالاً عمليّاً على الانفصام الذي أصاب حراك الطليعة وقولها، بحيث صارت لها شخصية ماضية وشخصية حاضرة، تجمع بينهما شعاريّةٌ تبدَّد مضمونها، ولم تَمتلئ بشعارات بديلة مُناسِبة.

 

انفصام الطليعة هذا، يتمظهر في الراهن في صيغة مأزق شخصي، وفي صيغ سلوكيّات فيها الولاء للمُهيمِن، والخضوع للسائد، واليأس والاعتكاف والتبشير بمجموعة من الاستحالات السياسية والمجتمعية. ومن أكثر من وجه، باتت الطليعة سجينة موروثها النضالي والمناطقي والجهوي، ما يُمكن معه القول إنّ الراهن العربي موزَّع بين سلفيّتَيْن، ثورية وتقليدية، عادتا لتجتمعان فوق أرض النكوص الواحدة. الحاجة شديدة إلى طليعة شجاعة، مثقّفة ومُبادِرة، متى تكون الخطوة الأولى؟

 

*كاتب من لبنان

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف