في ذلك اللّقاء الخاصّ مع أندريه مالرو

%d8%a3%d8%ad%d9%85%d8%af-%d9%81%d8%b1%d8%ad%d8%a7%d8%aa

 

 أحمد فرحات*

بناءً على دعوة من هيئة ثقافيّة محلّية في مدينة أورليان الفرنسيّة، زرتُ فرنسا في العام 1973، وكانت مفاجأة حين أسرّ لي أحد الأصدقاء الداعين، واسمه جورج لوي نوريه، بأنّه في الإمكان زيارة المفكّر الكبير أندريه مالرو (1901 – 1976) في منزله في إحدى ضواحي العاصمة باريس. تشبّثتُ بالفكرة وأصررت على تنفيذها خوفاً من أن تفتر همّة أصحاب الفكرة في ما بعد؛ وكان لي ما أردت، وخصوصاً أنّ المسافة بين أورليان وباريس لا تتجاوز الـ 120 كيلومتراً.

فجأة أنا أمام رجل طاعن في السنّ، تحمل هيئته العامّة ملامح كِبار المفكّرين والفلاسفة الأسطوريّين… سألته رأيه بالاتّجاهات الفكرية الجديدة في فرنسا، وخصوصاً بعد "موت" الوجودية والبنيوية وتعثّر الماركسية وراء سيول الواقعات والأفعال الجديدة على الأرض.. فأجاب: فرنسا في خطر. إنّها تواجِه احتضار ثقافتها وفقدانها الخصوصيّة أو الاستقلاليّة الجديرة بأن تُميّز وتُحلّل في ذاتها. إنّها تتّجه إلى نوعٍ من الأمْركة الثقافيّة الفاقدة للجوهرية، والمعزِّزة للاستهلاك، وذلك على قاعدة التوفيق بين ما تبقّى من أطروحاتها وبين هذا المُقبل الكاسح عليها، وفي هذه الحال التوفيقية، بداية مؤكّدة لهَيمنة الآخر عليك.

وفي أيّ بؤرة فكرية أو فلسفية، تريد أن تنقّب مع غيرك من المفكّرين الحرصاء على عراقة الثقافة الفرنسيّة والأوروبيّة بشكل عامّ؟.. سألته فأجاب بصوت متهدّج بعض الشيء: ليس لدينا إلّا القلق الآن والانعزال غير الإيجابي فيه.. ولا أملك حقيقة هنا في إجابتي أيّ أدبيّات نصح وتقويم أقدّمها للفرنسيّين والأوروبيّين بشكل عامّ. وقبل أن أسأل.. أردف مالرو قائلاً: في القلق لا بدّ من أن يكون هناك بصيص ضوء يغذّي الشوق فينا ويدفعنا فعلاً إلى قلب المُعادلة التي لا ينبغي أن نستسلم لها.

إلى هذا الحدّ يبدو الصراع ساخناً بين الثقافتَين الفرنسية (ومعها الأوروبية بالطّبع) والأميركية، اللّتَين هما من جذر ثقافيّ وديمغرافيّ واحد، فأكثر من سبعين في المئة من الأميركيّين هُم من أصول أوروبية، وبالتالي فإنّ التنوير الفرنسي الذي انفجر في القرنَين السابع عشر والثامن عشر، انتقل إلى الولايات المتّحدة وشاعت فلسفته، كما شاعت "فلسفة" الأنساق الأدبية الفرنسية، الرومانسية منها وغير الرومانسية، وبخاصّة مع فيكتور هيغو الذي أثَّر عميقا في الرومنسية الأميركيّة، وأشاد به لاحقاً الشاعر الأميركي والت ويتمان والروائي الأميركي وليم فولكنر؟.. علّقتُ متسائلاً على كلام مالرو فردّ قائلاً: لا.. لا أنتَ تتكلّم في مدار ثقافي آخر منفصل تماماً عمّا أقصده، فما أعنيه هنا يصبّ في مسألة تَشغَلُ فيها الديناميّة السياسيّة الأميركيّة حيّزاً كبيراً تسحبُ معه الديناميّة الثقافية الفرنسية لتُغيِّر من صورتها الطليعية الجديّة وإن ببطء. وأردف يقول: للثقافة الفرنسية طعمٌ خاصّ من الانتماء إلى ذاتها، وإلى العالَم.. ومن هنا أنا أخشى عليها وعلى خصوصيّتها وهويّتها.

وكيف تُعرّف لنا هويّة الثقافة الفرنسية هذه يا سيّد مالرو؟..أجاب: هي ثقافة متقدّمة بسؤالها الإنساني العظيم والذي يعني البشر جميعهم، حتّى وإن تلوَّنت ثقافتنا بمصادر ثقافيّة أخرى. فميزة أيّ ثقافة متقدّمة، على أيّ حال، هي أنّها نسيج مُشترَك من مكوّناتها هي ومن مكوّنات ثقافية أخرى في الوقت عينه، تظلّ معه محتفظة بنموذجها العامّ، والذي ينبغي أن يظلّ متجدّداً ومنفتحاً على المجهول. هكذا فالثقافة الإنسانية المتقدّمة والمتجدّدة، هي التي تبني ما لا يُهدم، وتهزم ما لا يُهزم. وأيّاً ما كان الأمر، فيُمكننا التأكيد على أنّ الثقافة الفرنسية، هي في مرحلة مقاوَمة شرسة الآن، حتّى لا تُؤكل، ولا يُضرب نموذجها المتحرّك والحيوي من طرف نزعة الاستهلاك الرأسمالي غير المُعقلَن في كثير من الأمور، وبخاصّة في الثقافة، والذي بدأ يسكننا على نحو غريب، ويضرب فينا حتّى أعماق حصانة فكرنا الذاتي المصدر.

سمّاكَ ألبير كامو بالروائي الفيلسوف، والذي قيل إنّك كنتَ أكثر الأدباء الفرنسيّين دعماً له، ولاسيّما بعد إصداره روايته الشهيرة: "الغريب". هنا غيّر مالرو من جلسته على الأريكة العريضة، وبدا وكأنه يستعدّ لجولة مختلفة من الكلام قائلاً، إنّه لا يأبه بهذا التوصيف من أيّ جهة أتى، وهو ليس أكثر من وجهة نظر شخصية تعني صاحبها.. لاغير.

غير أنّ مالرو استدرَك قائلاً إنّ كامو كاتبٌ مُبهِر وكبير، وإنْ حَمَل مشروعات انتحاريّة ذاتيّة عدّة. وشدّد على أنّه لا ينبغي أن نغفل التوكيد على الطَّابع المركّب لشخصيّة كامو وقراءته للتحوّلات الجارية في العالَم من حواليه، ودائماً من موقع اللّامبالاة بكلّ ما يجري. لقد غامت لديه الرؤية، وإن تكثّف فيه الوعي اللّغوي الفذّ والمُتجاوِز للتعبير عمّا يجول في داخله، وعلى نحو لم يسبقه إليه أحد في الأدب السردي الفرنسي المُعاصِر. ألبير كامو طاقة أدبية فرنسيّة استثنائيّة، كان يُمكن أن تساعد الثقافة الفرنسية على الخروج من حلقتها المفرغة، ولكن مع الأسف، لا أدري لماذا صار هو أحد أوائل ضحاياها أو ضحايا الأنفاق الدائرية التي وصلتها، فصار كاتِباً عبثياً، ومتمرّداً على عبثيّته لأجل عبثيّته عينها، مع أنّه كان يتقن فنّ التأمل.

وسألتُ أندريه مالرو، كيف نوفِّق هنا بين كون ألبير كامو إنساناً عبثيّاً، بل ومُفلسفاً لعبثيّته، وخصوصاً من خلال كتابَيه: "أسطورة سيزيف" و"المتمرّد"، وبين كونه إنساناً حرّاً وواعياً لحرّيته، ومُجسّداً لها على الأرض (على الأقلّ من خلال اشتراكه العضوي المُباشر بالمقاوَمة الفرنسية ضدّ الاحتلال النازي الألماني لفرنسا، ولدرجة أنّه أصدر مع رفاقه المقاومين نشرة تحوّلت إلى صحيفة يومية تُدعى "الكفاح" combat)؟… أجاب مالرو وقد ارتسمت على وجهه ملامح ابتسامات كسرت جدّيته الصارِمة: "كامو هو كامو.. إنّه فنان صناعة المدى الذّاتي وإدارة هذا المدى على هواه الكتابيّ الجاذب، والذي لا يرسم خلاله "قوانين" التضليل السايكولوجي ضدّ أحد. كما أنّ الجدليّة الكلاميّة التي يسردها في كُتبه، وخصوصاً في كتابه "أسطورة سيزيف"، لا تقوم البتّة على البهلوانيّات اللّفظية وقواعد التلاعب بالحروب التنظيرية النفسانية ذات القياسات المُعلَنة والمموّهة في آن… كامو كاتِب مُنخرِط في كتابة إنسانية عالية القيمة والهدف، وبصورة تروم تعقّل المتغيّرات الجارية في العالَم، وذلك إذا ما أردنا أن نحلّل أعماله الأدبية ومواقفه الشخصية بشكلٍ عميق ونافذ، وما إشارتك الموفّقة إلى اشتراكه العضوي في المقاوَمة الفرنسية ضدّ الاحتلال النازي، إلّا الدليل الماثل على نزعته "الواقعية" والخصوصيّة التي لا تسقطه ضيفاً على حضرة الفراغ أو العبث الكامل".

العسكريّ المثقّف بعُمق

بعد ذلك، أخذني الحديث مع أندريه مالرو إلى تجربته الثقافية والسياسية المميّزة مع الجنرال شارل ديغول، هو الذي كان وزيراً في حكوماته المتعاقبة، وخصوصاً منذ العام 1958 إلى العام 1969، فأجاب من فوره: ديغول رجل مثقّف بعمق أساساً. العسكري فيه منفتح على الفكري بقوّة، وغالباً في قالبٍ ذي نزعة وطنية فرنسية محكومة بالمواجَهة الحسّاسة مع التصميم الأميركي الكاسح لكلّ شيء، وخصوصاً في السياسة والثقافة والفنون، وحتّى في القيَم الحياتيّة المُباشرة وطُرق عَيش الحياة المادّية نفسها.

يُقال إنّ ديغول كان يصغي إليك في مجمل الشؤون غير السياسية، وبالطبع الفكرية والثقافية منها، فهل هذا صحيح؟.. أجاب: "نعم، كان ديغول يصغي إليّ بصفاء عقل، وبراءة ذات، وينتبه جيّداً إلى نصائحي، وخصوصاً لجهة "فكرة المجتمع بلا تاريخ، وبلا ثقافة" التي تُمثّلها الولايات المتّحدة في هجمتها على أوروبا".

كما كان ديغول، وبتأثيرٍ من مالرو، يُفضّل قراءة الأفكار السياسية والاستراتيجية الكبرى على حساب قراءته لسرديّات التاريخ والاستفادة منها. وكان أيضاً وراء جعل ديغول يقترب وبصورة محبّبة للغاية من شخصيات سياسية كبرى في آسيا، مثل الهندي جواهر لال نهرو والصيني ماوتسي تونغ، وقد عرفهما أندريه مالرو شخصيّاً، وحاورهما؛ وهو الذي أرسى لدى الرئيس الفرنسي الأسبق مغزى المُعادَلة القائلة: "الآخر ليس عنواناً جغرافياًّ أو هلاميّاً، وإنّما هو مجموع قيَم ومبادىء أساسيّة".

وكان مالرو الذي استفاد كثيراً من إقامته في الشرق الأقصى، وتحديداً في لاوس وكمبوديا، فضلاً عن الصّين، قد أسرَّ لي بأنّه تعلّم من الآسيوي البعيد درساً مهمّاً، ومفاده أنّ قراءة الآخر، هي دوماً المدخل الصحيح لقراءة الذات وفهمها، وأنّ إهمال الآخر أو تجاوز أطره المعرفية والثقافية، لا يؤدّيان إلّا إلى عدم فهم الذات والآخر على السواء.

هكذا، ثمّة أمور وقيَم عقلانية وأخلاقية (كما يرى مالرو)، سرعان ما تظهر لتفرض نفسها على زمانك ومكانك، تماماً كما على زمان الآخرين ومكانهم.

الثقافة بدَيدنها الجوهري والعميق، كانت المحرِّك الأساس لأندريه مالرو وتطلّعاته البانورامية؛ وكان يرى فيها الجواب المانع / القاطع للإنسان، ولاسيّما حين يُسأل عمّا يفعله على وجه هذه الأرض… وعندما سألته عن وطأة الشيخوخة والتفكير بالموت و"فلسفته"، قال لي إنّ الموت هو الطراز الدائريّ الآخر لطراز الحياة الدائريّة نفسها.

*مؤسّسة الفكر العربي

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف