فرنسا تخطو نحو حُكم الحزب الواحد

%d9%8a%d9%88%d9%86%d8%b3-%d8%a8%d9%84%d9%81%d9%84%d8%a7%d8%ad_2

 

يونس بلفلاح*

شكّل فَوز إيمانويل ماكرون برئاسة فرنسا زلزالاً في المشهد السياسيّ الفرنسيّ والأوروبيّ بعامّة. فالرجل الشاب ذو الخلفيّة الاقتصاديّة لم يكُن معروفاً مسبقاً في الأوساط السياسيّة الفرنسيّة، ومثَّل نجاحه صعوداً مُبرمَجاً حيث تكوَّن في أرقى المدارس الفرنسيّة وتسلَّق سلّم الوظائف حتّى أصبح مُستشاراً للرئيس الفرنسيّ السابق فرنسوا هولاند ثمّ وزيراً للاقتصاد والصناعة في حكومته، ليستقيل بعدها ويُنشئ حركة "إلى الأمام" التي تحوّلت إلى حزب "الجمهوريّة إلى الأمام"، مُستنداً في ذلك إلى استقطاب مجموعة من الأشخاص النافذين في المجتمع المدنيّ وفي عالَم المال والأعمال، ناهيك بتوظيفه آلة إعلاميّة ضخمة ساندته في حملته الانتخابيّة إلى حدّ التحكّم بالرأي العامّ الفرنسيّ بحسب مُعارضيه.

وكما حقَّق ماكرون مُفاجأة مدوّية بفوزه بالانتخابات الرئاسية بفارقٍ كبير على منافسته اليمينيّة مارين لوبين، استطاع حزبه "الجمهورية إلى الأمام"، الجديد العهد، أن يحقِّق اكتساحاً انتخابيّاً في انتخابات الجمعيّة العموميّة مُستغلاًّ انتشار الأحزاب التقليدية وتشتّت زعاماتها. فقد خسر حزب الجمهوريّين رهان التشريعيّات كما خسر الرئاسيّات، ويعيش انقساماً كبيراً بعد مُساندة التيّار اللّيبرالي للحزب بقيادة الوزير الأوّل السابق ألان جوبيه لماكرون، حيث تمّ إشراك بعض أعضاء الحزب في الحكومة ومُنح عمدة لوهافر إدوارد فيليب عضو حزب الجمهوريّين منصب الوزير الأوّل كما كلِّف برونو لومير بوزارة الاقتصاد. والأمر ذاته ينطبق على الحزب الاشتراكي الذي بات مهدَّداً بالانقراض السياسي بعد انفجار البيت الداخلي، بخاصّة بعد مُساندة كلّ من جون إيف لودريان وجيرارد كولومب اللّذَين أصبحا في ما بعد وزيرَي الخارجية والداخلية على التتابع .

وعلى المنوال ذاته، فشل حزب الجبهة الوطنية اليميني بزعامة مارين لوبين في الحصول على نسبة مريحة تُمكّنه من الحصول على فريقٍ نيابي في ظلّ انقسام الحزب بعد قرار اعتزال العمل السياسي الذي أعلنته النائبة السابقة ماريون ماريشال لوبين حفيدة مؤسِّس الحزب جون مارين لوبين والتي تمثّل التيّار المتشدّد داخل الحزب والذي يُصارع التيّار الديمقراطي بقيادة فلوريان فيليبو. وينطبق الشيء نفسه على حركة فرنسا الأبيّة التي يتزعّمها جون لوك ميلونشون، والذي يرجع تقهقر حزبه خلال الانتخابات التشريعية إلى اعتماد الحزب خطاباً يساريّاً راديكاليّاً يُعادي مجموعة من القوى داخل المجتمع وعلى رأسها الطبقات الغنيّة ومجتمع الأعمال تصل إلى حد اتّهام الحزب بأنّه يتبنّى عنصريّة اليسار التي تعادي الملكية وتفضّل الطبقات الفقيرة والأجانب في كلّ المناحي المجتمعية، ناهيك بعدم مُساندَة جون لوك ميلونشون لماكرون في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية في مواجهة مارين لوبين حيث لم يظهر موقفه، وهو الأمر الذي جعل العديد من المتتبّعين يعيّبون عليه ذلك ويتّهمونه بالتقرّب من التيّارات المتطرّفة.

وما يجب التوقّف عنده، هو أنّ تيّار الشعبويّة اللّيبرالية في فرنسا الذي يتزعّمه ماكرون يروِّج لقيَم ليبراليّة، مكرِّساً مثال الشاب المليونير رائد الأعمال الناجح في مساره المهني والقادر على التغيير. فما تمّ تسويقه خلال حملة ماكرون، هو الرغبة في إعادة تشكيل المشهد السياسي الفرنسي والأوروبي بعامّة عبر تصعيد وجوه جديدة، تكون لها عذريّة سياسية وقادرة على استغلال الإشكاليّات الأوروبية والفرنسية الرّاهنة، والمتمثّلة في أزمة ديمقراطية وعجز هذه الدول الأوروبية عن حَوْكَمة التعدّد وعن تجديد أنظمتها السياسية التي تحتاج إلى إصلاح مؤسّساتي بفكرٍ جديد وفلسفة مُغايرة لما سبق. فلسفة تقوم على منهاج التحديث، والاستراتيجية، والتطوير، والحُكم التشاركي؛ إذ يُمكن للمُواطن أن يُسهم في صناعة السياسات وألّا يتمّ استدعاؤه مرّة كلّ أربع أو خمس سنوات فقط ليدلي بصوته لصالح شخص أو حزب معيّن. فعندما يُسهم المواطن في إعداد سياسة بلده، وعندما يُسهم بشكل دَوريّ في توجّهات هذا البلد، تصبح الديمقراطية مُستدامة ومتينة.

علاوةً على ذلك، تحاول الشعبوية اللّيبرالية إقناع مريديها بالقطيعة مع الماضي، والقدرة على إعادة الثقة في نفوس المواطنين وإعادة الاعتبار للوطن من خلال روح المُبادرة، وتقوية تنافسية الاقتصاد، وأنّها مشروع يقبل الجميع ويُمكن لأيّ شخص أن يجد نفسه فيه. فما قام به ماكرون في فرنسا عبر هذا الخطاب هو استقطاب مجموعات من اليسار واليمين على حدّ سواء وجلب وجوه جديدة ذات كفاءة ومتخصّصة في مجالات عديدة. بذلك حوَّل ماكرون حزبه إلى حزب تكنوقراط متغذّياً من أخطاء التيّارات الأخرى.

لكن في المقابل، يُعيق تقدُّم الشعبويّةِ اللّيبراليّةِ الديمقراطيّةَ ويجعلها مشوَّهة. فما يحدث في فرنسا يوضِح تمكُّن حزب واحد من كلّ السلطات وافتراسه باقي الأحزاب التي تُواجِه خطر الانقراض، الأمر الذي يجعل المؤسّسات المُنتخبة نخبويّة إلى حدّ كير ولا تمتلك مُعارَضة قويّة قادرة على التقويم.

وممّا يُلاحظ في هذا الشأن أيضاً أنّ الأحزاب التقليدية الفرنسية وصلت إلى مرحلة من التشبّع وتقترب من الاندثار، الأمر الذي يولِّد تساؤلات عديدة حول المنظومة السياسية وقدرة الديمقراطية بشكلها الحالي على الاستمراريّة. فهذا النظام الذي صُمِّم بعد الحرب العالمية الثانية خلال العصر الصناعي لم تعُد له القدرة على مُواكَبة العصر التكنولوجي الذي يُبرِز معالِم جديدة لنظامٍ سياسي متطوّر وديمقراطية جامِعة، تشاركيّة، تمثيليّة ومباشرة لا يُستفتى فيها المواطن كلّ أربع أو خمس سنوات بل يُشارك في إعداد السياسات وصناعة القرار.

وما تظهره الانتخابات الفرنسية في طَورَيها الرئاسي والتشريعي، يتمثّل في سيطرة حزب وحيد يوصف بأنّه حزب التكنوقراط، وأنّ دَور البرلمان الجديد سيكون بمثابة كتلة دستورية تُعيد إنتاج القوانين، وقوّة اقتراحية تقدِّم مشروعات للحكومة وتساندها في عملها؛ الأمر الذي يقلِّص دَور البرلمان في المراقبة والمحاسبة، ويطرح إشكاليّة تضارُب المصالح بين السلطة التنفيذية ونظيرتها التشريعية، وبما يؤدّي إلى اغتيال الحياة السياسية وتشويه الديمقراطية، ولاسيّما أنّ المُعارَضة ستكون في الشارع عبر جمعيّات المجتمع المدني، والنقابات العمّالية، والحركات الطلّابية. والأكيد أنّ هذه المرحلة هي مسار انتقاليّ للديمقراطية الفرنسية باتّجاه الجمهورية السادسة التي ستُحدَّد توجّهاتها من خلال حصيلة عمل الرئيس والبرلمان المنتخبَيْن.

 

*كاتِب وأكاديمي مغربي مُقيم في فرنسا

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف