رقصة الأهوال العلميّة

%d8%a3%d8%ad%d9%85%d8%af-%d9%81%d8%b1%d8%ad%d8%a7%d8%aa

 

أحمد فرحات*
الفرنسيّ ميشال سير (1930) هو الذي أحيا الفلسفة من جديد، بعدما كان الفكر الحديث (وخصوصاً منذ هايدغر إلى اليوم) آخذاً بتوكيد دفنها وعدم الثقة بإمكان ولادتها من جديد.
يبدو ميشال سير لدى النظرة الأولى فيلسوفاً غريباً، شاذّاً، خارجاً عن إطار التاريخ. ففي الوقت الذي كان فيه معاصروه يفقأون عيونهم في فكّ رموز الكلام، انطلق "سير" وكأنّه ملّاح وحيدٌ لاكتشاف مجرّة مستحيلة هي الإنسيكلوبيديا التي ما انفكّ تحرّيه لها يجول في محيط المعرفة الواسع.. من الرياضيّات إلى العلوم الفيزيائيّة والطبيعيّة الدقيقة.. علاوة على العلوم الإنسانيّة من أدب وميثولوجيا وأنثروبولوجيا… إلخ.

لكن لا يظنّن أحدٌ أنّ ميشال سير قام بهذه الرحلة البعيدة غير المنتهية، ساعياً هنا وهناك في العقائد والاختصاصات، إرضاءً لحشريّة جامحة نهمة، فهو قد مشى على الجمر كما يقول، وذلك في كلّ مرّة كان يتطرّق فيها إلى معرفة جديدة.. ومارَسَ هذه المعرفة بلغته المبدعة، بعيداً من الطفيليّات.

فكّر ميشال سير إذاً في ما لا يُمكن التفكير فيه. فبعدما تزوّد بأنساق العلوم المُعاصِرة، صار يعرف أنّ العالَم ليس ما علّمتنا إيّاه العقلانية الساذجة. لا.. لا يخضع الواقع للعقل، وكيف يخضع وهو غير ثابت أو مُنتظم؟. وأمّا إذا بدا ثابتاً في بعض الأحيان، فالأمر معجزة.

الفوضى الدائمة والعدميّة والتغييم، هي المُمكنات أكثر من أيّ شيء آخر؛ فالاضطراب هو إذاً في كلّ مكان: في الجامد والحيّ، في الطبيعة وفي طُرق الإيغال فيها، في المتناهي صغراً والمتناهي كبراً، في البيولوجي والكوزمولوجي، وهو أيضاً في الجسد وفضاءات هذا الجسد، الداخلية منها وحتّى الخارجية.

نحن نفكّر ونعيش في الخليط المشوّش. نحن "غرقى" الإدراك بعدما أغرقنا مدّ المتعدّد، ذلك المدّ الكبير، الضخم والمتشعّب.

محاولة التفكير في المتعدّد، بما هو متعدّد، هي الرهان المعقّد التعقيد الجنونيّ الذي يطلقه ميشال سير في كتابه الشهير:"التكوين". وأمّا أفضل الطُّرق للوصول إلى هذا المتعدّد، فهي أوّلاً سماعه بفعل أن أنموذج العَين القديمة، أنموذج التمثيل الكلاسيكي قد أفلس اليوم، بعدما عاد لا يقدّم لنا سوى عالَم مُغلَق وساكن. السمع، على العكس، يفتح أمامنا باب المتعدّد، ويجعلنا نصغي إلى ضجيجه العميق، ضجيج هذا العالَم غير المنطفىء وإلى وشوشة الفوضى.

نخرج في المحصّلة مع ميشال سير من نفق طويل، من صَمَمٍ فلسفي قديم.. صار التفكير في التكوين مُمكناً، لأنّ سماع التكوين صار مُمكناً. ويظهر مع التكوين شكلٌ جديد، إلى جوار الضجّة والعدم، شكل هو بروز المُمكن مع غليان المتعدّد ولو ببناءات ظنيّة يعتريها الشطط أو التحريف.

هكذا نغرق فجأة في خضم الميتافيزيقا، وتتجلّى مهارة فيلسوفنا العالية في عدم طرحه هذا السؤال الأساس، المنطلق من مفهوم البدء التقليدي. زد إلى ذلك أنّ "سير" كان قد اعتنى بتنظيف نثره من كلّ اصطلاح فلسفي وتقني، ففضّل على المفاهيم البالية، الجافّة، كلمات بسيطة، كلمات اللّغة المحكيّة.. كيف تخرج الأشكال المتولّدة من اللّاشكل؟.. كيف يظهر نظامٌ جديد من اضطراب فوضى معيّنة؟.. كيف بإمكان فكرة جديدة وموسيقى رائعة، هادئة، الخروج من ضجيج الأعماق؟ كيف يولد الزمان من العدم؟.. كيف تخرج فينوس من الأمواج؟

هذه هي المسائل الكبرى التي قدّمها الفيلسوف ميشال سير، وجرّنا خلالها إلى اضطراب البدايات، متوسّلاً الحيلة ومحافظاً على إخلاصه لمنهجه المتعرّج، المتكرّر تكراراً مزيّفاً على الطريقة الحلزونيّة، الموهِمة بالعودة إلى نفسها، في الوقت الذي لا تتوقّف فيه عن التقدّم إلى أمام، وعن التطوّر والتغيّر، لكنّه بدلاً من الإفصاح عن طريق البيانات المجرّدة، اختار الفيلسوف – وهنا الأهمّ – أن يروي لنا قصّة أو أسطورة في بيان تخريج أطروحاته.

إنّ مسألة بروز النظام من الفوضى، مقدَّمة بصورة غير مباشرة عن طريق عمل أدبي؛ فبوساطة "بلزاك" و"دراساته الفلسفية"، جسّد ميشال سير براهينه الفلسفية الخاصّة صُوراً ناطقة، جذّابة ومثيرة.

إنسان الإصبع الصغيرة

لا يعرف الجمود ميشال سير، إنّه أيضاً فيلسوف اللّحظة التي تستولد ذاتها بذاتها من خلال اختراعٍ علمي (على سبيل المثال لا الحصر) متشعّب يضطر الجميع إلى استخدامه والتداول فيه: عالَم الإنترنت بشبكاته المتعدّدة ووسائطه المتبدّلة والمتغيّرة على نحو مدهش.. فوحده تقريباً من بين جيله الفلسفي الفرنسي الآفل (بمعنى السنّ طبعاً) مَن أوغل في عوالِم الاتّصالات الحديثة، وأتقنها كشاب يافع جائع إلى كلّ جديد فيها، فضلاً عن أنّه فلْسَفها على نحو علميّ عميق وواثق بنتائجه التي لا تحتاج إلى "البرهنة أو الاستقراء التدقيقي" على حدّ قوله. فهو قد أصدر منذ فترة كتاباً تحت عنوان: "الإصبع الصغيرة"، أظهر فيه أنّنا في طور الانتقال إلى قطيعة شبه شاملة مع حيوات الأجيال السابقة، على اختلاف حقبها المُعاصرة والحديثة. وأنّنا في سبيل ولادة إنسان جديد يُطلق عليه توصيف: " إنسان الإصبع الصغيرة"، هذا الذي من خلال إصبعه سيغيّر وجه العالَم برمّته؛ وسيقطع، ليس مع الثقافة الكلاسيكية المُتعارَف عليها منذ عصر الأنوار في أوروبا وعلى امتداد العالَم الغربي وتأثيراته في العالَم أجمع فقط، وإنّما مع الثقافة الجديدة التي عرفناها بوجهيها: الحداثة، وما بعد الحداثة، منذ الأربعينيّات، مروراً بالستينيّات، وحتّى التسعينيّات من القرن الآفل.

زمن الحياة القديمة ولّى من وجهة نظر ميشال سير، وولّى معه زمن القراءات التقليدية، وخصوصاً على المستوى الفلسفي. نفهم من قراءتنا لكتابه، أنّ العالَم اليوم بات يحتاج إلى أطاريح فلسفية جديدة ومُتجاوِزة ومُوائِمة لتساؤلات هذه الأجيال الجديدة من الشباب المُبدِع… وأنّ على المفكّرين والمثقّفين والمتفلسفين الجدد الوقوف معهم، والاصطفاف في قلب عالَمهم التساؤلي التحوّلي، لأنّه هو العالَم الذي سيقطع مع البلادة والاجترار لكلّ أنواع النظريّات والمفاهيم الحديثة المكرورة والسقيمة، بما فيها التنظير القائل إنّ الفلسفة هي "أم العلوم"، وهو تعريف لم يتمّ التعامل معه بجدّية، وخصوصاً من الفلاسفة الجدد الذي عرفتهم أوروبا في الستينيّات والسبعينيّات من القرن الماضي.

ولا يكتفي الفيلسوف "سير" بذلك، بل يتمنّى أن يكون واحداً من هؤلاء الشباب وفلذة من فلذات حيويّتهم العقليّة الدقيقة الجبّارة.. " وإنّني أدعم تيّار فلسفة التكنولوجيا الجديدة والخلّاقة التي لم تولد بعد، على الرّغم من كلّ الإرهاصات التي تشي بولادتها، وسحر هذه الولادة التي تحتوي الموضوع والعلّة معاً".

وليس صحيحاً، من وجهة نظر ميشال سير، ما يقال إنّ "العالَم الجديد" يثير الذعر. فكلّ ذلك هو "محض ثرثرة متلاحقة تشبه ثرثرات الزمن الآفل" على حدّ تعبيره. وكأنّي به يرى أنّ النور المبهر، إنّما يُعمي العيون التي لا ترى، ويأخذ بالعيون التي ترى إلى مداها البعيد.

مَلَلْنا إذاً من الموت الفكري، والموت الفلسفي، ومحاولات اغتيال العقل بسائر اختراقاته العلمية والفلسفية في كلّ مرحلة تاريخية فاصلة تعرفها البشرية. من هنا، إذاً، لزوم الحرص دوماً على ضمان حرّية التفكير والتفلسف، ووضع الشرط العلمي في مكانه، ليس التقني المتفجّر منه فقط، وإنّما المعرفي الإنساني التحوّلي أيضاً، فمضمار المعرفة مفتوح أبداً أمام الاستنباط، تحقّقاً وتوسّعاً وتعمّقاً… وأهلاً برقصة الأهوال العلميّة.

 

*مؤسّسة الفكر العربي

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف