ماكرون وملفّ إدماج المُهاجرين الجُدد

%d9%85%d8%b9%d9%85%d8%b1-%d8%b9%d8%b7%d9%88%d9%8a_3

 

معمّر عطوي*

تركت نتيجة الانتخابات الرئاسيّة الفرنسيّة أثراً طيّباً في وسط المُهاجرين وطالِبي اللّجوء في فرنسا، إذ شكّل انتخاب السياسيّ الوسَطيّ الشاب إيمانويل ماكرون حالة من الطمأنينة على مستقبل الجمهوريّة، وخصوصاً في موضوع استقبال المُهاجرين وحماية اللّاجئين، في حين مُنيت السياسيّة اليمينيّة المتطرّفة مارين لوبن، بهزيمة ساحقة أكّدت أنّ الشعب الفرنسيّ متمسّك بقيمه الديموقراطيّة وترسيخ مبادئ "الحرّية والمساواة والإخاء".

موضوع الهجرة الذي تحوَّل إلى ما يشبه الغزو الديموغرافيّ لـ"القارّة العجوز" خلال السنوات الستّ الأخيرة، كان من أبرز العناوين السياسيّة محلّ الخلاف والتجاذب بين المرشّحين لمنصب الرئيس، حتّى بدا كأن الطريق إلى الإليزيه مزروع بألغام المهاجرين، في ظلّ اعتداءاتٍ عديدة شهدتها العاصمة باريس ومُدن أخرى كان منفّذوها من المُهاجرين أو من أصول غير فرنسية.

في الواقع، فإنّ فرنسا، بالمُقارَنة مع ألمانيا أو السويد، ليست البلد المُغري لتقديم اللّجوء على أراضيه، حيث لا يحظى اللّاجئ بالمسكن والرعاية منذ وصوله، كما في بلدان أوروبية أخرى. بل على اللّاجئ أن ينتظر دَوره لشهورٍ أحياناً حتّى يحظى بغرفةٍ تأويه، في وقت تتأخّر فيه أوراق الرعاية الصحّية والمُساعَدة المالية لشهرَين أو أكثر، بينما في ألمانيا أو سويسرا والدول الإسكندينافية، يحظى اللّاجئ منذ لحظة وصوله بمسكن ورعاية صحّية وراتبٍ أسبوعيّ أو شهريّ ودَورات لتعلّم اللّغة.

شروط دبلن

المؤكّد أنّ وضع فرنسا الاقتصاديّ ليس كوضع تلك الدول التي شكَّلت مقصداً للمُهاجرين بأعدادٍ ضخمة، لكن هناك مَن يفضِّل هذا البلد كونه يُتقن لغته، أو لأسباب تتعلّق بلَمّ شملٍ عائلي، وخصوصاً لمواطني شمال أفريقيا، أو قد يكون سبب المجيء إلى فرنسا الخضوع لإجراءات "معاهدة دبلن" حول البلد المخوَّل بالنّظر في طلب اللّجوء؛ إذ إنّ مَن دخلوا أوروبا من الأراضي الفرنسيّة أو بتأشيرة فرنسيّة عليهم تقديم طلب لجوئهم في فرنسا (وفق اتّفاقية دبلن على المهاجر الذي يدخل أوروبا أن يخضع لإجراءات اللّجوء في أوّل بلد يدخلها في حال أخذت بصمات أصابعه أو البلد الذي يحمل تأشيرتها وفي حال دخل إلى بلدٍ آخر على هذا البلد إعادته إلى الدولة المخوَّلة بالنَّظر في إجراءات لجوئه).

كون فرنسا وإيطاليا هما الأقرب إلى السواحل الأفريقية وشمال المغرب العربي، فإنّهما بمثابة بوّابة للعبور إلى القارّة الأوروبية. لذلك تسبَّبت الاضطّرابات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط وبعض دول العالَم العربي بضغطٍ كبير على الحكومة الفرنسية التي تقوم بتوفير الحدّ الأدنى من احتياجات المُهاجرين وطالِبي اللّجوء المالية والصحّية، فيما لم يحظَ عددٌ كبير بالمسكن، فلجأ البعض إلى أصدقاء أو أقارب أو إلى الشوارع والحدائق. لكنّ وجود عدد كبير من الجمعيات الخيرية والمنظّمات الكنسية ساعد في توفير مساكن ودَورات لتعليم اللّغة لعددٍ كبيرٍ من اللّاجئين؛ وهذا فضلاً عمّا تقوم به هذه المنظّمات من خدمات استشارات قانونية وترجمات وثائق وأوراق رسمية وتنظيم نشاطات ثقافية لمُساعدة المهاجر على الاندماج في المجتمع الفرنسي وفهم ذهنيّته.

جمعيّات خيريّة

ففي منطقة Aix en provence على سبيل المثال، هناك نحو 13 جمعيّة تعمل بشكلٍ مستقلّ أو جماعيّ على توفير ما يُمكن للّاجئين، منها جمعيّات مناطقية ومنها مَن تعمل على مستوى جميع الأراضي الفرنسية مثل الجمعيّة شبه الرسميّة Forum Réfugiés وSimade وAgir. ومن هذه الجمعيّات أيضاً الصليب الأحمر و Emmaüs و"الإغاثة الكاثوليكية"و"الإغاثة الشعبية". أمّا جمعية Welcome en France فهي تؤمِّن المأوى لدى عائلات فرنسية لأسابيع معدودة. لعلّ هذا البرنامج يهدف ليس إلى تأمين السكن فقط، بل إلى مساعدة المُهاجِر أيضاً، وتعليمه اللّغة والعادات الاجتماعية الفرنسية، حتّى يتمكّن من فهم ثقافة هذا البلد قبل أن يُصبح مُقيماً أو مُواطناً فرنسياً.

في ما يتعلّق بتعلّم اللّغة، تتحدّث الناشطة باتريسيا كريفل عن صعوبات يُواجِهها معظم المُهاجرين العرب، وخصوصاً مع مَن يرى مشكلة في كتابة الحرف اللّاتيني، مشيرةً إلى أنّ معظم النساء لا يحظين بتعلّم اللّغة كونهنّ يبقين إلى جانب الأطفال في المنزل ولا يختلطن بالمجتمع الفرنسي أو يشاركن بدروس مُنتظَمة.

في ما يتعلّق بالإجراءات، فإنّ وزارة الداخلية هي المسؤولة عن دراسة وقبول أو عدم قبول طلبات اللّاجئين من خلال "مكتب حماية المُهاجرين وعديمي الجنسية (OFPRA)" والمحكمة الوطنية لحقوق اللّاجئين (CNDA). وهناك مكاتب أخرى رسمية تساعد اللّاجئ في إجراءاته وتأمين سكن- ولو بصعوبة- مثل المكتب الفرنسيّ للهجرة والاندماج ومكتب مساعدة طالب اللّجوء ومركز Cada الذي يتضمّن مراكز إيواء تُعطى فيها الأفضلية للعائلات، فيما يتقاضى اللّاجئ في فترة الانتظار نحو 340 يورو شهرياً ورعاية صحّية شبه كاملة، وذلك بعد حصوله على البطاقة الصحّية والبطاقة المصرفية.

 

وبحسب إحصاءات نشرتها جمعية Simade، فإنّ العام 2015 كان عام الذروة لأعداد المُهاجرين، حيث وصلت إلى فرنسا أعداد كبيرة عن طريق اليونان، في رحلات الموت البحرية من الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا على وجه التحديد. لقد استقبلت فرنسا أعداداً من المُهاجرين، على الرّغم من أنّ جزءاً منهم، وخصوصاً السوريّين، فضَّل مُواصَلة الطريق نحو ألمانيا والنمسا والدول الإسكندينافية.

بيد أنّ هذا الوضع تغيّر بعد أشهر قليلة من توقيع اتّفاق بين الاتّحاد الأوروبيّ وتركيا بخصوص منْع الهجرة غير الشرعية، وإقفال طريق البلقان.

استقبلت فرنسا خلال 5 سنوات عشرة آلاف سوري، في حين بلغ عدد طلبات اللّجوء في فرنسا من بلدان مختلفة نحو 80 ألف طَلب خلال العام 2015، و85 ألفاً في العام 2016. وارتفعت نسبة قبول المُهاجرين وفق الاتّفاق الدولي من 28 في المئة عام 2015 إلى 35 في المئة عام 2016، بحسب ما يوضح المسؤول في منظّمة "سيماد" في منطقة إكس إن بروفنس إيف برودوناو لـنشرة "أفق".

تبلغ فترة تحديد موعد المقابلة الخاصّة باللّاجئ لتحديد مصيره ستة أشهر أو أكثر من تقديمه طلب اللّجوء، تأتي بعدها بنحو شهرَين النتيجة التي تخوّله حق الإقامة لعشر سنوات أو حقّ الحماية المؤقّتة لسنة، أو الرفض. وفي الحالة الأخيرة يحقّ له استئناف القرار خلال شهر من تسلّمه نسخة خطّية منه، وبمساعدة محامي تدفع أتعابه الدولة.

يوضح برودوناو أنّه بخصوص جنسيّات طالِبي اللّجوء، فإنّ نحو نصف العدد الذي استقبلته فرنسا في الفترة الأخيرة أتى من خمس دول هي سوريا وألبانيا وأفغانستان والسودان وهايتي. لكن لا تحظى هذه الدول بشروط القبول نفسها، بحيث يحظى السوريّون بفُرص للبقاء في فرنسا أكثر من غيرهم، وذلك بنسبة بلغت 95 في المئة. في العام 2015، سجِّل قبول 3400 طلب لجوء سوريّ، وفي العام 2016 ارتفع العدد إلى 3500.

مُحارَبة الإسلاموفوبيا

في ما يتعلّق باستقبال لاجئين في بيوت عائلات فرنسية، يؤكِّد رئيس المنظّمة اليسوعية لخدمة المُهاجرين JRS ميشال كرو، أنّ جمعية "أهلاً في فرنسا"، تنشط في أكثر من 35 مدينة منذ العام 2016. وهناك نحو 1350 عائلة وجمعيّة دينية تستقبل 600 طالب لجوء، بما يصل إلى 53 ألف ليلة يقضيها مهاجرون في منازل وبيوت عائلات فرنسية.

يؤكّد كرو أنّ الهدف من هذه الخطّة هو التوضيح لهذه العائلات وجيرانها وأصدقائها حقيقة أنّ "اللّاجئ شخص مثلهم، لكنّه يُواجِه مشكلات بسبب مُمارسات الأنظمة السياسية في بلاده أو المنظّمات الإرهابية، لذلك تلعب الجمعيّة دَوراً في مُحارَبة الإسلاموفوبيا" عبر تعريف المُواطِن بأنّ اللّاجئ إذا كان مسلماً فلا يعني ذلك أنّه إرهابي.

وينفي كرو أيّ دعم من الحكومة لجمعيّته، مؤكّداً "نحن أحرار في عملنا". ويضيف "دَورنا هنا هو تأمين الأسرة المُضيفة لاستقبال اللّاجئين، لمدّة حوالى 6 أسابيع. نقوم باختيار الشخص المُناسِب المُحتاج لسكن وتعريفه إلى الأسرة التي تقوم بتأمين كلّ ما يلزم له خلال فترة إقامته لديها".

يوضح برونو بولانجيه، الذي يستضيف مُهاجرين في بيته الواسع على إحدى تلال قرية كالاس – كابرييس للمرّة الخامسة، أنّه يقوم بهذه المهمّة بدافعٍ إنسانيّ لمُساعدة مَن يتعرّض للاضطّهاد في بلده. ويشير إلى أنّه خصَّص غرفة في بيته للمُهاجِر مزوَّدة بوسائل الراحة كلّها، وبدورة مياه ومكان استحمام خاصَّين به، في حين تقوم الأسرة بتأمين وجبات الطعام وغسل الملابس.

ويلفت بولانجيه الذي يستقبل بكلّ رحابة صدر مُهاجراً عربياً في الوقت الحالي، أنّ استقبال المُهاجرين هو وسيلة لمشاهدة الضرورة الملحّة لمُعالَجة هذه المشكلة، مؤكِّداً أنّ طرح قضيّة اللّجوء لا تتعلّق بالعائلة المُستقبِلة فقط، بل بالجيران والأصدقاء الذين عليهم أيضاً أن يعرفوا ما تعانيه الشعوب الأخرى من مشكلات في بلادهم وفي البلد الذي يلجأون إليه. كما أنّه يَعتبر ذلك تطبيقاً لمبدأ الثورة الفرنسية في الإخاء.

يبقى ملفّ الهجرة في ظلّ ولاية الرئيس الجديد تحدّياً كبيراً، وخصوصاً أنّ هذا الملفّ يحتاج إلى الكثير من التطوير لتقديم خدمة لائقة للمُهاجر. وهذا ما أكَّد عليه ماكرون في برنامجه الانتخابيّ لجهة ضرورة تسريع إجراءات طلب اللّجوء والبتّ فيها خلال 8 أسابيع، واعداً بتقديم برنامج جديد لإدماج المُهاجرين؛ إذ يرى الرئيس الشاب أنّ الهجرة ليست عالة على فرنسا، بل هي فرصة اقتصادية اجتماعية للتطوير.

*كاتب وإعلامي من لبنان

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف