العلوم العربيّة الإسلاميّة في سياقات تاريخها

%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%84%d9%87-%d8%a8%d9%84%d9%82%d8%b2%d9%8a%d8%b2

 

د.عبد الإله بلقزيز*

على إيقاع الانقسام الإسلاميّ انقسم عِلـم التفسير إلى مدرستَين كبيرتَين فـي القراءة: تنتمي الأولى إلى الجماعة الأكبر، داخل الإسلام، وتلتزم بما اجتمعت عليه جماعتُها من تناسُبٍ بين اللّغة (القرآنية) والـمعاني الـمُتعارَف عليها، فتفسِّر النصّ القرآني على الـمقتضى هذا، معتقدةً أنّ الكلام الإلهي واضحٌ لدى الـمفسّر، وهو لا يفعل – فـي تفسيره- سوى فكّ لغزه لـمَن يستغلق عليه فهمُه من الناس، ومستوثقةً أنّها تملك "شفرة" النصّ التي هي اللّغة. وفـي العلاقة بهذه "الشفرة" يَتوزع مفسّرو الـمدرسة (الأولى) على مذاهب عِدّة فـي التفسير؛ بين مَن يَحسب اللّفظ نهائيَّ الدلالة فـي منطوقه (الطبري)، ومَن يستدخل البلاغة فـي القراءة والتفسير (الزمخشري)، ومَن يُفرد للـمجاز مساحة ثمّ يتعقّل معنى النصّ فـي الوقت عينه (الفخر الرازي).

وتنتمي (الـمدرسة) الثانية إلى أتباع آل البيت ممَّن لـم يستطع الـمفسّرون فـيها أن يُخرجوا هواجس الوصية والإمامة من أُفقهم الذهني أثناء عملية التفسير. ومبنى التفسير عند أصحاب هذه الـمدرسة- كما عند الصوفية- أنّ اللّغة ليست ناطقة بذاتها، وإنّما هي تُضمر تعاليم لا يفُكّ ألغازها إلاّ الأئمّة. وفـي الـمساحة الافتراضية تلك، كان يُبْحَث لآل البيت عن الـمسوِّغات الشرعية (القرآنية) لحقوقهم والـمطالِب. ومع أنّ الصوفـية لـم يكونوا، جميعاً، على هذا الـمذهب، ولا كان وازعُهم وازعَ مفسّري الشيعة، إلاّ أنّهم سلكوا الـمسلكَ عينَه – من الناحية الإيبيستيمية- فـي النظر إلى نصّ القرآن ولغته وألفاظه، فحملوها على غير ظاهرها، بل ذهبوا فـي ذلك إلى حدود أبعد ممّا تخيَّله الـمفسّرون. وهكذا لـم يكُن لعلـمٍ تأسيسيّ، مثل عِلـم التفسير، لينشأ بعيداً من مناخات الانقسام الإسلامي إلى جماعتَين متنازعتَين على شرعيّة التمثيل.

حصل فـي علـم الحديث ما حصل فـي عِلـم التفسير من انقسامٍ فـي الوجهة والـمنطلقات، بل هو فاق التفسيرَ ازدحاماً بالـمشكلات. ولقد تشكّلت، فـي الإسلام، منظومتان كبيرتان من كُتب الحديث النبويّ على قاعدة انقسام الجماعة فـيه. رُفِعت أحاديث إلى النبيّ فـي البعض منها وغابت فـي البعض الآخر تماماً؛ وبُجِّل صحابةٌ على لسان النبيّ فـي أحاديثِ منظومةٍ تجاهلتْهُ أخرى تجاهُلاً كلّياً. وكان واضحاً أنّ التنازع على الحديث النبوي تنازُعٌ على الشرعية وعلى السلطة أو الأحقّية فـيها. وهكذا، وراء الاختلاف فـي الرواية والسّند بين أحمد (ابن حنبل) والبخاري ومسلـم، مثلاً، و(بين) الترمذي و- بخاصّة- الكليني، تاريخٌ من التنازع على الرأسمال النبويّ وعلى مكانته فـي الشأنَين الديني والدنيوي، وتحديداً على عائدات الحديث على الحقّ فـي الإمامة: حقّ الجماعة فـيها أو حقّ آل البيت والأئمّة حصراً. ويرتبط بالصراع هذا وبغيره من الصراعات الأخرى – حتّى داخل الجماعة الواحدة – ظاهرة الوضع؛ حيث فاضت الأحاديث الـموضوعة فَـيضاً هائلاً مع التقدّم فـي الزمان فـيما لـم يكُن عددها ليزيد على مئات فـي منتصف القرن الثاني للهجرة! وما كان الفـيض ذاك ثمرةَ اكتشافِ أحاديث مدوَّنة فـي الـماضي كانت مجهولة ثمّ أميط عنها اللّثام، وإنّما مردُّهُ إلى مسلكٍ سياسي استسهل زجَّ اسم النبيّ والشرعية النبوية فـي ميدان الاعتراك السياسي على السلطة! وهو مسلكٌ أدركَ أصحابُه ما للحديث النبوي من عائدات جزيلة على مصالحهم، فطفِقوا ينتحلونه من غير وجل. وحتّى حينما وُضِعت كُتب الصِّحاح – بما هي محاولة لإنهاء الجدل- كانت تكفـي الأحاديث الـموضوعة فـي خانة الحديث الضعيف لتشهد بذلك القدر الهائل من التلاعبات السياسية بالحديث النبوي التي شهدت عليها التجربة التاريخية للإسلام بين القرنَين الثاني والخامس للهجرة.

وكما كان للتفسير والحديث علـماؤهُما من السنّة والشيعة، كان للفقه وأصوله علـماء من الشيعة والسنّة والإباضية وسواهم. تختلف مدارس الفقه السنّي (الـمالكية، والحنفـية، والشافعية، والحنبلية، والداودية… الظاهرية)، أكثر ما تختلف، فـي الفروع التي نجمَ الخلاف فـيها من اجتماعِ اجتهادِ إمام الـمذهب وأصحابه مع أوضاع الإقليم الذي انتشر فـيه وعوائد أهله ومواريثهم الثقافـية والاجتماعية. ولكنّهم يجتمعون على أصولٍ مقرَّرة لا يحيدون عنها. وهي –كلاًّ- ليست أصولَ الفقه الجعفري (الإمامي الشيعي) وإنْ كان منها ما يشبه الآخر. ولك أن تقول الشيء نفسه عن فقه الإسماعيلية وفقه الإباضية وغيرهما. وانقسامُ الفقه مفهوم فـي ضوء الانقسام فـي التفسير والحديث؛ فحين يُخْتَلَف فـي فهم مقصد النصّ (القرآني) ومضمون التعليم النبويّ- وهُما أصلا الدّين- فكيف لا يُختَلف فـي اشتقاق أحكامٍ من نصوصٍ مختَلف عليها. ويكفـي، لبيان صلة الإنتاج الفقهي الإسلامي بالانقسام السياسي، الفقهَ السياسيَ مثالاً: مبنى فقه الشيعة السياسي على العهد والوصية و"النَّصب الإلهي"، أي على الإمامة بما هي ركنٌ مكينٌ من الدين لا يكتمل الإيمان به من دون الإيمان بها، لأنّها – فـي الفقه ذاك- مسألةٌ عَقَدية كالشهادتَين والصلاة. أمّا فقه السّنة السياسي (فقه السياسة الشرعية) فمبناه على أنّ الأمرَ (= الحكم) للجماعة والأمَّة؛ تُقلِّده مَن اختارتْهُ إماماً عليها بعقدٍ يعقده أهل الحلّ والعقد هو البيعة. وآثار الانقسام جليّة فـي الخلاف بين الفقهَين: يقرِّر فقهُ السياسة الشرعية (السنّي) واقعاً قام، فـي تاريخ الإسلام، هو واقعُ تولية الخلفاء ثمّ السلاطين؛ فـيما يرسم الفقه السياسي الشيعي هندسةً ذهنية لنظامٍ لـم يقُم فـي التاريخ على الرّغم من أنّ قواعده- بحسب فقهاء الشيعة- تقرَّرت نَصّاً: قرآناً وحديثاً. يدافع الفقه الأوّل عن شرعيّة استمرار نظام الإمامة الـمطبَّق، فـيما يظلّ الثاني مُنافِحاً عن شرعيّة النظام الوحيد الـمتمتّع بالشرعية الإلهية على الرّغم من تغييبه.

إن أخذنا علـماً من غير العلوم الدينية – كالعلوم الثلاثة الـمشار إليها- مثل عِلـم التاريخ، سنُلفـي أنفسنَا أمام الصلة عينِها بينه وظروفِ الانقسام التي تحدّثنا عنها. مصادر التاريخ الإسلامي تتقسَّمها مدارس واتّجاهات متعدّدة بتعدُّد تيّارات التمذهب السياسي. من الـمصادر ما انتصر للروايات السنّية، ومنها ما انتصر للروايات الشيعية؛ ولـم يكُن بعضها شديد النكير على الخوارج كغيره؛ كما أنّ بعضها الآخر روى وقائع التاريخ الإسماعيلي، مثلاً، روايةً مختلفة عن الرواية (السنّية) الرسمية. بدأ التنازُع هذا فـي الرواية التاريخية منذ وقتٍ مبكّر، ما زالت أحداث الفتنة ومرويّاتها طريّة فـيه. إنْ عدنا إلى مصادر الطبري (سيف بن عمر الضبي، الـمنقري، الواقدي، السّري…)، وإلى ما نُشِر من مكتوبات الثلاثة الأُوَل، سنلحظ آثار النزاع السياسي للجماعة الإسلامية فـي مرويّاتهم، ونَلحظ معها انحيازات كلّ واحدٍ منهم لفريقٍ فـي الصراع (فـي رواية أحداث "حرب الجمل" عند سيف بن عمر، مثلاً، أو رواية أحداث  "حرب صفّـين" عند الـمنقري، أو فـي رواية أحداث "الـمغازي" والرّدة عند الواقدي أو عند كتّاب السيرة…). ولـم يكُن الخلاف بين مؤرّخين وأخباريّين موالين للرواية السنّية (كالبلاذُري أو ابن قتيبة أو ابن كثير أو ابن الأثير…) وآخرين موالين للرواية الشيعية (كالـمسعودي و- إلى حدٍّ أقلّ- اليعقوبي والطبري)، خلافاً سياسياً مذهبياً، بل كان الخلاف يمتدّ إلى داخل الـمؤرّخين من الـمذهب الواحد؛ فمثلـما كان هناك مؤرّخون يُوالون الكوفة (=الإمام علي) وأهل العراق، ومؤرّخون يوالون الشام ومعاوية، كان هناك مؤرّخون (سنّة) يوالون الدولة الأموية وآخرون يوالون الدولة العبّاسية. وكثيراً ما حجب الأخيرون أخباراً للأمويّين ظنّاً بأنّها تزعج العبّاسيين، كما أنّ شخصيّات من الجيل الإسلامي الأوّل والثاني (العبّاس بن عبد الـمطّلب، عبد الله بن عبّاس) أُعيدَ اختراعُ أدوار لـها فـي التاريخ أسطورية؛ لأنّ ذلك من مقتضيات تبجيل أجداد العبّاسيين. بل إنّ تعظيم عبد الله بن عبّاس، فـي العهد العبّاسي نفسه، وصل إلى عِلـم الحديث فرُفعت إليه روايات لا حصر لها عن الرسول على الرّغم من أنّه كان صبيّاً (فـي العاشرة او الحادية عشرة) حين قضى الرسول نحبه!

أمّا إن أخذنا من العلوم علـماً دينيّاً – عقلياً مثل عِلـم الكلام، فسنعثر على أشدّ الشواهد قوَّةً على ما بين العلوم الإسلامية وظروف النزاعات الداخلية والانقسامات الحادّة التي أشرنا إليها؛ فالعِلـم هذا هو السياسةُ بعينها وقد تدثرت بدثارٍ عَقَديّ أو، قل، إنه ما نشأ إلاّ فـي سياقِ منازعةٍ سياسية مفصليّة على مسألة السلطة والـمشروعية أنتجت السؤال السياسيّ- العَقَدي: الحكمُ لـمَن مِن الـمُتنازعين عليه: لصاحب العراق أم لصاحب الشام أم لله؟ ثمّ ما الحكم الشرعي فـي مَن ارتكب كبيرةً (دينية ولكن فـي شأنٍ دنيوي سياسي): كافرٌ أم مؤمن أم فاسق أم الحكم فـيه يُرجأ إلى يوم القيامة؟ مدارُ معظم الكلام الإسلامي، فـي ابتدائه، على مسائل الكفر، والإيمان، والـمعصية، والقدر، والأمر بالـمعروف والنهي عن الـمنكر، وحرّية الفعل الإنساني، والإرادة، والاستطاعة، والكسب، والعدل والظلـم…إلخ. بعضُ الـمسائل تلك سياسيٌّ صريح، وبعضُها مُبَطَّنٌ فـي مفردات عَقَدية يبرِّرها ما بين الدين والسياسة من صلات فـي ذلك العهد. ولقد بدأت سياسيات عِلـم الكلام من جداليات الـمسلـمين فـي الإمامة – حيث بابُها ثابت فـي تآليف الكلاميّين- وفـي الجبر والقدر ونسبة الفعل الإنساني إليهما. وكان واضحاً أنّ الـمعركة، فـي الجدال ذاك، منذ عصر غيلان الدمشقي والجهم ابن صفوان والحسن البصري، إنّما تدور بين مَن يلتمسون التبرير الشرعي لبطش الأمويّين و(بين) مَن يجرّدون حكمهم وبطشهم من أيّ مشروعيّة دينية. وبالجملة، لـم يكُن لأصول الدين فـي الإسلام أن تتكوّن كعِلم إلاّ فـي صلتها بواقعة الانقسام الكبير فـي الجماعة وما تولّد منه من صراعاتٍ انتقلت- سريعاً- من السياسة إلى الفكر.

يُمكن التنفـيل فـي بيان الصلة تلك، بين علوم الإسلام وظرفـية الصراع السياسي فـيه، من طريق الاستدلال عليها بمجالات من الفكر والثقافة أخرى (الآداب السلطانيّة، الشعر، التصوف…)، لكنّ الأمثلة السابقة تكفـي، بإلـماحاتها السريعة، لِتُطلِعنا على تلك الروابط التي شدّت الـمعرفة العربية الإسلامية إلى ظروفها السياسية الـمؤسِّسة والـمُحيطة. لذلك يتعصّى على البحث العِلـمي أن يبني إدراكاً صحيحاً بسياقات تطوُّر الأفكار والـمعارف فـي الإسلام من دون قراءة ذلك التطور فـي مرآة التاريخ السياسي والاجتماعي للإسلام. ذلك وحده يجنّب الوعي من الانزلاق إلى إصدار أحكام معياريّة قاطعة فـي أيّ أثرٍ ثقافـي أو فكري إسلامي، على نحوِ ما يفعله دارسون كثر من الـمسلـمين والـمستشرقين. من دون وعي الصلات تلك، لن نستطيع أن نفهم لـماذا عُبِّر عن أفكار ما بطريقةٍ ما وليس بأخرى، ولـماذا مالت فئة من أهل الرأي إلى موقفٍ بعينه؟ لو شئنا مثالاً واحداً هو موقف الفقهاء من السلطة، لتبيَّنَّا ذلك: يُتَّهَم الفقهاء عادةً – من قِبل الـمستشرقين والباحثين الـمسلـمين الـمحدثين- بمُمالأتهم السلطةَ القائمة والعزْفِ على مقامها، وعدم تحكيم مقتضيات الشرع، التي وضعوها هُم أنفسهم كقواعد للحكم (العدل مثلاً)، أساساً للحكم على سلطانهم. وهذا كلُّه صحيح نظريّاً، أي من وجهة نظر الـموقف الشرعي الفقهي؛ ولكن، هل كانوا مجرّد انتهازيّين – حقّاً-كما يصفهم نقّادُهم، أم إنّ ظروف الفتنة وانقسام الجماعة، والخوف من تكرارها فـي التاريخ، ما كان يدفعهم إلى البحث عن نظامٍ جامعٍ لأمرِ الأمّة، أيّاً يكن مضمونُه، يدرأ عنها الـمزيد من التمزّق والتذرُّر؟ ألـم يكُن ذلك – هو نفسُه- ما حصل حين قبول تولية معاوية خليفةً فـي "عام  الجماعة" (كما سُمِّي عام توليته)؟  نحن لا نبرّر لهم انحيازهم إلى السلطة، فـي ما قلناه، ولكنّا نحاول أن نفهم أسباب ميْل مواقفهم فـي الاتّجاه ذاك.

*باحث وأكاديمي من المغرب

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف