تكنولوجيا المعلومات تجتاح خفّة الوجود الثقيلة

%d8%a3%d8%b3%d8%a7%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%b2%d9%88%d9%84%d9%8a

 

د. أسامة الغزّولي*

يُعيِّن ابن خلدون في مفتتح مقدّمته الشهيرة، مستويين للكتابة التاريخيّة: المستوى الإخباري الذي "تسمو إلى معرفته السوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال، وتتساوى في فهمه العلماء والجهّال"؛ والمستوى التحليليّ، الذي فيه "نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعِلم بكيفيّات الوقائع وأسبابها عميق"؛ وإذ ينشط المؤرّخ المتمكّن على المستويَيْن، فهدفه هو "الإخبار والاعتبار"، ذلك الهدف الذي يتوخّاه، تجده عند عددٍ لا يحصى من المؤرّخين، بينهم وجيه القاهرة ودمشق، تقيّ الدّين أبو العبّاس المقريزي في "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار"، أو في "السلوك لمعرفة دول الملوك" أو في غيرهما من المؤلّفات. ويتحدّث المقريزي بلسان أستاذه ابن خلدون، وبالنيابة عن أمثاله من المؤرّخين، وبالأصالة عن نفسه، وهو يقرِّر في مقدّمة "الخطط" أنّ: "عِلم التاريخ من أجلّ العلوم قدراً، وأشرفها عند العقلاء مكانةً وخطراً، لما يحويه من المواعظ والإنذار بالرحيل إلى الآخرة عن هذه الدار والاطّلاع على مكارم الأخلاق ليقتدى بها، واستعلام مذامّ الفِعال ليرغب عنها أولو النهيّ".

وعندما نضع ما قاله ابن خلدون في أنّ التأريخ تذكرةٌ بما يحلّ بنا، جيلاً بعد جيل، عندما "تبلينا الأيّام والوقوت، وتعتورنا الآجال التي خطّ عليها كتابنا الموقوت" إلى جانب العبارة التي نقلناها لتوّنا عن المقريزي، والتي تجعل بين مَهامّ المؤرّخ "الإنذار بالرحيل"، ندرك السبب في أنّ عبد الرحمن الجبرتي، الذي جاء بعد ابن خلدون والمقريزي بثلاثة قرون، لخّص رؤية ابن كثير للتأريخ على النحو الذي نجده في قوله:فمن الكُتب المصنّفة فيه تاريخ ابن كثير في مجلّدات عدّة، وهو القائل شعراً:

"تمرّ بنا الأيام تترى وإنّما / نساق إلى الآجال والعَين تنظر/ فلا عائد صفو الشباب الذي مضى/ ولا زائل هذا المشيب المكدر".

هذه صرخة حزن امتزج بفزع شديد، مصدرهما شعور الإنسان بعجزه عن الإمساك بالزمن، وهو يتفلّت من بين أصابعه. وعلى الرّغم من الفزع والرعب المفهومَيْن والمبرَّرَيْن، تجد الوقوف على حافة القبر ولعاً قاهراً، يجعل مؤرّخاً مثل الجبرتي ينفق جانباً كبيراً من وقته وجهده في رصد انتقال الأعيان من معاصريه، من عالَم الأحياء إلى ظلمات القبور، مخصِّصاً للوفيّات قسماً كبيراً ممّا يخصّصه لكلِّ حولٍ أرّخ لوقائعه، ويجعل مؤرّخاً سبقه، مثل أبي العبّاس شمس الدّين أحمد بن محمّد بن أبي بكر بن خلّكان يقدّم لنا موسوعة من موسوعات الموتى، يُمكن تبرير شهرتها وخلودها، بالإحالة على هذا الولع بالوقوف على حافّة القبر.

فهل هذا التعلّق بالماضي خاصيّة عربيّة أم هو خوف الإنسان من الموت يجعله يولّي وجهه شطر ما مضى من حياته، متمنّياً استعادته؟

لا شكّ أنّ الكتابة التاريخية، في كلّ الحضارات، هي في أحد أهمّ وجوهها "بحثٌ عن أزمنةٍ ضاعت"، وهو ما تجده في À la recherche du temps perdu، العمل الروائي الأشهر للفرنسي مارسيل بروست، الذي غالباً ما يشار إليه اليوم بكلمة واحدة "La recherche" أو "البحث". وهكذا تجد عند ابن القرن العشرين مارسيل بروست الذي ولد في الحيّ السادس عشر من باريس (قبل أن يصبح أفخم أحياء مدينة النور)، ما تجده عند المؤرّخ الدمشقي في القرن الرابع عشر ابن كثير، تجد ألم الفقد الذي يعتصر كيانه، بعد أن لم يُعد يجد حوله مَن أحبّهم، وبعد أن لم تعُد تضيء حياته مسرّات انطفأت. وفي أعمال بروست تجد أصداء لأعمال شارل بودلير، ومنها قصيدة "جثّة" التي سطّرها بودلير، في صراحة صادمة، محدّثاً جميلته عن الزمن الماضي، باعتباره جثّة "ترفع ساقيها لأعلى/ كامرأة شهوانية/ يحترق جسدها/ وتقطر منه السموم/ وقد انكشف من غير حياء ولا تحشّم/ وقد انتفخت البطن بالغازات".

وقد يقول القائل إنّ ما يقدّمه بروست لقارئه، وإن انطوى على علاقة نسب بما يجده القارئ عند بودلير، هو استعادة أكثر خصوصية وعفوية لمراحل من حياة شخصية، وبالنهاية فما يقدّمه الاثنان، وغيرهما من الأدباء، هو فنٌّ لا يُقارَن بأعمال المؤرّخين، بخاصّة مَن ينتمون لثقافة أخرى. لكنّ ناقداً كبيراً مثل الألماني والتر بنجامين، بما نقلته عنه آليسيا ريتشاردي في "غايات المراثي: التحليل النفسي في الأدب والسينما" (2003)، يعتبر أنّه "حيثما كانت هناك تجربة حقيقية، فالمحتوى الشخصي أو الفردي للذاكرة تصيبه، دائماً، عدوى مصدرها تورّطه في الجمعي". والأهمّ من ذلك، أنّ بنجامين يرى أنّ هدف بروست – ونقول نحن هدف كلّ أديب – من التذكّر هو الانعتاق من الماضي.

فهل كان الانعتاق من الماضي هدفاً لكاتِب عربي، في الأزمنة الغابرة أو الحاضرة؟ الجواب هو لا، لم يكُن كذلك. وسواء كان الكاتِب مؤرّخاً أخضع نفسه لقواعد عقلانية ومحكمة ونزيهة، مثل ابن خلدون والمقريزي والجبرتي، أو أديباً تجرّأ قلمه على الكتابة التاريخية، فالهدف – في الغالب – هو استحضار أشباح الماضي لتقيم بيننا، ولتحكم حاضرنا، ربما بأكثر ممّا حكمت ماضينا.

وعلى الرّغم من ذلك، فقد شهدت القاهرة والإسكندرية في فترة الحداثة اللّيبرالية التي شهدتها العقود الممتدّة من بزوغ نجم الشيخ محمّد عبده، في نهاية القرن التاسع عشر، وحتّى الحرب العالمية الثانية، في نهاية ما يدعوه ألبرت حوراني "عصر النهضة" العربية، مَيلاً قويّاً لإحياء يتطلّع إلى صنع مستقبل يستلهم الماضي ولا يرتهن به. وقد تنقسم هذه الفترة إلى مرحلتَين، تمتدّ أولاهما حتّى عشرينيّات القرن الماضي، وهي حافلة بأعمال تستحقّ الإعجاب، وأخرى تنتهي بنهاية الحرب العالمية الثانية، لتضعنا على عتبة الشموليّات التي ظهرت في العراق والشام ومصر. وجدير بالذكر أنّ انقسام هذه الفترة إلى مرحلتَين، نشأ عن ضغوط حملات التشهير الظالِمة التي تعرّض لها الشيخ محمّد عبده، وعن المعارك التي ثارت حول كتابَي قاسم أمين "تحرير المرأة" (1899) و"المرأة الجديدة" (1901)، وكِتاب علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم" (1925)، وكتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي" (1926)، ما ساعد (مع عوامل لا يسعنا هنا التعرّض لها)على تحويل الكتّاب الحداثيّين، بخاصّة بعدما تصاعد الصراع بين التاج المصري و"الليبراليّين"، إلى دعاة لماضوية رومانسية تعتمد خطاباً دعائيّاً تحريضيّاً، مهّد للاستبداد السلفي الذي روّجت له الأحزاب والتنظيمات الشمولية، بعد ذلك، في العهدَين المَلكي والجمهوري.

تذكّرنا الماضوية الرومانسية، في مختلف صورها، بما قاله بروست من أنّ استعادة ما مضى "ليست بالضرورة استدعاء الأشياء، في الصورة التي كانت عليها". ليست المسألة تزييفاً متعمّداً أو غير متعمّد، بقدر ما هي ضعف متأصّل "في الأدب وفي الذاكرة الإنسانية" كما يقول نيكولاس ليزارد في مقالٍ له عن "موسوعة الموتى" للكاتِب الكرواتي دانيلو كيش (الغارديان، 2حزيران/ يونيو 2015)، وهي مجموعة قصصية تحمل عنوان قصّة قصيرة عن فتاة تقرأ كلّ ما يتعلّق بأبيها الراحل، الذي كان جنديّاً خامل الذكر، وبكلّ رفاقه المجهولين، في موسوعة في إحدى المكتبات. وكما يقول ليزارد، فإنّ المساواتية التي يؤمن بها كيش تمثّلت في قاعدة نصّت على أنّ "أولئك الذين تيسَّر لهم، بالفعل، أن يتركوا بصماتهم على صفحات التاريخ، أو الذين يظنّون أنّهم فعلوا ذلك، لا حاجة بهم إلى أن يرد ذكرهم في تلك الموسوعة". هذه القاعدة مناقضة لموسوعات الموتى في التواريخ والأعمال الأدبية الماضوية الروح، في موروثنا على نحو خاصّ، المُثقلة بمدائح للراحلين من الملوك والقوّاد والأعيان، عبر العصور، وللأزمنة المُباركة التي عاشوا فيها.

العاطفة القوية التي تدفع بأحدنا إلى استعادة أزمنة انقضت، بأحداثها وأبطالها، هي العاطفة التي يندّد بها الكاتِب التشيكي ميلان كونديرا في أهم رواياته، وهي "الوجود لا تحتمل خفّته" L'Insoutenable légèreté de l'être. يرى كونديرا أنّ العاطفة هي باب الضلالة. والحنين إلى ماضٍ انطوى هو أكثر العواطف سخفاً، أولّاً، لأنّ ما مضى لا يعود أبداً. وماذا لو عاد؟ سيثقلنا بنتائج حماقاته، بتفاهة "تتواصل من غير انقطاع" وأسوأ من ذلك، ربّما، بـ"كتلةٍ من الجماجم المرصوصة". ولأنّ الماضي لا يعود، إلّا في صور موهومة ومُحَسّنة، فمسؤولية الواحد منّا عن كلّ ما فعل مسؤوليّة ثقيلة، لأنّ الوجود الإنساني سحابة خفيفة وعابرة، واللّحظة التي تفلت منك سوف تمضي ليس بعارها أو بفخارها فقط، بل وبكلّ إمكانية لتعديل ما كان. وهذا يترتّب عنه أمران: أوّلهما، أنّ كلّ خطيئة هي خطيئة باقية، إلى الأبد. وثانيهما، أنّ الذاكرة تنظّم الماضي وهي تستعيده. تطهّره من فوضاه المربكة. تعطيه دلالات لم تكُن له.

مقابل هذا كلّه، تفتح التكنولوجيا باباً للخلاص من خفّة الوجود الثقيلة. فالجيل الحالي ينتقل، بحسب لوتشانو فلوريدي في "الثورة الرابعة: كيف يعيد الفضاء المعلوماتي صوغ الواقع الإنساني؟"، من "التأريخ إلى التأريخ المفرط"، حيث تصعد بنا تكنولوجيا المعلومات، على الرّغم من قيود الزمان والمكان، صاعدة باتّجاه قدرة على اختزان ما مضى من معلومات وصور. هنا يُمكن أن يتحرّر الماضي من سلطة الذاكرة الانتقائيّة، ويُمكن أن تعتاد الإنسانية على المعالجة المسؤولة لحقائقه التي أصبح لها قدر من الوضوح والثبات، لا زال محدوداً بقوّة عوامل كثيرة، لكنّه يبقى غير مسبوق وقابلاً للزيادة.

*كاتب ومُترجِم من مصر

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف