القيم الإنسانية: نعم للممارسة.. لا للشعارات

 

رفيف رضا صيداوي*

ساعدت سنّة التطوّر الإنساني على أن ينمّي الإنسان خصائصه الفيزيقيّة والنفسيّة. وقد شكّل الضمير في هذا الإطار محوراً رئيساً لأنه هو الذي يسمح بتحكّمنا ببعض اندفاعاتنا، أو بتبنّي القيم الإنسانية والحدّ من ميولنا لإثبات الذات على حساب الآخر. أما القدرة على تفهّم مشاعر الآخر وفهمها بما يجعلنا قادرين على أن نضع أنفسنا مكانه (l'empathie)، فهي محرّك أساس لعلاقاتنا بأنفسنا وبهذا الآخر، بحيث يسهم تطوّرها في تطوير صفاتنا العاطفيّة النفسيّة…

وإذا ما حاولنا الربط بين القيم الإنسانيّة والفرد والمجتمع، لأدركنا أن الهدف الأساس للإنسانيّة على مرّ تاريخها، تمحور حول ضبط سلوكياتنا كبشرٍ ننعم بإمكانيات لا تتوفّر في الحيوان، وبالتحديد الإرادة والعقل والضمير، والتي جعلت الجنس البشري قادراً على الترفّع عن قوانين الطبيعة. غير أن التطوّر العلمي والتكنولوجي، وما رافقهما من تطوّر صناعي وفّر وسائل الراحة المختلفة في النموذج الرأسمالي، وسيادة النزعة الاستهلاكية، فتح باب البحث، الفلسفي والاجتماعي والديني وغيره، حول الأخلاق، ومن ضمنها القيم الإنسانيّة، على مصراعيه. وقد استمرّ هذا البحث على امتداد القرن العشرين، ولمّا يزل يشهد زخماً كبيراً في الزمن الراهن مع التحوّلات الاجتماعية السريعة التي رافقت ثورة الاتصال والتواصل في العالم، وما ذلك إلا لخير الإنسانيّة، وبناء مجتمع إنساني راقٍ، تسوده قيم الحق والخير والسعادة والجمال.

في الهواجس

حين أصدر الكاتب الفرنسي بيير بول Pierre Boulle روايته "كوكب القردة" (La Planète des singes) في العام 1963، أراد أن يقول إن الإنسان في تخلّيه عن القيم الإنسانية التي تميّزه عن الحيوان لا يعود قادراً على التكيّف مع المجتمع، وبما أن البقاء يكون للأقوى أو للأصلح، وبما أن الإنسان لم يعد هو الأصلح، بعد تخلّيه عن الكثير من القيم الإنسانيّة، جعل بيير بول القردة في كوكبه المتخيّل قردة متحضرين، ولديهم القدرة على الكلام والكتابة، فيما بدا البشر بدائيين، وغير قادرين على التواصل. وكأن الرواية استشرفت من خلال التخييل مصير الإنسان المعاصر الغارق حتّى أذنيه في الاستهلاك وعبادة الملذات متناسياً القيم الإنسانية والروحية.

في هذا السياق، دفعت عبارة "حين لا يبقى من محرّمات ولا حدود أخلاقية، يصبح الموت هو الحاكم"، دفعت هذه العبارة بالباحث الاجتماعي"جون كارول" للتعمّق في أفكار أساسيّة في كتابه الذي تناول فيه التاريخ الروحي للغرب الحديث، والذي يحمل عنوان: "تحطّم الثقافة الغربيّة". ففي هذا الكتاب نعى كارول على حدّ تعبيره "عصر الحركة الإنسانيّة العظيمة" التي دامت حوالى خمسمائة عام، بعدما قام بمراجعة التاريخ الروحي للغرب، معتبراً أن "قانون الشرف" شكّل مجد عصر النهضة الأوروبي، حيث كانت الحياة المجردة من الشرف غير جديرة بأن تعاش، وحيث إن أخلاق الواجب العام وخدمة المجتمع والدولة غير الأنانية كانت تنبع جميعها من "قانون الشرف" هذا. غير أن النزعتين الداروينية والليبرالية أدّتا بحسب مراجعة كارول دوراً مشابهاً كهادمتين للثقافة، وحرّضتا "المنطق والفرد المكافح ضدّ قوى التقاليد والشرف والسلطة والديانات السماوية".

أما الألماني هارتموت روزا Hartmut Rosa، وهو أحد أبرز علماء الاجتماع والفلاسفة المعاصرين، فنبّه من الوقع السلبي لظاهرة السرعة التي يتميّز بها العصر الراهن على الإنسان والمجتمع. فانطلاقاً من نظريته حول الزمن الاجتماعي ووتيرته المتسارعة، انتقد في كتابه Accélération: Une critique sociale du temps الصادر عن دار لاديكوفرت الفرنسية في العام 2010، التسارع التقني (وسائل الاتصال والتواصل…) وتسارع التغيير الاجتماعي (نمط العيش، البنى العائلية، الانتماءات السياسية والدينية…) وتسارع إيقاع الحياة الذي يعبّر عن نفسه من خلال ضغط الزمن والإجهاد، بوصفها أبعاداً ثلاثة تكاد تهدّد مشروع الحداثة نفسه، خصوصاً أنها تطال التغيرات الاجتماعية ومستقبل الفرد وعلاقته بالعالم. فتذوب التوقعات والهويات، ويسود الشعور بالعجز، وتمّحي الحدود الزمانية للتاريخ والحياة…

لئن دلّت هذه المعطيات على شيء، فإنما هي تدلّ على مخاوف إنسانيّة ومجتمعيّة عميقة أفرزتها التغيّرات السريعة في عالم اليوم، وما رافقها من تراجعٍ للقيم الإنسانية والأخلاقية وتزايد النزعة إلى العنف، ليس في العالم الغربي وحده، كما يحلو للكثيرين الاعتقاد، بل في العالم بأسره، ومن ضمنه وطننا العربي، خصوصاً بعدما باتت تسود العصر الراهن حضارة عالمية واحدة.

الباحث الفرنسي دانييل مرتان Daniel MARTIN، وفي دراسة له صادرة في 4/3/2009، بعنوان: "مجتمع عدم الثقة: كيف تتمّ عملية تدمير النموذج المجتمعي الفرنسي لذاته"( La société de défiance: Comment le modèle social français s’autodétruit) يرصد بالملاحظة والأرقام والبراهين تراجع القيم الأخلاقيّة في فرنسا، مثل فقدان معنى الالتزام الفردي، وفقدان معنى الواجب وغيرها من القيم الأخلاقيّة والمجتمعيّة، والتي نفتقدها بدورنا في الوطن العربي (راجع http://www.danielmartin.eu/adressemail.htm).

بناءً على ذلك، وفي ظلّ عالم يزداد فيه القتل والتقاتل ونبذ الآخر والظلم والتمييز، كمؤشرات تدلّ على ابتعادٍ تدريجي عن جوهر القيم الإنسانية، لم يكن من الغريب أن يتمّ تخصيص العام 2001 كعام للحوار بين الحضارات من قبل الأمم المتّحدة، وأن تتوالى الدعوات من أجل تعزيز الحوار والتفاهم والانسجام والتعاون بين الأديان والثقافات، من أجل القضاء على جميع أشكال التعصّب والتمييز القائمَين على أساس الدين أو المعتقد، والدعوات إلى حماية وتعزيز تنوّع أشكال التعبير الثقافي (اتفاقية حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي، اليونسكو 2005)…إلخ، بحيث يُصار من خلال هذه الدعوات الموجّهة للأفراد والجماعات والشعوب والدول، إلى بناء ثقافة جديدة مناهضة، تفعّل الذاكرة الإيجابية للتاريخ، والفكر النقدي، بغية تعرية دور السياسة والمصالح السياسية والاقتصادية في تسييس الدين تارة، وزرع الشقاق والنزاع تارة أخرى، والاستقواء بمختلف الوسائل الفعالة، التي تكرّس الحوار والتسامح والعدالة وغيرها من القيم الإنسانية الراقية، لتغدو مسالك راسخة بدل أن تظلّ مجرد شعارات. إذ إن تعزيز هذه القيم الإنسانيّة لا بدّ أن يفضي إلى سلام حقيقي بين الأفراد والجماعات والشعوب والدول.

جداريات

في إطار نشر القيم والمعايير الإنسانية وتعميمها، تبنّت دول عدّة هذه الدعوات بطرق مختلفة، أبرزها الأنشطة التي تستهدف الشباب والأولاد وتصب في دائرة التثقيف العام، داعية إلى التسامح والتضامن وفهم الآخر واحترام الغير. ومن الأمثلة على ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، تبنّي "مدارس المناهج" (السعودية) مشروع بناء وتعزيز القيم كمبدأ مهم وأساسي في تحقيق رسالتها التربوية والتعليمية، ومبادرات "إدارة التنمية المحلية في قطر الخيرية" (قطر)، الرامية إلى الاهتمام بالقيم السامية تعليماً ونشراً وتأهيلاً، وخصوصاً في نفوس الجيل الصاعد؛ ومبادرة "مؤسّسة الفكر العربي" عبر "مشروع الحوار والتماسك الاجتماعي من خلال دعم القيم الإنسانيّة المشتركة" (جداريات)؛ وهو مشروع مشترك بينها وبين مكتب اليونسكو الإقليمي للتربية في الدول العربية في بيروت يهدف إلى "إبراز بعض أولويّات القِيَم الإنسانيّة وتعزيزها في الوطن العربي على الصعيدين المحلّي والإقليمي بين الأطفال والناشئة، ولاسيما أن الهدف المحوري يتمثّل في رفع مستوى الوعي حول دَوْر منظومة القيم الإنسانيّة في تحديد المواقف والسلوك على المستويات الإقليميّة والوطنيّة والمحليّة"؛ وبغية تحقيق هذا الهدف المعلن، يسعى المشروع إلى تعزيز ثقافة الحوار والتسامح والمواطنة واحترام الاختلاف داخل المدرسة وبين الأطفال والناشئة، وإلى توعية الأفراد والمجتمع حول مدى تأثير وجود هذه القيم في المواقف والسلوك في الوطن العربي، وخطورة عدم الوعي بها أو عدم احترامها على التماسك الاجتماعي. وهذه الخطوة ليست سوى حلقة صغيرة من حلقات تفعيل لغة الحوار وإحلالها مكان لغة العنف، كأيديولوجية أو كاتجاه يتبنّاه كثر، سواء على مستوى الدول أم المجموعات أم المنظمات أم الأفراد. إذ لا يستوي العنف مع الحوار من جهة، ولا يستوي احترام القيم الإنسانية مع انعدام الحوار من جهة ثانية.

من هنا ضرورة بناء قدرات التفاعل والتواصل عبر مبادرات عدّة، وبخاصة المشروعات المدرسيّة وبرامج التعليم، لكون التعليم أهمّ ناقل للقيم بكلّ أطيافها، ومتى ما تمّ توجيه البرامج والمشروعات التعليميّة نحو الحوار واحترام القيم الإنسانيّة، لربما نكون بذلك قد نجحنا كمواطنين عرب في مكافحة الانهيار القيمي وغيره من الظواهر التي تهدّد النسيج الاجتماعي والثقافي والروحي لوطننا العربي؛ إذ إن ثمة فرقاً شاسعاً بين تعليم يسهم في استبطان الناشئة للقيم الإنسانية، وتعليم تلقيني للقيم يقوم على الإرشاد والوعظ، وتغدو معه القيم، في أحسن الأحوال، منفصلة عن السلوك ولا يردعها إلا القانون، بدل أن تكون-أي القيم- محفورة في الضمائر، كأفضل موجّه لها، حتّى مع غياب القانون.

*مؤسّسة الفكر العربي

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف