درس توفيق بكّار

%d8%a3%d9%85%d9%8a%d8%b1%d8%a9-%d8%ba%d9%86%d9%8a%d9%85

 

أميرة غنيم*

كنتُ منتصف التسعينيّات تلميذة في المرحلة الثانويّة، بمحفظة ثقيلة ومنديلٍ مخطَّط، حين أضحى عدوّي اللّدود رجلاً لا أعرفه، ويدعى توفيق بكّار..
كان مقرّراً علينا، ذلك العام، وفقاً للمناهج التعليميّة في تونس، "فنّ النادرة في الأدب العربيّ من خلال الجاحظ في بخلائه"، وكنتُ ممّن أُصيبوا مبكّراً بوسواس القراءة القهريّ، فلم تكُن تنجو منّي قصاصة ورق توقعها الصدفة بين يديّ ولو كانت فاتورة قديمة أو قرطاساً مخروطيّاً من الصنف الذي كان الباعة المتجوّلون في القرن الماضي يقتطعونه من الصحف والمجلاّت ويستعملونه في لفّ بذور عبّاد الشمس أو حبّ الذرة المحمّص.

ولك أن تتخيّل بهجتي يوم عثرتُ في المكتبة المدرسيّة على عدد قديم من مجلّة "فصول" المصريّة فيه تحليل بديع لنادرة من بخلاء الجاحظ بقلم ناقد لم تسمع به فتاة الخامسة عشرة اسمه: توفيق بكّار.. كان مقالاً طويلاً بعنوان "جدليّة الفرقة والجماعة" يحلِّل بأسلوبٍ فاتن، وعلى غير مثالٍ، نصّاً شهيراً للجاحظ هو "كلام بكلام"..
لا أذكرُ كم مرّة قرأتُ المقال وسطّرت منه مقاطع وحفظت منه أجزاء. كلّ ما أذكره أنّي ألفيت نفسي وأنا أشرح، بعد أيّام، نصّ امتحان مادّة الأدب العربيّ (الذي شاءت الأقدار أن يكون نصّاً من بخلاء الجاحظ عنوانه "كذب بكذب") أُحاكي الأسلوبَ نفسه الذي شرح به بكّار "كلام بكلام"، مُستنسخةً منهجه، ومُحاكيةً لغته، أحسب أنّي فتحت بذلك في باب شرح النصّ المدرسيّ فتحاً عظيماً، وأُمنّي نفسي بحيازة إعجاب مدرِّس مادّة العربيّة الشابّ الذي كنتُ مغرمة به مثل نصف بنات فصلي.
لم يدُم وهمي إلاّ قليلاً، فسرعان ما جاءتني النتيجة الصادمة: علامة رديئة لم يحدث أن نلت مثلها قطّ، مع ملاحظة قاسية من المدرّس يستغرب فيها خروج العمل عن المقتضيات الأكاديميّة، ويتعجّب من انحدار مستوى "الفتاة النجيبة" بهذا الشكل المُفاجئ.
ألقيتُ بخيبتي على كاهل توفيق بكّار. ورسخ في وهمي أيّام تلك الحادثة أنّ الرجل، وكنتُ أحسبه عندئذ مصريّاً من جيل طه حسين، يؤلّف كلاماً من باب الإنشاء لا يُعرف صدقه من كذبه. واعتبرتُ مقاله، الذي خلب لبّي حتّى قلّدته، شطحات شعريّة متناقضة مع متطلّبات البحث العلميّ الرصين، وكرهت "بكّاراً" الذي كان وراء "فضيحتي الأدبيّة" ونفرت منه.
غير أنّ القصّة لم تنته عند هذا الحدّ. فلم يلبث مدرّس العربيّة نفسه أن ألقى بين يديّ العام الموالي، وهو يدرّسنا ديوان أبي نوّاس، مقالاً جديداً لبكّار عنوانه "جدليّة الانكشاف والاحتجاب" يحلّل فيه قصيدة المغتسلة. أخذت منه المقال مكرهةً وأنا أفكّر في ما وراء ابتسامته الخبيثة. ولم أكد أقبل على أسطره الأولى حتّى ألفيتُ سحرَ النصّ يغسلني مع موصوفة أبي نواس من أحقادي الصبيانيّة، وانكشف لي ما احتجبَ عنّي، واستوعبتُ الدرس الضمنيّ: كنتُ في منتهى الغباء حين حاولتُ تقليد توفيق بكّار، إنّه بين الكتّاب بمنزلة أوراق العملة بين غيرها من ضروب الورق: أصليّ لا يُحاكى ونادرٌ لا يتكرّر، وكلّ تشبّه به هو تزييف وتزوير يستوجبان العقاب.
من بعد ذلك صار توفيق بكّار معبودي المفضّل. كانت صورته الصغيرة التي اقتطعتها من إحدى المجلّات التونسيّة ترقد تحت بلّور مكتبي المدرسيّ جنباً إلى جنب مع نجم التنس الأمريكيّ أندري أغاسي. وكنتُ كثيراً ما أتأمّل زرقة عينيه وشقرة شعره، وأستعيد ما رواه لي مدرّسي عنه من دفء الصوت وقوّة الكاريزما وحضور البديهة.. رحتُ أتخيّلني من جيل طلبة السبعينيّات أو الثمانينيّات أختلف إلى دروسه وأغترف من علمه الغزير. وأحسبُ أنّي لم أكن لأغيّر وجهتي من الاختصاص العلميّ إلى الاختصاص الأدبيّ إلاّ بتأثير ما خلّفه في نفسي الافتتان بما قرأته في صباي للأستاذ توفيق بكّار.
وفي الجامعة، لم يقع تحت نظري شيءٌ له، وكان مقلّاً، إلاّ قرأته في خشوع المتعبّد: مقدّماته في سلسلة "عيون المُعاصرة" التي كانت تبدو لي أحيانا أجود من الكِتاب نفسه، تحاليله الفريدة التي جمع أغلبها في كتابَيه "شعريّات عربيّة" (في جزءين) و"قصصيّات عربيّة"، ذكريات شبابه مع صديقه صالح القرمادي التي قرأتها في كتيّب له لم أعد أذكر عنوانه.
كان اختصاص "مناهج النقد الأدبيّ" قد استقرّ وحدة تعليميّة من ضمن الوحدات المكوِّنة لاختصاص العربيّة، وكان الطلبة من جيلي يقبلون عليه بشغف المُستكشِف من دون أن يدركوا أنّه اختصاصٌ أوجده في الجامعة التونسيّة منتصف الستينيّات المعلّم الأوّل توفيق بكّار. فقد كان من حظّ قسم العربيّة عند تأسيس الجامعة في تونس أن أشرفت عليه نخبة من الأساتذة مُزدوجي اللّسان يُتقنون الفرنسيّة إتقانهم العربيّة، إذ درس أغلبهم في جامعة السوربون في باريس، وتحصّلوا منها على التبريز في الآداب العربيّة. وكان الأستاذ توفيق بكّار طليعة هؤلاء متمكّناً، على الرّغم من تكوينه الكلاسيكيّ، من شعريّة تودوروف وبنيويّة جاكبسون، شديد القرب من فلسفة رولان بارت ومنهجه النصّاني في مُقارَبة النصوص الأدبيّة. على أنّ ولعه بالمناهج الحديثة في فترةٍ ساد فيها في الجامعة المنهج التقليديّ المُحافِظ في دراسة السرد والشعر لمْ يجعله في صدامٍ مع زملائه ممّن يمثّلون النزعة الكلاسيكيّة. فقد كان للأستاذ توفيق حظّ من اسمه جعله مغرماً بالجمع بين الثنائيّات الضديّة فإذا بها معه على وفاق، متآلفة منسجمة من ضمن جدليّات لا يعرف سرّها غيره. والبيّن أنّ هذه المقدرة على التوليف بين المتضادّات لم تشكّل عنده منهجاً في النظر العلميّ فحسب، كما يرشح في عناوين نصوصه، بل كانت مذهباً في الحياة وعقيدة في السلوك مكّنته من أن يجمع، مثلاً، إلى منزعه التحديثيّ ولعه بعيون التراث العربيّ، فإذا به يقنعُ الشقّ المحافظ في الجامعة بأنّ المنهج الحديث لا انبتات فيه ولا تغريب، بل هو في خدمة النصّ القديم: يفجّر مكنونه ويهتك أسراره. ومثلما اهتمّ بالنصوص التراثيّة شعراً ونثراً، فقد أقبل أيضاً على الشعر الحديث فكتب مقدّمته البديعة لـ "مختارات شعريّة" الذي أصدرته "دار الجنوب" لمحمود درويش، وقدّم لـروائع الأدب الحديث فكتب عن"سُدّ" المسعدي و"حدّث أبو هريرة"، وقدّم "المتشائل" لإميل حبيبي، و"موعد النار" لفؤاد التكرلي، و"موسم الهجرة إلى الشمال" للطيّب صالح، وغيرها.

إنّما المرء بأكبريْه..

وبهذا المذهب الوفاقيّ نفسه استطاع أن يجمع بين انفتاحه على الفكر الانسانيّ الرحب واحتفائه في غير تعصّب بالأدب التونسيّ المُعاصِر، فكان أوّل مَن أدخل إلى مناهج التدريس في الجامعة محمود المسعدي، وعلي الدوعاجي، وعزّ الدين المدنيّ، والبشير خريّف. ولم يمنعه انتماؤه الفكريّ إلى اليسار من أن يجمّع حوله طلبة من الأطياف والألوان السياسيّة كلّها، وأن يكون صديقاً حميماً لزملائه المُنتمين إلى الحزب الحاكِم ممّن كانوا مثله: أعمدة أساسيّة في بنيان الجامعة التونسيّة. وليس من الصدفة أيضاً أن نُسب إليه فضل التقريب بين المُبدعين والأكاديميّين ومزيّة ردم الفجوة بين الجامعة ومحيطها الثقافيّ بما كان يعقده من لقاءات ثقافيّة خارج الحرم الجامعيّ، فقد كان حريصاً على تجاوز الحدود الوهميّة بين الثنائيّات، بانياً الجسور بينها.. لذلك لم يستغرب أحد اهتمامه بنقد الفنّ التشكيليّ إلى جانب القصّة والرواية والشعر، ولا تنقّله في التدريس والسكن بين تونس وباريس كما لو كانا حيَّين متجاورَين من أحياء العاصمة التونسيّة.
أستحضر اليومَ هذا كلّه بعد أن شيَّعت تونس مؤخّراً ناقدها الفذّ إلى مثواه الأخير، ونعشه مغطّى بالعَلَم التونسيّ في موكبٍ مهيب حضره رئيس الحكومة التونسيّة ووزيرا الثقافة والتعليم العالي، ورؤساء الجامعات، ومئات من طلبة الأستاذ ورفاقه. أمهلته يد المنون تسعين عاماً من العطاء ونكران الذات والزهد في الألقاب الفضفاضة. لم توشّح اسمه يوماً تلك "الدّال" التي من أجلها يتنافس المتنافسون. كانَ أعظم من الدكتوراه فلم يطلبها من بعد وفاة أستاذه رولان بارت، وأضحى بذلك مضرب المثَل في الجامعة التونسيّة كلّما أريد الاستشهاد بأنّ الدكتوراه بذاتها لا تصنع مَجداً، وأنّ غيابها لا يُنقص من قيمةِ الأفذاذ من أساتذة الأجيال.
ظلّ صاحبُ القلم الفريد مُشارِكاً في الحراك الثقافيّ لآخر أيّام حياته، فقد قابله زوّار معرض تونس الدوليّ للكتاب في دورته الأخيرة: شامخاً على الرّغم من المرض، صوته خافت.. ولكنّه حازم..
ذهبَ توفيق بكّار وتركَ لنا درسه: إنّما المرء بأكبريْه.. علمه وبيانه..

 

*أستاذة في جامعة سوسة، تونس

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف