الدَّولة وباعة الرَّصيف في الجزائر

%d9%85%d8%a8%d8%b1%d9%88%d9%83-%d8%a8%d9%88%d8%b7%d9%82%d9%88%d9%82%d8%a9

 

د. مبروك بوطقّوقة

تشكّلت الدولة الحديثة في الغرب بعد انهيار النظام الإقطاعي القائم على ملكيّة الأراضي، وظهور النّظام الرأسمالي القائم على الصناعة والتجارة، وقد أدّى هذا التغيير إلى إعادة تشكيل الطبقات الاجتماعيّة، فظهرت طبقة البورجوازيّين كطبقة مضادّة للطبقة الإقطاعيّة المُوالية للسلطة السياسيّة المتمثّلة في الأرستقراطيّة الملكيّة، وتمكَّنت بعد صراعٍ كبير من تغيير قواعد اللّعبة السياسيّة بما فرضته من إصلاحات دستوريّة وسياسيّة. وقد أدّت الحوارات الحرّة التي كانت تجري في الفضاءات البورجوازيّة حول مختلف القضايا التي تهمّ المواطنين إلى إعطاء دفعة قويّة لظهور فضاء بورجوازي جديد يتكوّن من تجمّعات طَوعيّة لمواطنين مستقلّين يجمع بينهم هدف مُشترَك هو استغلال منطقهم في نقاشٍ حول الشأن العامّ، باستقلاليّة تامّة عن الدوائر السياسيّة.

هذا الأمر تنبَّه له المفكّر الألماني يورغان هابرماس وأسماه "الفضاء العامّ"، وهو مفهوم يشير إلى تلك المساحة المُشتركة التي يُشارِك فيها الناس كأندادٍ في نقاشٍ عقلانيّ طلباً للحقيقة والصالح العامّ (جيمس فينليسون، "يورجن هابرماس: مقدّمة قصيرة جدّاً")، وانتشر المفهوم في العلوم الاجتماعية، وبخاصّة عِلم الاجتماع الحضري والأنثروبولوجيا الحضرية، وتمّ استخدامه لمُقارَبة الفضاءات العمومية المُشترَكة في المناطق الحضرية والمدينية باعتبارها المكان الذي تُنسَج فيه شبكات العلاقات الاجتماعية، وتَظهر فيه علاقات الهَيمنة، ويتفاعل فيه مختلف الفاعلين الاجتماعيّين. كما تمّ تجسيد مفهوم الفضاء العامّ في شكلٍ مادّي ملموس مُمثَّلاً في الساحات العمومية والحدائق والأرصفة وغيرها من الأماكن المفتوحة التي يستخدمها المواطنون بطريقة مُشترَكة وغير مقيَّدة.

أمّا في عالَمنا العربيّ، فقد انقسم الباحثون بين رافضٍ للمفهوم ومؤيّدٍ للاستفادة منه، حيث ذهب الرافضون إلى اعتبار الفضاء العامّ مفهوماً غربياً خالِصاً، ونِتاجاً لسياقات سياسية وثقافية أوروبية تاريخية تختلف أشدّ الاختلاف عن تطوّر مجتمعاتنا العربية، وبالتالي لا يُمكن بحالٍ تطبيقه عليها. في حين ذهب المؤيّدون إلى أنّ المجال العامّ ليس حكراً على المجتمعات الأوروبية، وأنّه تمظهر في مجتمعاتنا بشكلٍ مختلف، ممّا يحتّم علينا الاستفادة من المفهوم نفسه بطريقة تراعي السياقات المحلّية والاختلافات الثقافية.

 

الرَّصيف كفضاء للفقراء

لم تَظهَر الدولة الجزائرية الحديثة كنتيجة لتطوّر اجتماعي واقتصادي وسياسي، بل كتكتّل مضادّ للاستعمار، وقامت التوجّهات السياسية بعد الاستقلال بمصادرة الحقّ في الاختلاف، وتبنَّت توجّهاً شمولياً أُوكِلت فيه ملكية وسائل الإنتاج للدولة، وهو ما منع ظهور بورجوازية وطنية مستقلّة عن السلطة الحاكِمة، بل إنّ احتكار المنافع المترتّبة عن الحُكم أدّى إلى استخدام النفوذ السياسي والإداري لتكوين ثروات طائلة لصالح السياسيّين والإداريّين الذين يسيطرون على المواقِع القيادية في البلاد، وبالتالي ظهرت طبقة بورجوازية مُحتكَرة بالكامل من قِبل السلطة ورجالها، تدور في فلكها وتدافع عن أطروحاتها وتستفيد منها في تعزيز مواقعها وتضخيم أموالها، وقامت بإعادة إنتاج الفضاء العامّ بما يخدم مصالحها هي لا بما يخدم مصالح الشعب.

في نهاية الثمانينيّات، أدَّت الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالبلاد إلى إعادة هَيْكَلَة الاقتصاد، ما أدّى إلى إغلاق عشرات المصانع وتسريح آلاف العمّال، وتخفيض قيمة الدينار، وتضخُّم الأسعار، وارتفاع معدّلات البطالة، وتآكل الطبقة الوسطى وانضمام شرائح واسعة من الجزائريّين إلى دائرة الفقر. وقد ظهر نمطٌ جديد لاستخدام الفضاء العامّ، وانتشر في كلّ المدن الجزائرية انتشار النار في الهشيم، وهو استخدام الأرصفة والساحات العامّة لأغراض تجارية وبطريقة فوضوية، فيما أسهم تحرير التجارة الخارحية في تدفّق السلع الرخيصة، بخاصّة الصينية منها، والتي وَجدت في الرصيف المكان الأفضل لتتسلَّل إلى بيوت الجزائريّين.

بالنسبة إلى هؤلاء الباعة الجائلين الذين انتشروا هنا وهناك عارضين سلعاً متنوّعة ومتعدّدة، لا يُعتبر الرصيف مجرّد مكان مرتفع على حافتَيْ الطريق يُستخدَم لتنقّل المشاة، بل يقيمون معه علاقات أقوى باعتباره المكان المُدِرّ للأرباح التي تسمح لهم بكسب لقمة العيش وإعالة أسرهم ومواجَهة تكاليف الحياة ومتطلّباتها الكثيرة.

يتحرّك باعة الرصيف بشكل مباشر لسدّ حاجاتهم بشكل فردي ومتفرّق، مدفوعين بقوّة الحاجة، وذلك من دون الكثير من الضوضاء؛ فهُم يتجنّبون عن عمد التحرّكات الجماعية والتكتّلات الجماهيرية وإذاعة ما يقومون به ونشره، ويبرّرون أفعالهم غير القانونية باعتبارها طُرقاً أخلاقية أو حتّى طبيعية للحفاظ على الحياة، وهو ما يطلق عليه "آصف بيات" عالِم الاجتماع الأميركي من أصل إيراني اسم "استراتيجيّة الزحف الهادئ" (آصف بيات، "الحياة كسياسة، كيف يغيّر بسطاء الناس الشرق الأوسط؟")، ويلجأ الباعة إلى هذه الاستراتيجية لأنّهم ببساطة لا ينضوون، شأن عمّال المصانع أو طلبة الجامعات، تحت كيان مُهيكَل ومُنظَّم يُمكن من خلاله أن يعبّروا عن مطالبهم، وبالتالي فهُم لا يمتلكون قوّة تنظيمية يُمكِن أن تُحدِث تأثيراً أو تشكِّل ضغطاً على السلطات لتستجيب لمطالبهم.

يدخل باعة الرصيف في علاقة معقّدة مع الدولة وممثّليها من السلطات المحلّية والشرطة، وهي علاقة تعتمد على الكرّ والفرّ؛ إذ يعتبر الخطاب الرسمي للدولة تجارة باعة الرصيف تهديداً للاقتصاد الوطني، وضرباً لمداخيل الخزينة العمومية، وطريقة للتهرّب الضريبي. إلّا أنّ الدولة حين تكون "رخوة"، وفي أوقات الأزمات ووضعيات الغليان الاجتماعي والترهّل المؤسّساتي، تتسامح مع هؤلاء الباعة شرط أن يكون تواجدهم على الرصيف محدوداً، وقد تنظر إلى الموضوع من زاوية تحرّرها من واجبها تجاه هؤلاء الفقراء وتجد في نشاطهم كباعة طريقةً للتخلّص من ضغوطهم، وفرصةً لتجنّب أعبائهم المالية والاجتماعية.

من جهة أخرى، تشكِّل الحداثة، كطريقة حياة، أمراً مكلفاً لهؤلاء الباعة؛ فهُم يريدون الاستفادة من منافعها لكنّهم لا يستطيعون تحمّل تكلفة تلك المنافع، يريدون ممارسة الأعمال التجارية والحصول على الأرباح وتأمين دخل معقول، لكن لا قدرة لديهم على دفع الإيجارات المرتفعة للمحلّات، ولا على دفع تكاليف السجلّات التجارية، ولا على دفع الضرائب وأقساط التأمين الإجباري، ولا تكاليف الحسابات البنكية وغيرها من المصاريف الضرورية لممارسة الأنشطة الاقتصادية، لذا يسعون إلى العيش خارج نطاق الدولة والمؤسّسات الحديثة، ويقومون بتأسيس علاقاتهم على التبادليّة والثقة والتفاوض وليس على أساس التعاقدات الرسمية، ويتوجّهون إلى الأعمال المرتبطة بالفرد نفسه وليس إلى العمل تحت النظام المعمول به في سوق العمل الحديث، ويقترضون الأموال من بعضهم البعض وليس من البنوك، ويلجأون إلى أسلوب حلّ النزاعات غير الرسمي من دون الاستعانة بالشرطة أو التقاضي أمام المحاكِم.

لهذا السبب يرفض هؤلاء الباعة كلّ الاقتراحات التي تقدّمها لهم الدولة بتوفير محلّات رسمية في محاولةٍ لتسوية أوضاعهم، لأنّهم يعون جيّداً أنّ تحرّكهم خارج نطاق التعاقدات الرسمية أكثر فائدة من الناحية الاقتصادية، ولأنّهم يرغبون في الحفاظ على حرّيتهم بعيداً عن مؤسّسات الدولة وما تمارسه عليهم من تعاقدات مُكلفة مادّياً، كما أنّهم لا يرغبون في التخلّي عن "مركز المدينة" الذي يشكّل لهم رمزاً للفرص التجارية بما يوفّره من كثافة اقتصادية وبشرية، بل إنّ الكثيرين منهم استفادوا بالفعل من محلّات تجارية وفّرتها لهم الدولة مجّاناً، وبعد تجربة قصيرة قاموا بالتخلّي عنها لعدم جدواها التجارية وعادوا إلى احتلال الرصيف من جديد.

الرصيف كبارومتر لقياس قوّة الدولة

تقوم الدولة الحديثة بحسب ميشال فوكو على فكرة المُراقَبة والمُعاقَبة، أي القدرة على تعقّب الأفراد ومراقبتهم طوال حياتهم، واستخدام حقها الشرعي في ممارسة العنف والعقاب، وكذلك من خلال إعادة إنتاج المعرفة بما يخدم سيطرتها على المجتمع (ميشال فوكو، "المُراقَبة والمُعاقَبة، ولادة السجن")؛ لكنّ الباعة في كلّ ما يقومون به إنّما يسعون للاستقلال عن الدولة ومؤسّساتها. وبهذا فهُم يشكّلون نسقاً مُعارِضاً لنسق الدولة، يعمل وفق فلسفة تُناقِض الأُسس التي قامت عليها الدولة نفسها، لأنّ الاستقلال وعدم الرسمية في الفاعلين والأنشطة والأماكن، يجعل ظاهرة الباعة "ظاهرة غير شفّافة"، لأنّها تبقى بعيدة عن دفاتر الحكومة وهو ما يحرم الدولة من المعرفة الضرورية لممارسة السيادة ويحرمها من القدرة على المُراقَبة والمُعاقَبة.

ومن هنا، فإنّ الدولة تبذل قصارى جهدها لوضع باعة الرصيف تحت المُراقَبة، وتسخِّر كلّ الأساليب المُمكِنة لتحقيق ذلك. لكن، حين تشعر أنّ كيان هؤلاء الباعة تضخَّم لدرجة تصبح معها مراقبتهم والتحكّم بهم أمراً مستحيلاً فإنّها تتحرّك. لكنّ تحرّكها محكومٌ بحسابات كثيرة، لذا فهو يكون أحياناً بسيطاً ومحدوداً، وفي أحيان أخرى يكون صارماً لا يبقي ولا يذر. إلّا أنّ التجربة بيّنت أنّ ظهور الباعة من جديد أمرٌ مؤكَّد إلى أن تتمّ مُعالَجة الأسباب العميقة للظاهرة عبر التوزيع العادل للثروة وتوفير حياة كريمة لجميع المواطنين.

عموماً، يُمكن القول إنّ ظاهرة استيلاء الباعة الجائلين على الرصيف هي نوع من البارومتر لقوّة الدولة، فكلّما قويت الدولة وأحكمت سيطرتها على الفضاء العامّ تراجعَت عمليّات الاستيلاء على الرصيف، وكلّما ضعفت الدولة ازدادت عمليّات الاستيلاء على الرصيف؛ بحيث تُعتَبَر هذه الظاهرة مقياساً دقيقاً لنجاح أو فشل سياسات الدولة في التوزيع العادل للدخل والثروة، ومؤشّراً قويّاً على سلامة اقتصاد البلاد أو على عِلله.

 

*باحث وكاتب من الجزائر

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف