تقرير “منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية” البلدان المتطوّرة: إلى الوراء سر !!

 

نشرت مجلة "لاريفو" (La Revue) الشهرية في عددها الذي يحمل الرقم 30 والصادر في شهر آذار/ مارس 2013، دراسة أعدَّها الخبير الفرنسي في مجال الاقتصاد والديموغرافيا أوليفييه ماربو Olivier Marbot بعنوان: "البلدان المتطوّرة: تراجع مُبَرمَج" (Les pays développés: un déclin programmé) أن دول الشرق الآسيوي تسير بخطى حثيثة نحو تزعُّم العالم، وأن الثقل العالمي الاقتصادي والديمغرافي يميل إلى الشرق، لتصبح الصين والهند وروسيا، في غضون العقود الثلاثة المقبلة، الدول الكبرى بلا منازع. وقد استند الباحث الفرنسي إلى معطيات قدّمتها "منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية" (OCDE). في ما يلي ترجمة للدراسة.

تــرجــمــة : حـسـيـن جـــــــــواد قـبـيـسـي

ستصبح الصين في المدى القريب، أي خلال عقد واحد من الزمن ـ بحسب ما يرى المحلّلون الاستراتيجيّون والمختصون بعلم المستقبل (futurologues) ـ الدولة الأولى في العالم، متقدِّمةً على الولايات المتّحدة. يؤكّد هذه الرؤية التقرير الصادر مؤخَّراً عن "منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية". ويكاد هذا التقرير لا يُضيف شيئاً إلى ما هو معروف، باستثناء ما يقوله من أن هذا التقدّم سيتجلّى حقيقةً واقعة بدءاً من العام 2016، وليس بدءاً من العام 2020، كما هو شائع في الأدبيات الاقتصادية.

علينا أن نعترف ـ آملين ألا يشكّل ذلك صدمةً لأحد ـ أن العام 2012 هو العام الذي اجتازت فيه الصين خطّ التفوّق في السباق الدولي؛ فإجمالي الناتج المحلّي (PIB) للصين تخطّى ـ ولأول مرّة في التاريخ ـ جملة دخول دول منطقة اليورو الـ17 مجتمعةً. فإذا تركنا جانباً التمارين المدرسية التي تُعطى لطلاب الاقتصاد حول الناتج القومي للبلدان المختلفة، علِمنا أن هذا الناتج ليس مقياساً مطلقاً لقياس ثروات البلدان المختلفة ومدى غناها، ولا يصلح، بخاصة، لقياس نوعية المعيشة ومستواها داخل كلّ بلد. لكن ذلك لا يَحول ـ اقتصادياً، على الأقل ـ دون أن تكون كفَّة الشرق هي الآخذة في الرجوح في الميزان الاقتصادي للعالم، ودون أن يكون هذا الحدث آخذاً في الرسوخ، وسيزداد رسوخاً طيلة النصف الأول من القرن الجاري.

على أن التقرير الصادر عن "منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية"، تحت عنوان: "آفاق 2060: النموّ الاقتصادي الشامل على المدى البعيد"، يبدو أحياناً لقارئه شبيهاً بعملية جَلد الذات، حيث إنه يُعلِن الخسائر التي تُصيب هذا الكم الكبير من البلدان المتطوّرة (34 دولة) لمصلحة عدد من البلدان "النامية" اقتصادياً وأخرى "في طريقها إلى النموّ". فالدولة الثانية التي ستتخطّى أوروبا والولايات المتّحدة، بعد الصين، هي الهند؛ وفي حوالى العام 2025 سيتخطّى وزن الصين والهند الاقتصادي مجتمعتَيْن وزنَ جميع الدول الأعضاء في منظمة " الكبار السبعة" (G7)، وفي العام 2060 يكون وزن تَيْنكَ الدولتين قد تجاوز بأشواط بعيدة وزن دول "منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية" جميعاً.

هذا الحدث البالغ الأهمية سيشمل في واقع الأمر بلدان جنوب شرق آسيا جميعاً، ففي ظلّ العملاقين الصيني والهندي سينتعش وينمو الوزن الاقتصادي لأندونيسيا وماليزيا والفيليبين وفيتنام وكمبوديا وماينمار، فقد أخذت تلك البلدان، ومنذ فترة، تسجّل أرقام نموّ اقتصادي مدهشة، تتميَّز بالثبات والديمومة. ويفسِّر ديفيد كاربون David Carbon (وهو كبير خبراء الاقتصاد في "بنك سنغافورة للتنمية") هذا الواقع بقوله إن ما يميِّز فترة النموّ الاقتصادي الحالية عن الفترات السابقة بين العامين 2000 و2007، هو أن هذه البلدان جميعاً آخذة بالنموّ والتقدّم، في حين تمرّ الولايات المتّحدة وأوروبا بحالة من الركود والتراجع. كما تمرّ الصين أيضاً بحالة من الانهاك الاقتصادي. ويتساءل الاقتصادي الكبير: ماذا تفعل تلك الدول من أجل ذلك؟ ثم يُجيب: "طبعاً ليس من طريق زيادة النفقات العامة، لأننا نرى أن الدين العام لتلك الدول يتقلّص. فنموّها ناتجٌ عن الاستهلاك الداخلي، وعن تدفق رؤوس الأموال الخارجية والاستثمارات الأجنبية لتوظيفها في الداخل. وليس ثمة حاجة لدراسات مطوَّلة من أجل فهم ذلك: فمنطقة جنوب شرق آسيا هي اليوم أكثر مناطق العالم حيوية ونشاطاً على الصعيد الاقتصادي. فمَن يمتلك أموالاً للاستثمار، ما عليه اليوم سوى أن ييمِّمَ وجهَه شطر تلك البلاد لكي يُصيب ربحاً وخيراً وافِرَيْن. فشمال البوصلة الاقتصادية بات اليوم جنوب شرق آسيا"!

غير أن ثمة أمراً بالغ الأهمية يجب التنبّه إليه، وهو أن البلدان الآسيوية، بما فيها تلك التي تتقدّم بخطى واسعة، ما زالت شديدة التخلُّف على صعيد دخل الفرد فيها، أي توزّع الثروة بين مواطنيها. وتلك هي النقطة المهمّة الثانية التي يُشير إليها تقرير "منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية" "آفاق 2060": فحتى ولو زاد إجمالي الناتج المحلّي في هذه البلدان الناهضة اقتصادياً، 3% سنوياً للفرد، في مقابل الزيادة السنويّة لهذا الناتج بنسبة 1.7% في البلدان المتطوِّرة، فإن التفاوت سيبقى على حاله في العام 2060. بطبيعة الحال، سيتقلَّص التفاوت في الغنى، فأبناء البلدان الفقيرة ستتضاعف دخولهم 4 مرّات بين العامين 2011 و2060، في حين أن دخول الهنود والصينيّين ستتضاعف 7 مرّات. على أن الأميركي أو الأوروبي سيبقى بعد خمسين عاماً أغنى من الفيتنامي أو البرازيلي. ما يعني أن الأمور ستبقى أيضاً نسبيّة ضمن الوجهة العامة.

في موازاة ذلك، يقول كنزوكي تنكة مدير مكتب آسيا في "منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية" إن ثمة أمراً بالغ الأهمية، وهو أنه "يُحكى كثيراً عن صعود طبقة وسطى في البلدان الآسيوية، وتلك حقيقة قائمة وأمرٌ واقع منذ عشر سنوات على الأقل. بيد أنه يجب ألا يغيب عن البال أبداً أن هذه الظاهرة يترتَّب عنها نتائج خطيرة، ولاسيّما على صعيد الارتفاع الهائل في نفقات التعليم والرعاية الصحية".

شعوبٌ تشيخ

يُتيح التأمل في التقرير الصادر عن "منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية"، يتيح فهم النتائج المتوقَّعة من وراء تطوّر ذي طبيعة أخرى، وهو التطوُّر الديموغرافي. فنادرةٌ هي البلدان التي لم تعرف هبوطاً مريعاً في معدَّلات الولادات فيها خلال السنوات الأخيرة، سواء كانت تلك البلدان فقيرة أم غنية، متطوّرة أم في طريقها إلى النموّ؛ في حين أن متوسّط العمر المتوقَّع فيها آخذ في الصعود المستمر. أما ما يترتَّب على ذلك، فما هو إلا نتيجة منطقية له: ففي العقود الخمسة المقبلة سيتناقص حجم القوى العاملة والفاعلة (أي الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و65 سنة، استناداً إلى المعايير المُعتَمَدة حالياً) بالنسبة إلى جملة حجم السكان في كل بلد؛ في حين أن حجم باقي السكان الذين يتَّكِلون في عيشهم على تلك القوى سيتزايد كثيراً.

يذكر تقرير "منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية" أن أكثر من 60% من سكان كوريا وسلوفاكيا وبولونيا واليابان في العام 2060 سيكون فوق الـ65 عاماً، وأن هذه النسبة ستتجاوز الـ50% في الصين وسلوفينيا وتشيكيا وهنغاريا وأسبانيا وسويسرا وأستونيا والنمسا والبرتغال واليونان وإيطاليا وألمانيا.

ولئن كانت هذه التوقعات معروفة من قبل أن يعلنها التقرير المذكور، فنادرة هي البلدان المتقدّمة التي تأخذها مأخذ الجدّ وتُعِدُّ لها وتعمل بما يقتضي مواجهتها. غير أن الهند وأندونيسيا بخاصة، سوف تتفادَيان تلك الظاهرة بفضل نسبة الولادات المرتفعة لديهما. فهذان البلدان كلاهما، سوف تتخطّى نسبة نموّهما، في غضون السنوات العشر المقبلة، تلك التي عرفتها الصين.

حتماً، لن يكون أسياد اليوم هم أسياد العالم غداً! لكن صاحب الفطنة الأكثر ذكاءً، هو من يعرف مَن هم سادَةُ العالم بعد غد!!

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف